روسيا تكتب خطابا على ظهر "توشكا".. التوقيت والميدان والمخاطب

تاريخ النشر: 07.03.2021 | 05:47 دمشق

إسطنبول - تيم الحاج

لاتُفاجئ روسيا أحداً في سوريا إذا أفرغت حمولة طائراتها العسكرية وأطلقت قذائف مدافعها قاصدة حصد أرواح مدنيين وتدمير منازلهم وتهجير من ينجو من محرقتها، فهذا ديدنها منذ أيلول 2015، لكنها وبلا شك تدفعنا للتساؤل إذا ما شنت هذه الحملة في منطقة تحميها تركيا بريف حلب، وأخرى يمر عليها هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لتوقيع اتفاق "آذار للتهدئة"، الذي كان الروس والأتراك طرفيه، وأكدا على استمراريته قبل أقل من شهر في الجولة 15 من مسار "أستانا".

 

روسيا تكسر هدوء إدلب وقصف ترحين في كل حين

كان أهالي إدلب وبعض مناطق ريف حلب يوم الخامس من آذار الحالي، مع موعد لحملة قصف طارئة قررت روسيا اتخاذها دون مقدمات عسكرية أو حتى سياسية.

ويشكل هذا اليوم الذكرى السنوية الأولى لوقف زحف قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية في مناطق شمال غربي سوريا بدعم روسي واسع قبل عام، حينما تدخلت تركيا عسكرياً عبر عملية "درع الربيع" وسياسياً عبر اتفاق الساعات الطويلة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، لتخليص ملايين السوريين من كارثة كادت أن تقع إذا ما واصل حينئذ، نظام الأسد زحفه أمام تراجع وتشتت فصائل المعارضة بفعل الضربات الروسية العنيفة.

 وفي إدلب أسفرت حملة النظام وروسيا عن مقتل مدنيين أحدهما طفل يبلغ من العمر 16 عاماً وأصيب آخرون، في قصف مدفعي وصاروخي على بلدة بزابور الواقعة في محيط مدينة أريحا، ترافق ذلك، مع قصف للطائرات الحربية الروسية على معمل البلوك على أطراف بلدة معرة مصرين، بالقرب من مخيم مرام.

وطال القصف أيضاً قرية شاغوريت وبلدة الزيارة في منطقة سهل الغاب والسفح الغربي لجبل الزاوية.

لم تمض ساعات على هذا القصف، حتى قررت روسيا توسعة دائرة لهيب نيرانها لتشمل مناطق تخضع للنفوذ التركي في ريف حلب وتحديداً بمنطقة "درع الفرات"، حيث سقطت مجموعة من صواريخ أرض- أرض كبيرة الحجم على منطقة تعج بالمواد النفطية سريعة الاشتعال، محولة ليل المنطقة إلى نهار.

لللل_0.jpg
عنصر من الدفاع المدني يخمد النيران نتيجة قصف صواريخ أرض- أرض على سوق للنفط بقرية ترحين بريف حلب

وأوضح بيان صادر عن وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة، أن صاروخاً مصدره الساحل السوري وآخر من معامل الدفاع في سفيرة ضربا صهاريج محملة بالنفط في معبر الحمران التجاري الذي يربط مناطق سيطرة الجيش الوطني بمناطق سيطرة "قسد" بريف حلب، ما أدى إلى احتراق عدد من الصهاريج. ويقع معبر الحمران شمال شرقي مدينة الباب وجنوبي مدينة جرابلس.

ونشر ناشطون صوراً لبقايا صاروخ من نوع "توشكا" الروسي الذي تمتلك قوات النظام أعداداً كبيرة منه، وتستخدمه في الآونة الأخيرة في قصف مناطق سيطرة المعارضة، حيث تنطلق معظم هذه الصواريخ من معامل الدفاع في سفيرة جنوبي مدينة حلب.

ووفق مصادر لموقع تلفزيون سوريا، فإن عدد الصهاريج المحترقة والمتضررة من جراء حريق الليلة الماضية بلغ قرابة 100 صهريج، حيث يبلغ ثمن القاطرة أو الصهريج 25 ألف دولار أميركي على الأقل، في حين تباع الشاحنات الصغرى بقرابة 10 آلاف دولار. وكذلك احترقت سيارة إطفاء تابعة للدفاع المدني وتضررت أخرى.

وتعد قرية ترحين والمناطق الأخرى مجاورة سوقاً رئيسياً للمحروقات التي تغذي مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري. وتضم المنطقة عدداً من مخيمات النازحين، الذين يعمل معظمهم في بيع وتكرير النفط القادم من مناطق سيطرة "قسد".

وترحين على موعد متجدد مع القصف الذي عادة لا تتبناه أي جهة بل على العكس فإنه وبمجرد أن يحدث تسارع وسائل إعلام روسيا وإيران إلى نقله دون الإشارة إلى الجهة التي تقف وراءه.

 وكانت ترحين تعرضت في 9 من شباط الفائت لقصف بصاروخ فراغي أسفر عن مقتل مدني وإصابة اثنين آخرين، كما أدى لاندلاع حرائق ضخمة في المنطقة.

كما تعرضت حراقات النفط في ترحين وقرى تل شعير وبئر الكوسا بريف جرابلس في شهر تشرين الثاني عام 2020، لغارات جوية من قبل طيران مجهول أسفر عن مقتل عدد من المدنيين واحتراق عدد من صهاريج النفط ودمار عدد من الحراقات.

157884031_3820597474686549_2682095700064058961_o.jpg
آثار الحرائق في سوق للنفط بقرية ترحين بريف حلب

 

خروقات لم تتوقف

قبل أيام من هذه الحملة الروسية، أحصى فريق "منسقو استجابة سوريا" 324 خرقاً لاتفاق "التهدئة" في إدلب نفذه النظام بدعم من موسكو، وجاء في تقرير الفريق أن الخروقات لم تتوقف شمال غربي سوريا منذ عام.

وتمثلت هذه الخروقات عبر استهداف الأحياء السكنية في قرى وبلدات ريف إدلب، وذلك بهدف منع عودة السكان المحليين لمناطقهم، إلى جانب تنفيذ الطائرات الحربية الروسية والطائرات من دون طيار عمليات قصف على قرى وبلدات ريف إدلب راح ضحيتها عدد من المدنيين.

وجدد التقرير دعوة جميع الجهات المعنية بالشأن السوري، للعمل على تثبيت وقف إطلاق النار في مناطق شمال غربي سوريا، وإيقاف الخروقات المستمرة بهدف تمكن المدنيين من العودة إلى مناطقهم، محذراً روسيا من عرقلة إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود أو تعطيلها لأي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي.

وحث الفريق الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي على منع روسيا من إجراء أي تحركات تؤدي إلى منع دخول المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى النازحين السوريين، مشيراً إلى حدوث كارثة إنسانية في حال إغلاق المعبر الوحيد لإدخال المساعدات عبر تركيا.

اقرأ أيضاً: ضحايا مدنيون بقصف صاروخي استهدف حراقات النفط شمال شرقي حلب

اقرأ أيضاً: روسيا تتهم "الخوذ البيضاء" بالتخطيط لاستفزاز النظام في إدلب

هل من رسالة روسية إلى أنقرة؟

يمكن القول إن هذه الحملة لم تأت انعكاساً لتعثّر سياسي في الغرف المغلقة بين اللاعبين الرئيسيين تركيا وروسيا، فقد جرت العادة أن الأعمال العسكرية لطالما تنتج عن وصول أفق التفاهمات إلى طرق مسدودة، لكن والحال الآن لا تشير إلى شيء من ذلك، فما السبب الذي يدفع روسيا إلى تعكير الهدوء في مناطق تراقبها تركيا وأخرى تحميها؟.

لعل هذا السؤال يصعب الإجابة عليه في الوقت الراهن لقلة المعطيات، خاصة وأن أنقرة لم تعلق حتى الساعة، على القصف الذي طال مناطق "درع الفرات"، على الرغم من أنه باتت متكرراً ومؤذياً على صعيدي الاقتصاد والأمن، في منطقة من المفترض أن الجيش التركي يحميها.

حتى إن آخر حراك سياسي جمع الطرفين حول سوريا، منتصف شباط الفائت، أفضى إلى التوافق، كان ذلك في الاجتماع الـ 15 لمسار "أستانا" في مدينة سوتشي الروسية، حيث توافقت كل من روسيا وتركيا وإيران، خلال هذا اللقاء على تمديد اتفاق التهدئة في إدلب.

لكن كان لافتاً ما رصده موقع تلفزيون سوريا من حوار لمجموعة من المرتزقة الروس الذين يقاتلون في سوريا، على تطبيق "تلغرام" حول ضلوع موسكو بشكل مباشر في عملية استهداف سوق النفط في ريف حلب، إذ ربط هؤلاء بين توقيت هذا الاستهداف مع الذكرى السنوية الأولى لاتفاق "التهدئة" في إدلب، وسخروا من فصائل المعارضة التي تعتمد على هذا الاتفاق كحل لوقف العمليات العسكرية.

اقرأ أيضاً: مرتزقة روس يؤكدون ضلوع موسكو في قصف حراقات النفط بريف حلب

 

للللل_0.PNG
مرتزقة روس يؤكدون ضلوع روسيا بقصف قرية ترحين

صحيح أن المسؤولين الأتراك لم يخرجوا بتصريحات تدين تجدد القصف على إدلب التي تعج بنقاط المراقبة التركية، وترحين التي تخضع للنفوذ التركي، لكن مصادر محلية قالت إن الجيش التركي في إدلب قصف أمس السبت، بشكل مكثف عدة تجمعات عسكرية لقوات نظام الأسد بمحيط إدلب، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى في شباط 2020 عندما أعلنت تركيا انطلاق عملية "درع الربيع" بعد مقتل العشرات من عناصرها على يد قوات نظام الأسد في بلدة بليون بجبل الزاوية بريف إدلب.

اقرأ أيضاً: بعد أستانا 15.. قوات الأسد تواصل قصف إدلب والفصائل ترد

وكانت الحصيلة النهائية لعملية درع الربيع تحييد 3 آلاف و138 عنصراً للنظام وإسقاط 3 مقاتلات و8 مروحيات و3 طائرات من دون طيار وتدمير 151 دبابة و52 راجمة صواريخ و47 مدفعية و8 منصات دفاع جوي.

 ووفق مراقبين فإن تركيا لطالما أوجدت حلولاً للجم نظام الأسد وروسيا إذا ما كانت الأمور ستخرج عن السيطرة على الأرض، وفي إدلب يستبعد أن تقوم الآن عملية عسكرية برية حتى وإن اشتدت عمليات القصف الروسي فالمنطقة تعد محصنة بالجيش التركي، أما في ريف حلب فقد تدفع عمليات استهداف أسواق النفط في ترحين وغيرها وقبلها بمدينة الباب تركيا إلى نشر منظومة الدفاع الجوية "حصار" كما فعلت ذلك سابقاً في إدلب.

مقالات مقترحة
أوقاف النظام السوري تسمح بإقامة صلاة التراويح بالمساجد في رمضان
دول عربية وإسلامية وأوروبية تعلن الثلاثاء أول أيام شهر رمضان
كورونا.. ارتفاع عدد الإصابات شمال شرقي سوريا