icon
التغطية الحية

ذكرياتي السورية.. رحلة "يان بيسترون" من نابولي إلى دمشق مروراً ببيروت وتدمر

2022.05.11 | 13:37 دمشق

7676767867867676786.png
رحلة يان بيسترون.. ذكرياتي السورية (بيروت - تدمر - دمشق)
أحمد العربي
+A
حجم الخط
-A

انطلق الباحث والأكاديمي البولندي "يان بيسترون" من مدينة نابولي إلى بيروت عام 1926 عبر البحر باحثاً عن روح الشرق، المختلف والمتميز عن الغرب، في وجهة إلى عموم سوريا، لينقل إلى قرائه مشاعره وما جال بخاطره، ومتفحصاً بعين الباحث المتقصي ما يراه ويشاهده.

وفي كتابه "رحلة يان بيسترون.. ذكرياتي السورية (بيروت  -  تدمر -  دمشق)" خط الكاتب الأوروبي في كتابه أهم ميزات رحلته إلى سوريا ولبنان، ليترجم كتابه على يد نهاد نور الدين جرد عن دار التكوين السورية عام 2009.

  • في بيروت

بيروت مدينة هجينة ليست أوروبية في نمطها الحياتي والعمراني، وكذلك ليست شرقية، حيث بدأت تعتمد النمط الحياتي الغربي. يوجد فيها قصور تعود إلى حقب قديمة، كذلك الجوامع والكنائس. إلى جانب طبقات ثرية منها آل سرسق الذين امتدت أملاكهم إلى فلسطين، حيث حاولت الحركة الصهيونية شراء بعض ممتلكاتهم خلال تمددها في الأراضي الفلسطينية بعد وعد بلفور عام 1917.

وفي ذلك الوقت كانت بيروت تحت حكم الانتداب الفرنسي، لكن بالرغم من سيطرة الدولة العثمانية عليها، إلا أنها كانت تحت الوصاية الغربية لحماية الأقليات المسيحية، حيث كانت تلك طريقتهم في اختراق المجتمعات معتمدين على المصالح التجارية المباشرة.

وعملت الدول الغربية على بناء المؤسسات التعليمية، حيث افتتح الفرنسيون جامعة القديس يوسف، وشيد الأميركيون الجامعة الأميركية، بهدف تنشئة جيل متعلم يحمل ولاء للغرب عموماً.

وفي تلك الفترات نشطت حملات التبشير الفرنسية الكاثوليكية، والأميركية الإنكليزية البروتستانتية، والروسية الأرثوذكسيّة الشرقية، بحثاً عن الاتباع وخلقاً للنفوذ، لكن هذه الحملات لم تستطع أن تحقق نجاحاً واسعاً في مراحلها المبكرة.

وفي المشاهدة التي لاحظها الباحث لفت إلى أن عدد المسيحين في لبنان وسوريا بلغوا نحو 300 ألف نسمة من موارنة وكاثوليك وغير ذلك، في حين بلغ عدد المسلمين مليون ونصف المليون معظمهم من السنة، إلى جانب عدد من الطوائف والمذاهب الأخرى مثل الشيعة والدروز والإسماعليين والعلويين. 

وتوزع السكان في سوريا ولبنان بين حضر في المدن وفلاحين في الأرياف وبدو رحل رعاة في الصحاري، وهؤلاء عرب وهم الأغلبية، كما يوجد أكراد وأرمن وشركس. 

  • من عصر الفينيقيين إلى العصر الحديث

عاد الرحالة إلى تاريخ بلاد الشام منذ آلاف السنين قبل الميلاد، ماراً بالمعالم المندثرة للفينيقيين (الشعب الذي كان يسكن سواحل المتوسط وبلاد الشام)، ولكن تم كشف كثير من تاريخهم عبر الحفريات الأوروبية التي بدأت حديثاً. 

وكانت بلاد الشام منطقة تقاطع مصالح طرق تجارة وصراع الإمبراطوريات عبر التاريخ. حيث تصارع الفرس من الشرق والرومان والبيزنطيين من الغرب والمغول والتتار من الشمال والعرب قبل الإسلام وبعده من الجنوب.

كما أن بلاد الشام كانت مركز الإشعاع الديني حيث وهبت اليهودية والمسيحية للعالم وجاء الإسلام من جزيرة العرب عابراً منها منتشراً في العالم. 

وتكثر الأوابد المهملة والعامرة في بيروت ودمشق وعكا ومعظم مدن بلاد الشام. حيث قلعة الحصن والأكراد وبعلبك وغيرها كثير،  وتتجاور الجوامع مع الكنائس فوق معابد غارقة في القدم، مثل الجامع الأموي في دمشق الذي ما زال يشكل نموذجاً حياً لذلك. 

ولم ينقطع الغرب عن غزو بلاد الشام منذ آلاف السنين، وفي كل عصر له أسبابه التي يدعيها. منذ الإسكندر المقدوني وصولاً للحملات الصليبية التي جاءت واستقرت وصنعت دولاً في بلاد الشام استمرت لثلاثة قرون، ومن ثم تم طردهم بشكل نهائي على يد صلاح الدين الأيوبي. 

ويعود التنوع الديني المسيحي برأي الكاتب إلى هذه العلاقة مع التوسع الغربي في بلاد الشام. حيث يعتقد أن الموارنة في لبنان هي امتداد لبقايا الحملات الصليبية القادمة من فرنسا. مفسراً بذلك ميل الموارنة للعلاقة الخاصة مع فرنسا وحرص فرنسا على رعايتهم، كما يعيد الدروز أيضاً إلى بقايا الحملات الصليبية في لبنان، وفق تعبيره.

  • السيطرة على إرث العثمانيين 

ويمر الكاتب على أيام الدولة العثمانية وكيف فرض الغرب عليها وصاية على الأقليات المسيحية في بلاد الشام حيث جاء الروس والأميركان والإنكليز والفرنسيون، كل يرعى طائفة مسيحية ومنها وعبرها يحاول اختراق الدولة العثمانية بهدف تحقيق مصالحه.

ولم يتوقف الغرب وخاصة الإنكليز والفرنسيين عن التخطيط للاستحواذ على إرث العثمانيين، خاصة في نهاية عهدها وفي مراحل ضعفها.

وبعد الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918 وفوز الحلفاء على ألمانيا والدولة العثمانية، خان الغرب الشريف حسين ولم يوفوا بعهودهم معه بإعطائه بلاد الشام وامتدادها إلى الجزيرة العربية وبناء مملكة عربية، حيث طرد الشريف حسين من الجزيرة العربية، ودامت دولة ابنه فيصل سنتين في دمشق، ثم طرده المستعمر الفرنسي إلى العراق حيث أصبح ملكاً لفترة محدودة، ووضع أخاه عبد الله ملكاً على شرقي الأردن، تحت الوصاية الإنكليزية على أراضي الأردن والعراق. 

  • احتلال فرنسا لسوريا

احتل الفرنسيون سوريا الكبرى، وعملوا على تقسيمها إلى دويلات، حيث أسست دولة لبنان الكبير بعد ضم بعض أجزاء من سوريا لقضاء لبنان ليصبح دولة مستقلة بعد ذلك. كذلك دولة دمشق ودولة حلب التي اتحدتا لاحقاً. ودولة العلويين في اللاذقية والساحل السوري، ودولة الدروز في جبل العرب، وحكم ذاتي في لواء إسكندرون، الذي أعطي من الفرنسيين للأتراك بعد ذلك 1939، هذا غير الحكم الذاتي لمناطق الأكراد والمسيحيين في الشمال الشرقي من سوريا.

لم يقبل السوريون واقع الاستعمار الفرنسي فقامت ثورات في كل المدن السورية كان أهمها الثورة السورية الكبرى عام 1925 التي عاصرها الكاتب عند مجيئه إلى دمشق وحاول الوصول إلى السويداء ليلتقي مع قائدها سلطان باشا الأطرش.

وتحدث عن الاختلاف بين البدو والحضر بالنسبة للسويداء وجوارها، وكذلك الصحراء والمدن المجاورة. حيث نشب صراع بين بدو رعاة ومزارعين، مشيراً إلى حصول توافقات تجارية وتبادل مصالح بينهم.

وتطرق الكاتب للأفق التحرري القومي العربي الذي ظهرت معالمه في المؤتمر العربي الأول الذي حصل في باريس عام 1913، متنبئاً بأن الوجود الفرنسي المستعمر لسوريا لا أفق له وأن السوريين جادين في العمل لتحقيق حريتهم واستقلالهم.. وهذا ما حصل بعد ذلك.

  • أيام في تدمر

جاء الكاتب إلى سوريا وفي نفسه حلم يراوده بزيارة تدمر لمشاهدة آثارها واستعادة ذكرى ملكتها زنوبيا. وأكّد أن الرحلة كانت شاقة جداً.

وعايش "بيسترون" الصحراء التي شبهها ببحر الرمال وسيارات النقل بالسفن، وكيف وصل إليها ووجد أنها واحة تتربع على عرش الصحراء في بلاد الشام على طريق التجارة بين المدن السورية إلى العراق وفارس وبلاد الهند، وكيف استطاع أذينة الملك التدمري أن ينتصر على الفرس والروم لفترة من الزمن ويبني مملكته، ثم ليموت في إحدى المعارك. ولتكون بعده زنوبيا زوجته الملكة التي دافعت عن ملكها وماتت في سبيله، وتركت وراءها مجداً حاضراً في تدمر إلى أبد الدهر.

  • النهاية في دمشق

يختم الكاتب رحلته في دمشق التي كانت تغلي في مواجهة الفرنسيين الذين كانوا قد قصفوها في ذلك الوقت، رداً على ثورة أهلها وثورة السوريين جميعاً ضد المحتل الفرنسي.

وعرج كذلك على الغوطة واصفاً إياها معتبراً أنها واحة دمشق متربعة على أعتاب قاسيون في حضن جبال الحرمون وقمته جبل الشيخ. ونهر بردى هبتها الرائعة.

وزار الباحث كذلك بحيرة طبريا بين الجولان وفلسطين، ومنها عاد إلى صيدا ثم بيروت ليبحر عائداً إلى بلاده، في رحلة دونها لتصبح إحدى واحدة من أبرز الرحلات الغربية إلى سوريا ولبنان.