درس درعا والخلاص

تاريخ النشر: 13.09.2021 | 06:06 دمشق

رغم الدم والدمار والمواجع، ليَكن ما حدَث مؤخراً في درعا درساً للسوريين جميعاً: "لا يحكّْ جِلْدك مِثل ظفرك"؛ ولا تستعيد حياتك وبلدك وقرارها، إلاّ بيدك وعملك وعقلك وبإرادة جامعة؛ فعندما ترك السوريون قضيتهم بأيدي الآخرين، وبين أنيابهم، وحسب مصالحهم- لأسباب مختلفة، وأحياناً واهية- فقدوا كل شيء؛ وتحوّلوا إلى تفصيل ثانوي ينتظر حماية، أو إلى أداة لتدمير بعضهم البعض، أو موظفي معارضة، أو مشرعنين للاحتلالات؛ أو إلى كائنات بانتظار سلّة غذائية أو خيمة أو فكّ حصار أو قطرة وقود أو ساعة كهرباء أو ربطة خبز.

هؤلاء الآخرون يتصرفون بالقضية السورية بناء على مصالح بلادهم وطموحاتهم؛ وآخر ما يلتفتون إليه هو "مصلحة الشعب السوري ودولته وسيادتها"- رغم تبجحهم كثيراً بذلك. فهم يتناحرون بين بعضهم البعض، يستنزفون بعضهم البعض، ويستخدمون السوريين لتنفيذ وتحقيق أهدافهم سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً. وما يوفّر لهم ذلك بشكل أساسي ليس عبقريتهم أو قدراتهم الحربية الجبارة، بل جشع منظومة الاستبداد للسلطة، ورهن سوريا من أجل ذلك؛ وضعف وتبعثر الجانب السوري الرافض لتلك السلطة الموبوءة إدارةً وإرادةً وخبرةً.

تتشارك مع تركيا، مستغلَّة هاجسها الأمني، وفي الوقت ذاته تبرر استمرارها بقصف الشمال السوري، بسبب عدم قيام تركيا بواجبها تجاه ما تسميه "بؤر الإرهاب" هناك

-روسيا ليست مغرمة ببشار الأسد؛ وعبّرت عن ذلك مرات عديدة؛ وبداخلها تعرف أن لا همَّ لطغمته إلا البقاء في السلطة- ولو تدمَّر كل شيء؛ وهي تعرف استعدادية هذه المنظومة لبيع أي شيء، والقفز إلى أي حضن مقابل ذلك. من جانب آخر، لا يغرنا عدم استخدام روسيا وحشيتها في الجنوب السوري؛ فهي لم توفّر أسواقا أو مدارس أو مشاف؛ وتمنّعها عن ذلك في درعا ليس عفّة أو أخلاقاً أو إنسانية، بل استخداماً لدرعا وأهلها في "فرك أذن النظام" وتلبيةً لالتزامات قطعتها مع آخرين مضطرة لمراعاتها.

أما بالنسبة للأطراف الأخرى المنخرطة في القضية السورية مباشرة، أم غير ذلك؛ فنهج روسيا معها هو التالي:

  ترمي سهام اللوم والانتقاد تجاه أميركا كوجود غير شرعي، مُبْرِزَةً "وجودها الشرعي" في سوريا بناء على دعوة "النظام الشرعي". وفي الوقت ذاته تسعى لنيل رضى أميركا بتوافقات تخدم ملفاتها.

  * تتشارك مع تركيا، مستغلَّة هاجسها الأمني، وفي الوقت ذاته تبرر استمرارها بقصف الشمال السوري، بسبب عدم قيام تركيا بواجبها تجاه ما تسميه "بؤر الإرهاب" هناك.

  * تعرف أوجاع إيران، وخبث مشروعها، ولعبها بالأسد وابتزازه، واستغلالها للبعد الطائفي للتخريب المعمق في محيطها؛ وفي الوقت ذاته، تستغل العقوبات المفروضة على إيران، وملفها النووي المتعثر؛ وتُبادلها الابتزاز إياه. ويبقى الملعب السوري البيئة الأنسب، والأقل تكلفة لهما.

  * أما الجهة التي تحولت إلى ميدان لبهلوانيات الدب الروسي فهي بعض البلدان العربية. ولا بد هاهنا من لحظ علاقة مافيوية تربط محيط بوتين وبعض منظومات الحكم الأبدية. ذلك لاقى ترجمة على الساحة السورية؛ حيث نُقل أن أعمال بوتين العسكرية في سوريا كانت مموّلة من بعض تلك العصابات المتحكمة بمصير بعض الدول العربية.

أما الأطراف الأخرى، فهذه بعض ملامح توجهاتها في سوريا:

  • تركيا تأخذ من حقيقة الحدود الطويلة مع سوريا، وإشكالياتها الأمنية المزمنة مع "البي كي كي" حجة قوية، ومن حملها ملايين السوريين النازحين "المهاجرين"- بتعبيرها- ورقة قوة؛ وتلتفت إلى مصالحها، وتمشي على حبال مشدودة مع روسيا وإيران وأميركا وأوروبا ومعارضتها الداخلية؛ حتى مع المعارضة السورية العاملة على أرضها.

   — إيران تسعى لاستكمال هلالها الشيعي، وتسليك طريقها نحو مكة؛ تأخذ من سوريا ورقة مساومة في مشروعها النووي؛ تعرف أوجاع روسيا في سوريا؛ تقدّم لطغمة الاستبداد الأسدية ميليشيات لقتل السوريين، والفيتو على أي إمكانية لحل سياسي؛ وتقدم لباقي الشعب السوري المخدرات والتشييع.

  • إسرائيل تلعب لعبتها مع إيران في سوريا؛ تتمتع بحرص روسيا -حامي النظام الأساس- على كسب ودّها؛ وتملي مسار الأمور بالتحكم عن بعد، وبعض القصف الجوي في الأرض السورية؛ وطبعاً تعيش أطيب فترات حياتها مستمتعة بدمار سوريا وأهلها.

والحال هكذا، وفي البحث عن حل يعيد سوريا وأهلها إلى سكة الحياة الحرة العفيفة الكريمة؛ هل يفتح السوريون جبهات مع كل هؤلاء كأعداء؟ في الواقع والحقيقة، يبدو أن هذا مفروض ومحتَّم؛ ولكنه مستحيل. لا بد من مقاربات تستند إلى وعي حقيقي لهذا الحال؛ ينطلق بداية من استيعاب لتلك المصالح والسياسات التي سترسم حياتهم ومستقبلهم بشكل ما. يهمنا كسوريين بداية أن نعيد لبلدنا مكانه الاستراتيجي، وألا يكون تحت أي عقوبات أو مقاطعة، وأن يستفيد اقتصادياً من أي مشروع اقتصادي/ أكان الغاز والكهرباء أو غير ذلك/ ولكن ليس بوجود هذه الطغمة التي تبتلع خيرات البلد وتُذِلُّ أهله تحت يافطة المقاطعة. ونريد من المتحمسين لدور سوري ألا يكون اهتمامهم فقط بتلك المنظومة الاستبدادية، لكن بسوريا وأهلها أولاً.

لا بد من خطة وطنية مدروسة لبناء دولة جديدة تشارك فيها كل الأطراف، وعلى مبدأ العدالة الانتقالية

في ضوء هذه الإطلالة على استراتيجيات تلك القوى الفاعلة في تحديد مصير بلدنا، ماذا نحن فاعلون لاستعادتها؟ هل نتمركز بكل أنانية وفردية حول أنفسنا، وننتظر القَدَر المحتم للضياع الكلي؟ جواب الجميع حتماً بالنفي؛ ولكن ماذا نحن فاعلون؟ مرة أخرى، لنعد إلى مهد الثورة واستمرارها، درعا؛ فمن الواضح أن أهلها وأبطالها ما امتلكوا ترسانة عسكرية لمواجهة الغزاة، ولا احتياطيا اقتصاديا يسعفهم في صمودهم بوجه الحصار. لقد امتلكوا إرادة الحياة والحرية والذكاء وحسن وصدق النوايا في إدارة الأمور؛ امتلكوا الكلمة والموقف والنيّة والإيمان بالبقاء الكريم في بلد ليس لهم غيره. ومن هنا الدرس العظيم ليس لمَن يعارض منظومة الاستبداد فقط، بل لكل السوريين. لا بد من خطة وطنية مدروسة لبناء دولة جديدة تشارك فيها كل الأطراف، وعلى مبدأ العدالة الانتقالية، وخلق جسور تواصل و"تسامح" بين كافة الأطراف بعد توقف الجرائم وإزاحة المجرمين. كل بلدة أو مدينة سورية، وعشرات مناطق اللجوء السوري فيها العقلاء والحكماء وأبناء البلد الغيورون أصحاب الهمم العالية والإرادة الطيبة والوعي الراجح. يمكن لمن يقع الخيار عليهم التشبيك والتواصل وخلق مؤسسات ترسم خارطة الخلاص بكافة السبل؛ ليس من شأن مقال أن يرسم تفصيلات هذه الخارطة؛ حسبه تقديم رؤية.