خطّ الدم الواصل من إدلب إلى طرابلس الغرب

خطّ الدم الواصل من إدلب إلى طرابلس الغرب

الصورة
07 أيار 2019

لا يبدو مشهد الألم الإنساني الجاري في طرابلس مختلفاً عنه في إدلب وريف حماة، فالمدنيّون هم ضحايا الاقتتال في الغرب وهم ضحايا القصف الهمجي في الشرق. المبرر الذي يرفعه الجنرال خليفة حفتر في هجومه على طرابلس هو ذاته الذي يرفعه بشّار الأسد في قصفه للمدن والقرى السوريّة. باتت ذريعة محاربة الإرهاب علامة فارقة لكلّ من يريد أن يحقق مكاسب سياسيّة بأساليب عسكريّة وأمنيّة. لم يقتصر الدخول على هذا الخط ورفع هذا الشعار على الحكومات والأنظمة بل تعداها إلى فصائل وجماعات وميليشيات، فهو تجارة رابحة وأوراق اعتماد تُقدّم لأصحاب القرار الأعلى.

يكادُ المشهد يتماثل من الناحية الكلّية بين ليبيا وسوريا، وباستثناء رمزيّة إزاحة القذّافي عن المشهد وقتله بتلك الطريقة المُهينة، نجد الأمر تقريباً في سوريا يسير في نفس الاتجاه، فالنظام الأسدي لم يسقط، لكنّه تهالك وتداعى لدرجة أنه لم يبقَ منه سوى القشور اللازمة لاستكمال المهام المطلوبة منه لصالح مشغّليه، ورأس هذا النظام لم يعد أكثر من ممسحة

النتيجة المطلوبة من بقاء نظام الأسد هي إضعاف سوريا وتحطيمها بشكل نهائي أو على الأقل بأكبر قدر ممكن

لأحذية بوتين والخامنئي ونتنياهو. كذلك حال النظام الليبي الذي عاد للسيطرة بحراب عرّابي الثورات المضادّة من أنظمة عربيّة وأخرى غربيّة، فما قيمة حفتر بأكبر من قيمة بشّار.

النتيجة المطلوبة من بقاء نظام الأسد هي إضعاف سوريا وتحطيمها بشكل نهائي أو على الأقل بأكبر قدر ممكن، وقد تمّ ذلك أو هو على طريق الإنجاز. احتلالات أجنبيّة متعددة، كيانات شبه مستقلّة في أجزاء مختلفة من البلاد، اقتطاع أجزاء وإلحاقها نهائياً بدول أخرى، بنية تحتيّة مدمّرة بشكل شبه كلّي، بنية مجتمعيّة ممزّقة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة أنتجت ولاءات وانتماءات على أسس وأبعاد ما دون الوطنيّة، تتدرّج من القوميّة إلى الدينيّة فالطائفيّة فالمذهبيّة فالقبليّة فالمناطقيّة، أجيال كاملة فاقدة الأمل، شعبٌ مشرّد في أربع أصقاع الأرض، ومن بقي منه في الداخل بات إمّا مسخاً أجوفاً من أيّة قيمة أو فكر أو انتماء أو إنتاجيّة، أو عاجزاً بشكل كلّي ومقهوراً ومكبّلاً، أو حبيساً في مسالخ لم يعرف الإنسان مثل بشاعتها إلّا في عصر محاكم التفتيش.

نفس النتيجة وصلت إليها ليبيا مع بعض الفروقات، انقسامات مجتمعيّة على أسس قبليّة تارة وعلى أسس جهويّة مناطقيّة تارة أخرى، احتلالات متعدّدة بواسطة الوكلاء المحليين، بنى تحتيّة شبه مدمّرة في أغلب المدن والقرى، فشل في أداء ما تبقّى من مؤسسات الدولة على كلّ الأصعدة، انعدام أفق الحل في الوقت القريب أو في المدى المنظور.

تبدو المقارنة بين عجز حكومة الوفاق الوطني بقيادة الدكتور فايز السرّاج عن توحيد لفصائل العسكريّة التابعة أو المساندة لها، وعجزها عن التأسيس لنظام بديل مقنع للداخل الليبي قبل المجتمع الدولي، وبين عجز الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عن القيام بنفس المهمّة، تبدو في محلّها ومكانها.

فرغم الدعم الدولي السياسي المتمثّل بالاعتراف بحكومة السراج واعتبارها الممثل الشرعي للشعب الليبي في المحافل الدوليّة، إلا أنها لم تستطع القيام بالإجراءات الضروريّة اللازمة للانتقال بالدولة من مرحلة الفصائليّة إلى مرحلة المؤسسات الوطنيّة، وهذا أحد الأسباب التي فتحت الباب واسعاً أمام حفتر لعرض خدماته كبديل قادر على تحقيق ذلك. بالنسبة لجميع الدول المتدخّلة في الشأن الليبي وخاصّة منها روسيا وأميركا وفرنسا وإيطاليا، يمكن للمرء أن يجزم بأنّ آخر همّها مصالح الليبيين وطموحاتهم بدولة مدنيّة ديمقراطية موحّدة، بل قد يكون العكس صحيحاً إلى حدّ بعيد. لذلك فإن ما يعرض القيام به الجنرال حفتر أقرب للتحقيق وأسهل للمنال وأكثر قرباً من مصالح هذه الدول. في النهاية ثمّة استحقاقات مطلوبة منه بغضّ النظر عن كونه سيعيد إنتاج نظام القذّافي بكل تفاصيله القديمة، بل قد يكون هذا بأمّ عينه هو المطلوب.

وفي سوريا عجزت جميع القوى المسمّاة معارضة والمحسوبة بشكل او بآخر على الثورة عن إنجاز الحدّ الأدنى من استقلال القرار الوطني، وكذلك عن بناء الثقة بينها وبين من يُفترض أنّها تمثّلهم. ما الذي تسعى إليه الدول صاحبة الشأن من سوريا ومن الأطراف المتحالفة معها من جهتي الصراع؟ أليس آخر همّهم كذلك تحقيق حُلمِ السوريين بدولة مواطنة موحّدة تحقق طموحاتهم وآمالهم وتبني

 كيف يمكن الحديث عن أمل بمستقبل مشرق ونفس الأشخاص والوجوه التي تصدّرت المشهد منذ اليوم الأوّل للثورة ما زالت في الواجهة؟

مستقبل بناتهم وأبنائهم؟ بلى هو كذلك، فليس لدى أي من الأطراف المتنازعة على سوريا وفيها أي هدف سوى تحقيق مصالح دولته أو نظامه أو جماعته أو حزبه أو فصيله أو حتى مصالحه الفرديّة. كلّ ما نسمعه من خطابات محض كذب ومجرّد شعارات فارغة.

 كيف يمكن الحديث عن أمل بمستقبل مشرق ونفس الأشخاص والوجوه التي تصدّرت المشهد منذ اليوم الأوّل للثورة ما زالت في الواجهة؟ ألم يخطر ببال أحد من هؤلاء كأفراد أو من تنظيماتهم أو أحزابهم أو جماعاتهم أن يقوم بمراجعة نقديّة بسيطة لمجمل ما حلّ بنا من كوارث، أو على الأقل لما يتحمّله هو كفرد أو كمجموعة من مسؤولية؟ هل هيئة تحرير الشام التي قتلت وشرّدت من السوريين ما عجز عن القيام به نظام الأسد هي طموحنا وغايتنا؟ هل خرجنا ضدّ الأسد ونظامه لنقع تحت حكم الجولاني وزعرانه؟ ماذا قدّمت مؤسسات المعارضة والثورة كي تغيّر هذا الواقع؟ وهل يدفعُ أحدٌ ثمن الهمجيّة الروسية والإجرام الأسدي والطائفيّة الإيرانية والإرهاب القاعدي سوى نحن السورييّن الواقفين على خطوط الدم بين الحياة والموت؟

الحقيقة أنّ النتائج تُبنى على مقتضياتها، والمقدّمات الخاطئة توصل بالضرورة إلى نتائج خاطئة، فما بالنا إن كانت المقدمات والمعطيات والأهداف وآليات تحقيقها جميعها خاطئة؟ إنّ المحاكمة المنطقيّة البسيطة ستقودنا بالضرورة إلى النتيجة التي نراها ماثلة أمام أعيننا على أرض الواقع، والجميع يتحمّل المسؤوليّة بلا استثناء، من كافّة المستويات الشعبيّة والعسكريّة وحتى السياسية مروراً بالمجتمع المدني ومؤسساته المختلفة.

رغم قُدسيّة الحياة البشريّة المفترضة، ورغم حُرمة الدم الإنساني المعلنة من قبل الجميع، إلّا أننا نرى عذابات لا حصر لها وآلام لا يمكن تصوّرها. ما الذي جناه ابن طرابلس أو إدلب أو غيره من أبناء مدن وقرى هذه المحيط الكبير سوى الخراب والدمار والتهجير؟ هل جنت أحلامه على أحد حين قال إنّه رأى الشمس والقمر له باسمين؟ هل كانت الحريّة والكرامة كفراً أم مطلباً مستحيلاً لا يستحقّها هو وأمثاله من الكائنات المسمّاة ظاهريّاً وافتراضيّاً بشراً في هذه المنطقة؟

لقد كان البسطاء من البشر على الدوام الحلقة الأضعف في الحروب، هم من يدفعون الثمن الأكبر وهم من يقتلون ويشرّدون ويهجّرون على أيدي من يدّعون حمايتهم والدفاع عن وجوده ومصالحهم. سيكون الطريق طويلاً جدّاً، وعراً ومحفوفاً بالمخاطر والأهوال، مزروعاً بالألغام والعوائق. ستطول معاناة الناس ما بين مستبدّ وآخر، ما بين مجرم ومجرم، ما بين مستعمر وغازٍ خارجي وطامع فاسد غاصب داخلي، وليس أمامنا سوى الصبر ثم الصبر والصبر.

شارك برأيك