خطف وتعذيب وابتزاز.. مهاجرون سوريون بين براثن "حزب الله"

خطف وتعذيب وابتزاز.. مهاجرون سوريون بين براثن "حزب الله"

sirya-1.jpg
علم "حزب الله" مقابل علم النظام السوري على الحدود السورية اللبنانية  (Mignews)

تاريخ النشر: 26.06.2022 | 13:55 دمشق

إسطنبول - سامر العاني

لم يكن يعلم (عبد الستار ع) المنحدر من قرية جفر منصور في ريف حلب الجنوبي، أنّ السيارة التي تقلّه وعائلته من منطقة قب الياس في لبنان، ستقوده إلى رحلة تعذيب طويلة للمطالبة بفدية مالية. كل ما كان يجول بباله أنّ تلك هي ساعاته الأخيرة في لبنان، وأنّ سيارة الفان المكتوب عليها الهرمل - بعلبك ستوصله إلى منطقة التهريب التي سيركب منها مركباً يوصله إلى أوروبا.

كانت السيارة تشقّ طريقها باتجاه الهرمل زعماً من المجموعة التي تدعي أنها تعمل في تهريب البشر أنّ نقطة التجمع في الهرمل، لكنها لم تتوقف، بل تابعت طريقها لقرية قصر المحاذية للحدود اللبنانية السورية.

بدأ الشك يتسلل إلى عبد الستار، وسأل عن سبب التوجه إلى قرية قصر ولم يتوقفوا في الهرمل، فكانت الإجابة أنّ نقطة التجمّع تغيرت بسبب وجود حواجز أمنية على الطريق وأنّ الكثير من الراغبين في الهجرة تم نقلهم إلى نقطة تجمّع جديدة.

تحوّل شك عبد الستار إلى يقين بأنه وقع في ورطة عندما تجاوزت سيارة الفان قرية قصر وعبرت الحدود اللبنانية السورية، ولم تتوقف أكثر من دقيقة على حاجز عسكري سمح لهم بالمرور من دون تفتيش أو تدقيق، وكأنه يعلم بموعد مرورهم ويعرف الأشخاص الموجودين فيه.

قرية زيتا

توقفت السيارة في مزرعة بالقرب من السد المائي في قرية زيتا الواقعة غرب مدينة القصير في ريف حمص الغربي، كان يوجد في تلك المزرعة ست غرف، واحدة منها خصصت للأبقار الموجودة في المزرعة، أما الغرف الخمس المتبقية فكانت ممتلئة بالأشخاص المخطوفين.

تعدّ هذه القرية الواقعة على الحدود اللبنانية السورية إحدى أهم القرى التي تمارس فيها ميليشيا "حزب الله" أنشطتها غير القانونية.

يقول أحد أبناء القرية الذين استطاع موقع تلفزيون سوريا التواصل معهم إنّ مختار القرية تم تعيينه من قبل "حزب الله"، ويشارك معهم من خلال تأمين احتياجاتهم.

وبخصوص تلك المزرعة يقول إنّ "كل من في زيتا يعلم أنّ هذه المزرعة كانت مركزاً لتجميع التهريب، إن كانوا بشراً أو غيرها من مسروقات أو مخدرات أو كل ما يمكن تهريبه" مضيفاً أنّه يتقاضى راتباً مقابل ذلك.

شاهد عيان

من خلال البحث وصل موقع تلفزيون سوريا إلى شاهد عيان كان أحد المخطوفين في تلك المزرعة، اُختطف وخرج بعد أن دفع لهم مبلغ 4000 دولار كانت قد أرسلتها عائلته للخاطفين فور اختطافه، وهو أيضاً شاهد على الفترة التي كان يوجد فيها عبد الستار وعائلته في المزرعة.

تم عرض مقطعين مصورين لعمليات تعذيب شخصين، ليؤكد الشاهد (أخفي اسمه لأسباب أمنية) أنّ هذه هي المزرعة الموجودة في قرية زيتا والتي يتم تجميع المخطوفين فيها، وأنّ المقطع الأول يعود لـ "عبد الستار" الذي تم اختطافه عن طريق سمسار وعده بتأمين هجرة مضمونة إلى أوروبا هو وعائلته مقابل مبلغ 6000 دولار أميركي.

يروي الشاهد أنّ عبد الستار تعرض لعنف شديد بعد أن حققوا معه وعرفوا أنّ له أقاربَ في أوروبا، حيث رفض في البداية التواصل معهم لدفع فدية للخاطفين.

بعد رفض عبد الستار مناشدةَ أقاربه هددوه بقتل ابنه البالغ من العمر شهرين، ليقبل بعدها بالمناشدة من خلال مقطع مصور.

وعن رفض دفع الفدية يقول الشاهد إنه رأى كيف يقطعون ساق شخص رفض ذووه دفع الفدية على مدة أكثر من شهر، ورأى أيضاً كيف قتلوا أحد المخطوفين الذي حاول الهرب.

وفي حين كانت جميع الدلائل تشير إلى أنّ الشبكة تتبع لـ "حزب الله" اللبناني، جاء تأكيد الشاهد على ذلك، فالشبكة على حد قوله لم تخف انتماءها للحزب.

ويشير في معرض حديثه إلى أنّ المزرعة لا تبعد أكثر من 300 متر عن مقر للفرقة الرابعة، ومع ذلك لا يستطيع أحد من الفرقة الاقتراب منها.

مفاوضات

بالتواصل مع محمد اللهيبي أكد أنّ الخاطفين تواصلوا معه وأرسلوا له مقاطع صوتية، يطلبون فيها فدية لإطلاق سراح عبد الستار أو أنه ستتم تصفيته، ثم أرسلوا له مقاطع مصورة لعملية تعذيبه.

يقول اللهيبي إنه لم يرفض في البداية ولم يحاول إغضابهم لكنه طلب مهلة ليتم تأمين المبلغ، وخلال تلك المهلة تواصل مع شخصيات عشائرية نافذة في المنطقة لحل تلك المشكلة وإخراج قريبه.

لم تتمكن الشخصيات العشائرية من إطلاق سراح عبد الستار، لكنها استطاعت ضمان عدم تعرضه للتعذيب أو الإيذاء، وتخفيض المبلغ إلى 7 آلاف دولار عدا المبلغ الذي كان بحوزته، بالإضافة إلى هاتفه وبعض المقتنيات الشخصية.

وبالسؤال عن الشخص الآخر الذي انتشر مقطع مصور له وهو يتعرض للتعذيب أيضاً، يقول اللهيبي إنّ هذا المقطع وصل له عن طريق الخاطفين بالخطأ ونشره لاعتقاده أنه أحد المخطوفين.

سمسار تحت التعذيب

بالعودة إلى شاهد العيان وسؤاله عن الشخص الذي يظهر في أحد المقاطع وهو يتعرض للتعذيب، قال إنّ هذا الشخص اسمه أيوب كيال من ريف دمشق، وهو أحد السماسرة الذين يعملون مع الشبكة.

يؤكد الشاهد أنّ أيوب كيال تم احتجازه بعد خطف عبد الستار بيومين، وتم تعذيبه بسبب تقاضيه أموالاً من المهاجرين لم يخبر الشبكة بها.

ومن خلال عملية تقصّ عبر شبكة الإنترنت تم العثور على حساب نشط لأيوب كيال على تطبيق التواصل الاجتماعي "تيك توك" خصصه للحديث عن اللاجئين في لبنان، ويظهر في أحد المقاطع أنه يعمل في تأمين طرق سفر للاجئين الذين يرغبون في الهجرة.

ومن خلال عملية تقصّ أكبر عثرنا على حساب جديد لأيوب كيال يتحدث عن عملية اختطافه دون الإفصاح عن السبب الحقيقي.

في مقطع آخر على الحساب المنشأ حديثاً ينصح أيوب كيال متابعيه بعدم التواصل معه على رقم هاتفه أو على حسابه السابق في "تيك توك" كونه أصبح بيد من اختطفوه.

كان من الواضح بعد تتبع حسابات أيوب كيال وسؤال شهود عيان أنّ شبكة التهريب يصطادون المخطوفين عن طريق سماسرة.

لم يردّ أيوب كيال على رسائلنا المرسلة عبر "تيك توك" و "فيسبوك".

ضحية جديدة

السيدة هدى تقيم في أوروبا مع أطفالها، بانتظار قدوم زوجها الذي يقيم في لبنان، وعندما لم يتمكن من الخروج إلى أسرته عن طريق الأمم المتحدة، اختار السفر عبر شبكات تهريب البشر، ليتم الاتفاق مع أيوب كيال على تهريبه مقابل 4 آلاف دولار، وكانت النتيجة وقوعه بيد الشبكة ذاتها، لينتهي به المطاف في نفس المزرعة في قرية زيتا.

تقول السيدة هدى إنّ الخاطفين تواصلوا معها من رقم زوجها وطلبوا مبلغ 15 ألف دولار، وعند رفضها اتصلوا بها عبر مكالمة فيديو وهم يعذبون زوجها.

تم التفاوض والاتفاق على مبلغ 5 آلاف دولار بالإضافة إلى مبلغ الـ 4000 التي دفعها الزوج لأيوب كيال، لكن مكالمة وردتها من رقم هاتف لبناني يطلبون فيها رفع المبلغ إلى ثمانية آلاف.

وحول طريقة التحويل تقول إنّهم لا يقبلون بأيّ مبالغ محوّلة، بل عن طريق أشخاص يحضرونها باليد ويتم تسلّم الأموال في الهرمل.

مع الخاطفين

زوّدت السيدة هدى معدّ التقرير بالرقم اللبناني الذي وردها، وبالتواصل معه للاتفاق على تهريب عائلة لم ينكر أنه يعمل في تهريب البشر، وطلب ستة آلاف دولار عن كل شخص.

وعن طريقة التهريب قال إنّه سيرسل سيارة للعائلة لنقلهم إلى مكان اليخت، ويتم تهريبهم من خلاله بعد دفع نصف المبلغ قبل تحرك اليخت، والنصف الآخر عن طريق وسيط ثالث يكون المبلغ مودعاً لديه.

بعد يومين عدنا للتفاوض مع المهرب على اعتبار أنّ أحد السماسرة طلب مبلغاً أقل ونصحنا بأنّه ليس كل من يعمل بالتهريب موثوقاً به وهناك عصابة من الهرمل تخطف المهاجرين من أجل الفدية، وأرسلنا له مقطع تعذيب أيوب كيال، ليبدأ بالسبّ والشتم قائلا "هذا سمسار سرق مصرياتنا".

استطعنا الوصول إلى أنّ المهرب يدعى حسن نصر الدين من أبناء الهرمل وكان يعمل مع ميليشيات "حزب الله" في سوريا.

رد رسمي

رفع أقارب عبد الستار دعوى بحقّ الخاطفين، لكنّ شخصيات نافذة في قوى الأمن اللبناني هددتهم في حال لم يسحبوا الدعوى، وطلبوا منهم حل الموضوع عن طريق وجهاء المنطقة.

وفي ردّ مقتضب من شعبة العلاقات العامة​ في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللبناني لموقع تلفزيون سوريا قالوا إنّهم لا يعلمون شيئاً عن القضية، ولو تقدم أحد إليهم بشكاية لتحرّكوا فوراً، فلا أحد في لبنان فوق القانون حتى لو كان "حزب الله".

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار