حقائق حول قضية الطفلة نهلة.. من يتحمل المسؤولية؟

تاريخ النشر: 07.05.2021 | 15:52 دمشق

آخر تحديث: 07.05.2021 | 17:26 دمشق

إدلب - خاص

سادت حالة غضب عارم في أوساط السوريين حول حادثة وفاة الطفلة نهلة العثمان في مخيم للنازحين قرب بلدة كللي شمالي إدلب ، وخاصةً بعد تداول صورتها وهي مقيدة بالأكبال الحديدية.   وبين الروايات المتضاربة حول الطفلة وسبب الوفاة وصحتها العقلية وهوية وسلوك والدها ضاعت الحقيقة المثبتة، وهي أن سلوك والد الطفلة نهلة كان وحشياً وهو يحبسها في قفص حديدي، وصديقه أمني في هيئة تحرير الشام، ويضاف إلى ذلك أن سلطات الأمر الواقع التي تحقق الآن في القضية بعد أن توفيت نهلة وجيرانها في المخيم، لم يتحركوا من أجل إنقاذ الطفلة من وضعها المأساوي.

وفي وقتٍ تضاربت فيه الأنباء والروايات حول وضع الطفلة "نهلة" الصحي والعقلي، والظروف التي كانت تعيشها والتي أدت إلى وفاتها، تتحمّل عائلتها بالدرجة الأولى مسؤولية تدهور حالتها الصحية على اعتبارها الكفيلة الشرعية والقانونية للطفلة أصولاً، بالإضافة إلى تورط والدها "عصام العثمان" في أعمال الحبس والتقييد، وهو ما لم ينفه الوالد أو أهالي المخيم والفئة المحيطة بالعائلة، إلا أنّه لا يمكن تحييد سوء الأوضاع المعيشية والإنسانية التي يشهدها قاطنو الخيام والمهجرين من قراهم وبلداتهم بفعل هجمات النظام وروسيا، والتي أحدثت انقلاباً في حياة النازحين وطرق معيشتهم.

 

قسيفبسيبسيب.jpg

 

ينحدر عصام العثمان والد نهلة من بلدة كفرسجنة بريف إدلب الجنوبي ووالدتها "وليدة المحيميد" من بلدة معرتحرمة المجاورة، ويقول الأب لأهالي قريته ومخيمه إن أبناءه مصابون بأمراض عصبية واضطرابات عقلية تدفعهم لإيذاء الناس في حال تركهم طلقاء.

أما عن الأم، فقال ناشطون إنها طلبت الطلاق مراراً قبل سنوات حتى نالته، والسبب أنها لا تريد إنجاب  مزيد من الأطفال يحملون نفس المرض.

إلا أن "وليدة المحيميد" أكدت في حديثها لموقع زمان الوصل، أن جميع أبنائها لا يشتكون من أي أمراض عقلية، وإنما لديهم مرض وراثي يؤثر فقط على البشرة والجلد، كما أكدت أنهم أذكياء جداً.

 

روايات جيران المخيم

حاولنا في بداية إعداد التقرير، رصد حياة الطفلة "نهلة" وسلوكها في المخيم القاطنة فيه، في محاولة لدراسة حالتها الاجتماعية والصحية والعقلية، وبناءً على ذلك تواصلنا مع عدد من قاطني المخيم وجيران عائلة "نهلة" ممكن كانوا يصادفونها بشكل دوري ويحتكون معها يوميا.

يوضح "عبد العال أبو أحمد" من سكان المخيم، لموقع تلفزيون سوريا أن الطفلة نهلة أبرز ما كان يلاحظ عليها هي طلبها الدائم للطعام من سكان المخيم والجيران، ومعظم تنقلها وحركتها كان  منصبا على هذا الهدف "الحصول على الطعام".

يؤكد محدثنا "أبو أحمد" أنّه لم يرصد أي أعمال ضرب أو عنف من والدها اتجاهها إلا أنها كانت في غالب الأحيان مكبلة بالأصفاد الحديدية "الجنزير". وهذا الكلام سبق أن تحدثت عنه الطفلة نفسها في تسجيل صوره الإعلامي أحد رحال قبل أيام.

 


وفي السياق ذاته، يروي موقفاً مع والد الطفلة حينما تدخّل محدثنا متوسطاً ذات مرة ليطلق سراحها بعد أن كان محبوسة داخل الخيمة، وعزا والدها حينذاك سبب ذلك إلى "المشاكل والمشاغبات التي تحدثها الطفلة مع الجيران، وبتعذيبها لهم".

"أبو عدي" من سكان المخيم أيضاً، يقول لموقع تلفزيون سوريا إنّ الحركة الزائدة والتنقل بين الخيام، كانت سبباً في شكاوي مستمرة من الأهالي لوالد الطفلة وهو ما كان يدفعه لحبسها.

ويوضح أنه في ذات المرات، كانت مربوطة داخل خيمة عائلتها وعند سؤال والدها عن سبب ذلك والتدخل من أجلها، كان رد والدها ذاته "حركتها الزائدة وخروجها على الطرقات العامة، بالإضافة إلى ترددها على خيام الجيران والأهالي داخل المخيم"، ومطالباتهم المستمرة بـ"ضب بنتك".

 

روايتان متضاربتان وتأكيد حول أسلوب الأب الوحشي.. هل الطفلة مختلة عقلياً؟

أكد "هشام العلي" وهو مدير مخيم "فرج الله" قرب بلدة كللي شمالي إدلب، الذي تقيم فيه عائلة الطفلة نهلة، أن الطفلة كانت سليمة من الأمراض العقلية ولا تواجه أي مرض يخل في عقلها وفهمها.

وفي رده حول موقف أهالي المخيم ومحيط الطفلة من تقييدها بالأكبال الحديدية "الجنزير"، قال لموقع تلفزيون سوريا، إن سكان المخيم حاولوا جاهدين مع والد الطفلة التخلي عن هذه الوسيلة إلا أنهم لم يصلوا إلى حل مع والدها.

الناشط "علي العيسى" من أهالي بلدة كفرسجنة (البلدة التي تنحدر منها عائلة الطفلة نهلة) يقول لموقع تلفزيون سوريا إنّه كان متابعاً لحالة الطفلة نهلة وإخوتها منذ سنوات طويلة وقبل وصولهم المخيم، وأكد إصابتهم بمرض عقلي إلى جانب مرض آخر يتسبب بانعدام الإحساس لديهم.

ويتابع: "أحد إخوة نهلة كان يضع يده في النار دون أن يشعر بأي ألم، حتى يتدخل أحدهم ويوقفه عن فعله هذا، وكان والدهم دائم  البحث عنهم بهدف ضبطهم لعدم القيام بأي أعمال تخريبية أو مؤذية، وهو ما يضطره لحبسهم في المنزل".

 

يبيبيبيب.jpg

 

يقول "العيسى" إن العائلة بعد تهجيرها تدهورت حالتها الإنسانية وانتقلت إلى حياة الخيام، إلا أن  والدها بقي يربطها ويكبلها حتى يمنعها من القيام بأي أعمال عنف أو تخريب أو ما شابه ذلك، نافياً تعرضها لتعذيب من قبل والدها".

محدثنا "عبد العال" من سكان المخيم يقول إن "نهلة" مصابة بمرض لا يذكر تشخصيه بشكل دقيق، ويضع ملاحظات حول سلوكها غير الطبيعي مثل "الأكل بشراهة" وطلبها الدائم للطعام وبكميات كبيرة، وهو ما تحدثنا عنه آنفاً.

ويضيف: "حينما تصاب بجروح أو حروق لا تشعر بها كما أنها لا تشكو من أي ألم ولا حر ولا برد، وهو ما رصده جيرانها في عدة حوادث ومواضع منها جرح في فخذها"، وهو ما يتفق تماماً مع رواية محدثنا "العيسى".

وللدقة يوضّح "عبد العال" أنّ الطفلة "نهلة" تتحدث بشكل طبيعي جداً دون ظهور أية علامات خلل عقلية أو من هذا القبيل.

وفي تسجيل صوتي متداول للطبيب "محمد السعيد" من أبناء بلدة كفرسجنة، أكد إصابة نهلة وإخوة لها بمرضٍ ـ لم يحدده في التسجيل ـ منذ أيام وجودهم في بلدتهم قبل تهجيرهم منها، مقراً في الوقت نفسه بالقسوة التي كان يبديها والد الطفلة بهدف ضبط سلوك أولاده وأعمالهم التخريبية في ممتلكات الأهالي.

الوالد قيد التحقيق.. والطبابة الشرعية تبت

قال المعتز بالله سليمان قائد شرطة سرمدا التابعة لحكومة الإنقاذ، في حديث لموقع تلفزيون سوريا إنّ دوريات تابعة لمخفر كللي أحضرت والد الطفلة نهلة العثمان وبالتحقيق معه اعترف بحبس الطفلة وتقييدها بالجنازير ومنعها من الخروج لعدة أيام.

ويتابع: "بعد التواصل مع السيد رئيس النيابة العامة أخذنا الإذن باستخراج جثة الطفلة، حيث وجهنا دوريات من قسم شرطة سرمدا ومخفر شرطة كللي لاستخراج الجثة بالتعاون مع الدفاع المدني، وبعد استخراجها أرسلناها إلى الطبابة الشرعية في مدينة إدلب لإعداد تقرير طبي عن سبب الوفاة، والوقوف على ملابسات القضية واتخاذ الإجراءات اللازمة أصولًا"، كما تحدث عن مصادرة القفص الذي كانت تسجن فيه الطفلة، واستدعاء عدة أشخاص لسماع إفادتهم وتدوينها.

 

WhatsApp Image 2021-05-07 at 2.41.49 PM.jpeg

 

لم يصدر عن الطبابة الشرعية تقرير  لوسائل الإعلام، إلا أن ناشطين وصحفيين على مواقع التواصل تحدثوا عن مقتطفات تقرير الطبيب الشرعي بعد فحص جثة الطفلة "نهلة العثمان".

وقال الصحفي "ميلاد فضل" عبر حسابه في "فيسبوك" بعد اطلاعه على تقرير الطبيب الشرعي، إنّ التقرير يؤكد عدم وجود أي آثار تعذيب على الطفلة أو ضرب حديث، أو كسر أو رضوض، إنما جروح ناتجة عن مرض فطري (وهو ما يؤكد روايات الأهالي حول إصابتها وإخوتها بأمراض جلدية تعدم الإحساس لديهم).

وكان أول تقرير طبي صادر عن المستشفى الذي أسعفت نهلة إليه، وهو مستشفى مدينة للأمومة والطفولة، وجاء فيه أن الطفلة نهلة البالغة من العمر 5 سنوات وصلت بحالة "شردقة" في الطعام مع تثبط تنفس، "تم تثبيت الرغامى مع الإنعاش لمدة نصف ساعة، وتوفيت الطفلة بعد ذلك".

 

182704155_3936055183154237_8065930294093258521_n.jpg

 

يؤكد التقريران أن سبب الوفاة هو اختناق بالطعام، وينفيان ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي بأن السبب هو الضرب المبرح من قبل والدها.

ما علاقة والد الطفلة بهيئة تحرير الشام؟

أجاب مكتب العلاقات الإعلامية في هيئة تحرير الشام عن السؤال بالنفي، وقال المكتب لموقع تلفزيون سوريا "لا نعرف والد الطفلة، ولا تربطه بهيئة تحرير الشام أي صلة، وفيما يتعلق بالقضية وبعد النظر في رواية الأطراف وجدنا تباينا واضحا في الروايات، وقد فتحت الجهات المختصة تحقيقا في الحادثة".

إلا أن والدة الطفلة نهلة ذكرت أن لديها 6 أبناء من طليقها عصام وأنهم عانوا من قساوته كثيرا، حيث إنّ محمد البالغ من العمر 21 عاماً فرّ من المنزل في العام 2012، ولم تحظ الأم بأي خبر عنه من ذلك اليوم، ولديها طفلة تبلغ 15 عاماً وهي مطلقة بعد زواج أجبرها عليه والدها دام لمدة شهر، والبقية يعانون ما عانت منه نهلة من الظلم والحرمان والسلاسل والقفص ذاته.

وأكدت الأم في حديثها أنّ من ساعد والد نهلة في صناعة القفص ويمنع الناس من مساعدة الأبناء، هو صديقه المقرب الأمني في هيئة تحرير الشام "خالد العموري"، والمعروف عن العموري أنه سيئ السمعة و"مشراني" بحسب تأكيدات سكان في المخيم، مما خلق حاجزاً يعيق محاسبة الأب على معاملة الأطفال ويمنع وصول المساعدة اللازمة لهم.

مصادر خاصة لتلفزيون سوريا من داخل مخيم "فرج الله" أفادت بأن العموري أمني في هيئة تحرير الشام وهو ملازم لوالد نهلة على الدوام، ويعرف والد نهلة عن نفسه في المخيم بأنه أمني بسبب علاقته المتينة بصديقه الأمني خالد العموري.

 

لاىرلا رلاى.jpg
الأمني في هيئة تحرير الشام "خالد العموري" (اليمين) ووالد  نهلة (اليسار)

 

وأضافت المصادر ذاتها  أن الناس تتجنب والد الطفلة لأنه شخص سيئ ، وبأن أطفاله يأتون إلى الجيران يطلبون بعض الطعام ودوماً ثيابهم متسخة ولا يوجد أدنى اهتمام بنظافتهم.

وأوضحت مصادر خاصة أخرى أن والد الطفلة نهلة لا ينتسب لهيئة تحرير الشام كمقاتل، وإنما عمل في فترة محددة مع الهيئة في حفر الخنادق والأنفاق، ولم تستطع المصادر هذه تأكيد الاتهامات بحق والد نهلة بأنه أمني في هيئة تحرير الشام، وأشارت إلى صعوبة تحديد الأمنيين لكونهم يعملون ويتم تعيينهم سراً.

وبالعودة للحديث عن الإعلامي أحمد رحال الذي التقط التسجيل المصور لنهلة في الـ 19 من آذار الفائت، فقد ظهر يوم أمس في بث مباشر على صفحته في فيسبوك ليروي تفاصيل ما حصل معه، وأكد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه بعد اطلاعه على وضع نهلة، أرسل تفاصيل الوضع لأحد المسؤولين في الجهاز الأمني في هيئة تحرير الشام وطلب منه متابعة الحالة والتواصل مع مدير المخيم،

وهذا إثبات بأن قضية الطفلة نهلة موجودة لدى الجهاز الأمني منذ فترة، ولكن الهيئة أو جناحها المدني المتمثل بحكومة الإنقاذ، لم يتخذا خطوات لإنقاذ نهلة من وضعها المروّع مع والدها.