حضور اللايقين وغياب النموذج

تاريخ النشر: 03.02.2021 | 00:06 دمشق

قراءة في كتاب الانتقال الديمقراطي وإشكالياته لعزمي بشارة

في كتابه الانتقال الديمقراطي وإشكالياته يَجهد عزمي بشارة ويُتعبنا معه في تتبع ما كُتب من قبل منظري التحديث والباحثين في عملية التحول الديمقراطي، وأشكالها، ومعيقاتها، وجذور أسبابها، ومآلاتها.

يّتنقل بشارة بين الكُتّاب وآرائهم ويعمل على مقارنتها من حيث الرأي والرؤيا، ويعرّج على المصطلحات التي استخدمت والبيئات التي أنتجتها، ويسبر غور الظروف التاريخية والجغرافية والسياسية التي ساهمت في هذا التنوع الكبير لتلك الآراء وأصحابها، لتزدحم صفحات الكتاب بأسمائهم. مدققاً بأهم ما قالوه ونظَّروا له حول عملية الانتقال الديمقراطي، ناقداً لتلك الآراء، معتمدا على عمق الاطلاع على تلك الأفكار، والتدقيق في منشئها، والعوامل المؤثرة التي أوصلت إليها.

وكي يدخل في الموضوع بشكل سلس يعيّن المرجعية لما يمكن أن يتناوله في هذا الكتاب ويحدد منذ البداية ثلاثة مكونات ضرورية للديمقراطية المعاصرة، من وجهة نظره، وهي المشاركة السياسية القائمة على المساواة بين المواطنين باعتبارهم قادرين على التمييز بين الخير والشر، وحكم القانون ووضع حدود للسلطة لمنع التعسف، وضمان الحقوق السياسية والحريات المدنية.

وبعد هذا التحديد ينطلق عزمي بشارة للخوض في عملية المقارنة بين المنظرين وفلسفاتهم حول نظرية التحديث وآرائهم في عملية الانتقال الديمقراطي، ومن ثم وَضَع ملاحظاته حول ما طُرح من أفكار وآراء. ولكثرة وزخم ما تطرق إليه كتاب "الانتقال الديمقراطي وإشكالياته" من أفكار ورؤى لا أدّعي أني سأعرض كل الأفكار المطروحة، ولكي لا أُتهم بالانتقائية سأعترف منذ البداية أني سأحاول مقاربة بعض الإضافات لعزمي بشارة وما يميزه عن غيره ممن تطرقوا لعملية الانتقال الديمقراطي ليس من خلال التأكيد على صحة آرائه من عدمها بل من خلال التأكيد على اختلافها من منظور المتفهم لطبيعة وآليات وخصوصيات المنطقة بعيدا عن منطق الاستشراق ومركزية ما يُسمى العالم المتحضر.

فبعد أن يتفق مع منظري الانتقال على أن نظرية التحديث تتعلق بموضوعة "استدامة الديمقراطية" لا بنشوئها، وبعد أن يتفق معهم على ضرورة توافر شرط الإجماع على الدولة في مرحلة الانتقال الديمقراطي، أو قبلها، توصل إلى أن انشقاق النخب الحاكمة ليس بالضرورة أن يكون عبر إصلاحات من أعلى كما يقولون، بل ربما أن تنشق تلك النخب بسبب الثورات التي تفجرت في المنطقة العربية على شكل انتفاضات شعبية عفوية ومع تزايد بطش السلطة تحولت إلى ثورات أطلق عليها بشارة اسم ثورات إصلاحية.

واعتماداً على تمييز بشارة بين تجربة الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية الليبرالية في الديمقراطيات التاريخية في الغرب، وبين حالات الانتقال من السلطوية مباشرة إلى الديمقراطية الشاملة من حيث تعميم حق الاقتراع، وترسيخ الحقوق والحريات، يؤكد على أهمية بعض الشروط التي لم يتم التركيز عليها عند منظري الانتقال، وهي ضرورة توافر بعض مكونات ثقافية سياسية مساندة للديمقراطية لدى النخب السياسية الفاعلة، ومن واقع التجربة التي عايشها وخبرها جيداً، يؤكد بشارة على دور الجيش في عملية الانتقال إلى الديمقراطية فإما أن يحيّد نفسه، وإما أن يساندها، فهي لا تتحقق إذا وقف ضدها. ويلفت عزمي بشارة إلى نقطة مهمة غابت عن متن أفكار منظري الانتقال وهي أهمية الدولة من حيث موقعها الجيواستراتيجي، فكلما قلت هذه الأهمية قل وزن الدور السالب للعوامل الخارجية الدولية والإقليمية في عملية الانتقال الديمقراطي.

ينتقد عزمي بشارة المقارنات التي تجعل من دخل الفرد ومستوى تعليمه مقياسا لنشوء الديمقراطيات الحديثة

 ويتوصل بشارة إلى نتيجة، أو ربما يُسدي نصيحة، أنه لا يمكن حكم الدولة بأكثرية ضئيلة في مرحلة الانتقال التي يجب وضعها كأولوية وتجنب التنافس على السلطة في هذه المرحلة وتأجيل المنافسة وكل ما يؤدي إلى بعثرة جهود الفاعلين السياسيين إلى مرحلة تعزيز الديمقراطية الوليدة.

ينتقد عزمي بشارة المقارنات التي تجعل من دخل الفرد ومستوى تعليمه مقياسا لنشوء الديمقراطيات الحديثة لأن تلك الديمقراطيات انطلقت في أوروبا بداية بوصفها أنظمة ليبرالية وضمن قواعد قانونية ومؤسسية للتعددية وحقوق حرية التعبير والاختيار ولم تشمل المشاركة السياسية الانتخابية فيها جميع السكان أصلاً، بل اقتصرت على الطبقات المالكة واستثنت المرأة والعمال الذين أضيفوا عندما تطورت الديمقراطية تدريجيا.

يُشدد عزمي بشارة على أن لا يتم التعامل مع الحرية بوصفها شرطا لتوفير انتخابات نزيهة بل باعتبار الحريات المدنية مساوية للحقوق السياسية في متن تعريف الديمقراطية وليست مجرد شرط للانتخابات النزيهة والمشاركة السياسية كما يرى بعض الباحثين.

تقود المقارنة بين منظري الانتقال وأفكارهم عزمي بشارة إلى أحد منظري الانتقال، لكن ليس إلى الديمقراطية، بل إلى أنماط الإنتاج المختلفة، إلى ماركس، حيث يقول بشارة، تاريخياً حصل ما لم يتوقعه ماركس، إذ توسعت الطبقة الوسطى وصغرت الطبقة العاملة بالتدريج، وارتفع مستوى معيشتها وأصبحت أكثر استعداداً  لقبول تسويات مع البرجوازية، بعد أن أصبحت البرجوازية أكثر استعداداً لقبول قضاياها المطلبية في إطار النظام الرأسمالي، وبيّن أن العلاقة تبادلية إذ يساهم تقليص التفاوت الطبقي في ترسيخ الديمقراطية بينما تساهم الديمقراطية في تقليل حدة التفاوت الطبقي. وإذا بقينا في نفس البيئة من المصطلحات فإن بشارة يعتبر أن الوعي الطبقي وثقافة الطبقة العاملة، كما تناولتها الأدبيات المختلفة والأحزاب التي اعتبرت نفسها أحزاب الطبقة العاملة، كانت موجهة نحو الاشتراكية، واعتبرت الديمقراطية وسيلة للوصول إلى الاشتراكية، ولم تكن الديمقراطية هدفا في حد ذاتها. واستذكاراً للحتمية التاريخية التي تنتمي إلى نفس بيئة المصطلحات الماركسية، وبالمفارقة معها، يعتبر عزمي بشارة أن الديمقراطية هدف، وليست مرحلة تاريخية حتمية قادمة بفعل التطور والتقدم.

يؤكد عزمي بشارة على أن نظرية التحديث ظلت أسيرة التاريخ الأوروبي الأميركي الشمالي، وإذا قَبلت باحتمال تطبيق الديمقراطية في البلدان النامية، ربطت هذا الاحتمال بتحقق شروط بنيوية وثقافية، نشأ بعضها بعد اكتمال الديمقراطية في الغرب، ولكن نظرية التحديث أسقطتها على المجتمعات الأخرى باعتبارها شروطا مسبقة.

لم يقف بشارة عند نقد الأفكار بصيغتها الناجزة فقط، بل دقق في الصياغة والكلمات التي تخبئ المعنى، فعندما يرى منظرو الانتقال أن التحول من النظام الأتوقراطي إلى الديمقراطي يمكن أن يصل إلى نهايات مختلفة يفيد عزمي بشارة بأن هذا ليس تعميما نظريا، ولا يفيد، لأنه يتسع لكل شيء، وعندما يؤكدون على أن كل انتقال إلى الديمقراطية له إيقاعه الخاص ومراحله  الخاصة يعتبر عزمي بشارة أن هذه مجرد تصريحات أو اعترافات من قبلهم أن ما توصلوا  إليه غير محدد ويبقى في إطار العموميات، وعندما يتطرقون إلى مجتمع مدني عابر للحدود لدعم التحول الديمقراطي يعتبر عزمي بشارة أن استخدام مصطلح مجتمع مدني دولي مضلل للغاية لأن المقصود هو جمعيات دولية غير رسمية.

 يستنتج عزمي بشارة أن نماذج دراسات الانتقال تصلح في تفسير حالات عينية وفشلت في وضع نموذج واحد للانتقال الديمقراطي، فحتى على مستوى ما اُعتبر أنه بدهيات، كان هناك ما يشذ عنها فإذا أُعتبر أن الإجماع على الوحدة السياسية الإقليمية للدولة أو الكيان السياسي بوصفه أمرا مفروغاً منه في نظر القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية، هو شرط بدهي للانتقال الديمقراطي فثمة حالات في أوروبا الشرقية أدى فيها سقوط النظام السياسي إلى تفكك دول قائمة ونشوء كيانات جديدة، وكان الانقسام شرطا للديمقراطية في كل وحدة انفصلت وأصبحت كيانا وطنيا مستقلاً.

وعندما يتم الحديث على أن عملية الانتقال الديمقراطي تتألف من مراحل متتالية، تبدأ عادة بلَبرَلة سياسية تظهر خلالها انشقاقات في النخب الحاكمة بين المتشددين والمعتدلين، ثم يحصل الاختراق بانهيار النظام، ويصعد بنتيجته نظام ديمقراطي عبر حكومة منتخبة، يؤكد عزمي بشارة هنا إنه لايمكن تعميم هذه القاعدة ففي بعض الدول حصلت انتخابات وصعدت معارضة منظمة تطالب بالانتقال الديمقراطي دون انشقاق النظام الحاكم إلى معتدلين ومتطرفين.

يؤيد عزمي بشارة المأخذ على دراسات الانتقال الديمقراطي ما بعد الحرب الباردة من حيث إنها أولت استراتيجيات المعارضة جل اهتمامها، مهملة قوة النظام الحاكم وقدرته على المقاومة

وبرغم أن أغلبية الباحثين المساهمين في دراسات الانتقال الديمقراطي يدركون أن الانتخابات لا تساوي الديمقراطية وأنها غير كافية لتعريفها لكنهم بالواقع دعموا الانتخابات أولاً وعدّوها عمليا خطوة حاسمة في عملية الانتقال، وهنا يتحفظ عزمي بشارة على الانسياق بعيدا في هذا الاتجاه، لأنه يرى وجوب الحذر، في بعض الحالات، من الانتخابات المبكرة قبل التأكد من أنها لا تعمق الشروخ الاجتماعية، وقبل حصول التوافق الإجرائي على الأقل، وإقناع النخبة السياسية به.

وفي سياق هذه المقارنة بين دراسات الانتقال الديمقراطي ونقد بعض جوانبها والـتأكيد على أهمية بعضها يؤيد عزمي بشارة المأخذ على دراسات الانتقال الديمقراطي ما بعد الحرب الباردة من حيث إنها أولت استراتيجيات المعارضة جل اهتمامها، مهملة قوة النظام الحاكم وقدرته على المقاومة، ويعتبر بشارة هذا المأخذ نقد وجيه، فقد يكون تماسك الجهاز الأمني واستعداده للقمع أو هشاشته وتردده، سببا في نجاح الانتقال أو فشله.

وعند الحديث عن الدور الخارجي وتأثيره الإيجابي أو السلبي في عملية الانتقال الديمقراطي، يمكن اعتبار العامل الخارجي جوهريا في إعاقة الديمقراطية خلال مرحلة الحرب الباردة لأن الخارج دعم الأنظمة السلطوية التي تؤيده مقابل القطب الآخر، أما الانتقال الديمقراطي في أوروبا الشرقية لم يكن ممكنا من دون العامل الخارجي والمتمثل بإصلاح الاتحاد السوفييتي، وفي سياق الحديث عن الدور الخارجي، يرى عزمي بشارة أن الثورة السورية لم تصل إلى أي مرحلة من مراحل الانتقال الديمقراطي، ولم يسقط النظام في سوريا، ولم تنجز الثورة حتى بداية انتقال نحو الديمقراطية ولهذا يصعب اعتبار سياسيات القوى الإقليمية والدولية في سوريا مواقف من التحول الديمقراطي عموما، بل هي مواقف من مسألة سقوط النظام القائم.

وبالرغم من الفائدة الكبيرة التي تقدمها دراسة تجارب عمليات الانتقال الديمقراطي ومحاولة فهم آلياتها ومآلاتها، وأهمية البحث في إطار خصوصية المنطقة العربية وثوراتها والنتائج المهمة التي توصل إليها بشارة في هذا الإطار، يمكن القول، بالرغم من كل ذلك، أن اللايقينية هي العنصر الأكثر حضوراً ويقينية في دراسة الانتقال الديمقراطية، وغياب النموذج هو الأكثر جلاء، والاستثناءات هي استثناءات لحالات محددة وعينية وليس لقواعد عامة لأنه لا توجد، أصلاً، قواعد عامة متفق عليها كمرجعية وحيدة لحالات الانتقال الديمقراطي وهنا يؤكد بشارة أن دراسات الانتقال الديمقراطي لن تتحول إلى نظرية مكتملة تفسر جميع الحالات، إلا إذا أصبحت جميع دول العالم ديمقراطية، أي حين لا تبقى تجارب جديدة للاستنتاج منها.