icon
التغطية الحية

"حرب التضليل".. كيف يحاول النظام السوري وروسيا تغيير الموقف الدولي إزاء جرائمهم؟

2023.12.21 | 14:16 دمشق

آخر تحديث: 21.12.2023 | 15:41 دمشق

التضليل الإعلامي
النظام السوري وروسيا أعلنا حربا إلكترونية منذ سنوات بهدف التشكيك في جرائم الحرب والمعارضة السورية ـ الصورة: إنترنت
هولندا - ترجمة وتحرير أحمد محمود
+A
حجم الخط
-A

سلط تحقيق صحفي بلجيكي الضوء على "الحرب الإلكترونية التضليلية" التي يشنها النظام السوري وحليفته روسيا منذ عام 2011، للتشكيك في جرائم الحرب التي ارتكبها الطرفان بحق السوريين.

وبحسب التحقيق الذي نشرته مجلة "MO" البلجيكية فإن النظام السوري وروسيا أعلنا حربا إلكترونية منذ سنوات بهدف التشكيك في جرائم الحرب والمعارضة السورية، مشيرة إلى نجاحها حتى يومنا هذا، حيث تؤثر هذه المعلومات المضللة على موقف المجتمع الدولي تجاه سوريا.

وأعاد التحقيق التذكير باختراق نظام الأسد لوكالة "رويترز" في تموز 2012، حيث تم اختراق حسابات "رويترز" ونشر معلومات مضللة حول الحرب في سوريا.

واستمر الهجوم الإلكتروني حينها أربعة أيام وأُجبرت رويترز على إغلاق نظام التدوين على موقعها على الإنترنت ونشر النظام حينها روايات كاذبة وتقارير كاذبة عن ضعف المعارضة السورية.

كما تم تهكير حساب الوكالة على تويتر لنشر معلومات مضللة وخُدع صحفيون من "رويترز" ووسائل إعلام غربية أخرى بعد أن أفاد "دبلوماسي روسي" عبر تويتر بأن بشار الأسد قُتل في دمشق.

وبحسب التحقيق فإنه لحسن الحظ فإن تأثير هذه المعلومات المضللة ضئيل، حسبما كتبت رويترز في وقت لاحق من ذلك الأسبوع، ونقلت رويترز عن خبير من شركة Imperva للأمن السيبراني قولها: "يتم ملاحظة مثل هذه الهجمات المضللة بسرعة.. على الرغم من أنهم يضللون الناس بشكل جماعي، إلا أنهم هواة.. دائماً ما يظهرون أن الأسد لا يزال يحظى بدعم عدد من الناس.. لا أكثر".

ولكن مع انزلاق الصراع في سوريا إلى حرب طويلة الأمد، فإن التقليل من شأن ذلك التضليل يعتبر استخفافاً خطيراً، يعمل التدفق المستمر للمعلومات المضللة أو المعلومات غير الصحيحة بهدف متعمد لتضليل الناس، الاستمرار بالكذب يفوز، خاصة إذا أصبحت حملة التضليل تكتيكاً أكثر فأكثر.

كيف تلاعب النظام السوري بالحقائق؟

في آذار 2011، نزل سوريون إلى الشوارع للمطالبة بالديمقراطية، كما فعلوا في أماكن أخرى من العالم العربي، لكن النظام قمع بعنف الاحتجاجات التي تصاعدت إلى حرب مازالت مستمرة حتى اليوم.

وتقول فرناندي فان تيتس، الصحفية الهولندية ومؤلفة كتاب "الفصول الأربعة في دمشق": "منذ البداية، استخدم النظام في سوريا بوعي شديد اللغة والصور للتلاعب بالواقع".

وتضيف "أي شخص كان ينتقد النظام يُصنف بالإرهابي منذ البداية.. لقد تطرفت المعارضة بالفعل في وقت لاحق (جزئياً لأن النظام السوري أطلق سراح سجناء القاعدة الذين تسللوا إلى المعارضة)، لكن الصورة أصبحت ضبابية بشكل متزايد، كما لاحق الناشطين وتم تخوينهم ووصمهم بـ"المشبوهين" و"المندسين".

وبعد أربع سنوات، في عام 2015، شن النظام السوري بالفعل هجومه على الإنترنت، ومنذ سبتمبر في ذلك العام شنت روسيا حرباً ولم تكن جوية فقط ولكن أيضاً استخدمت التضليل كـ "سلاح حرب" حاسم.

تأثير المعلومات المضللة

قام مركز الأبحاث البريطاني معهد الحوار الاستراتيجي "ISD" بالتحقيق في تأثير المعلومات المضللة حول سوريا على موقي إكس وفيس بوك.

وتتبع "ISD" معلومات مضللة من 28 حساباً بين عامي 2015 و2021، ووجد ISD أن هذه الحسابات نشرت ما يصل إلى 47000 رسالة تضليل حول سوريا.

ولقد نشروا بانتظام قصصاً كاذبة ومضللة إلى العالم، ويقُدر مدى وصولهم إلى: 1.8 مليون شخص على الأقل.

وتعود الحسابات بحسب التحقيق إلى صحفيين وناشطين ومدونين نصبوا أنفسهم "مناهضين للإمبريالية": فانيسا بيلي، وآرون ماتي، وكارمن رانييري، وماكس بلومنتال.

كما نشرت مجموعة من الأكاديميين البريطانيين الذين لهم مناصب جامعية في إدنبرة وشيفيلد وليستر معلومات مضللة مؤيدة للنظام وروسيا.

صنع نظريات المؤامرة

كانت أهداف المعلومات المضللة هي المؤسسات والمنظمات الدولية: منصة الأبحاث Bellingcat، الأكاديميين والصحفيين الذين أخذوا نظرة انتقادية للنظام في سوريا، منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، لجنة العدالة والمساءلة الدولية التي توثق جرائم الحرب وأي شخص كان شاهدا على الهجمات على أهداف مدنية كان في خطر أن يصبح هدفاً لحملات التضليل، والمدنيين ومقدمي الرعاية وأطباء الرعاية الأولية أيضاً.

كانت مطحنة المعلومات المضللة على قدم وساق، لا سيما في عام 2018 حيث شن النظام السوري في نيسان من ذلك العام هجوماً كيميائياً على مدينة دوما بريف دمشق.

وفي كانون الثاني 2023، أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تقرير استقصائي ثالث أن "هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن القوات الجوية السورية هم الجناة". لكن التشكيك نشأ منذ البداية: حيث وصف النظام وحلفاؤه الهجوم على الفور بأنه "مفبرك" من قبل "جيش الإسلام".

ما استراتيجية النظام اليوم؟

تقول فرناندي فان تيتس: "اليوم، استراتيجية الإعلام للنظام السوري واضحة جداً"، مضيفة "كل البؤس الذي يحدث الآن لسوريا، بحسب الأسد، هو نتيجة العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي".

وبحسب التحقيق إنها استراتيجية معقدة لأن تلك العقوبات موجودة بالفعل ولها عواقب حقيقية، لكن من خلال التركيز فقط على النتائج، يتجاهل النظام السبب وهو: "الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان لمواطنيه".

عملت فان تيتس مع منظمة الأمم المتحدة أونروا في سوريا في عامي 2017 و2018 ورأت كيف يمكن أن تكون "اللغة" أيضاً أداة لإخفاء الحقيقة حيث تناولت عددا من وسائل الإعلام الغربية التعذيب من قبل نظام الأسد بعبارات مثل "أساليب الاستجواب".

وتضيف "لكن أيضاً داخل الأمم المتحدة استخدمنا مصطلحات غامضة مثل منطقة (يصعب الوصول إليها) بدلاً من المنطقة (المحاصرة)، وهو الأمر الأصح".

وتابعت: لم نتحدث عن "الحرب" بل عن "الأزمة"، لذلك استخدمنا لغة ملطفة أسهمت في تطبيع انتهاكات حقوق الإنسان من قبل نظام الأسد"!.

نظرية المؤامرة.. وتأثيراتها

يقول رشاد علي، الباحث في مركز الأبحاث "ISD" إن "المعلومات حول هذه الانتهاكات كانت واضحة تماماً (..) كان لديك نظام ذبح وطرد شعبه من خلال القصف الجوي والتجويع وتم قصف المستشفيات والمرافق الطبية الأخرى وتم التحقق من العديد من الهجمات الكيميائية من قبل منظمة أطباء بلا حدود والأمم المتحدة وأطباء مستقلين وصحفيين أجانب كانوا في الموقع".

لكن فجأة أصبحت تلك الصورة "الواضحة" ضبابية، تروي فرناندي فان تيتس كيف تحدثت في دمشق مع أشخاص كانوا مقتنعين بأن شهادات فيديو أصلية حول الهجمات الكيميائية قد تم تسجيلها في استوديوهات في قطر!.

ويقول رشاد علي: "لقد تزايدت نظريات المؤامرة حول الحرب في سوريا بشكل غير مسبوق (..) فجأة أصبحت الدعاية الموالية للنظام أكثر شيوعاً".

ويضيف رشاد علي: "بدأ السياسيون في البرلمان البريطاني يطرحون أسئلة حول الهجمات الكيميائية، كما فعل ذلك عدد من وسائل الإعلام الكبرى"، وتساءوا بحسب علي "هل المعارضة السورية هي التي تقف وراءها، وليس النظام السوري وروسيا؟ ألا يمكن أن يكون الروس يخوضون معركة مشروعة ضد الجماعات المتطرفة في سوريا التي كانت تشن هجمات كيماوية؟".

كما شاركت شخصيات معروفة في نظريات المؤامرة، على سبيل المثال، نشر روجر ووترز، المغني السابق في فرقة بينك فلويد، رسائل تضليل على فيس بوك: حول الخوذ البيضاء "القاتلة" وعن الهجوم الكيميائي على دوما الذي شكك في حصوله متهماً الخوذ البيضاء بفبركته.

كانتا "اثنتين من أكثر الرسائل التي يتم تداولها مع معلومات مضللة" حول سوريا على فيس بوك ، كما تقول ISD.

ويقول رشاد علي إن الحملة ضد عمال الإنقاذ السوريين التابعين للخوذ البيضاء كانت ناجحة "تم التشكيك بهم بما في ذلك من قبل الأصوات الديمقراطية. ولم يقتصر الأمر على استهدافهم بالدعاية، بل تعرضوا أيضاً لهجوم بالقنابل الروسية".

أكاذيب تكلف الأرواح

"الأكاذيب تكلف الأرواح"، وفق ما كتبت المنظمة الحقوقيةThe Syria Campaign في تقرير Deadly Disinformation (خريف 2022)، والتي تعاونت من أجلها مع ISD، مضيفة: "منذ عام 2012، قُتل 296 متطوعاً - من ذوي الخوذ البيضاء والعاملين في المجال الطبي - أثناء أداء واجبهم".

وتقول الحملة السورية إن التضليل الإعلامي يحاول تبرير تلك الهجمات المستهدفة، وقد نجح الأمر كما يقول علي، لأن المانحين انسحبوا في مرحلة ما، سحبت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية دعمها للمجموعة، عندما خسرت الخوذ البيضاء التمويل لمدة عام، كان ذلك بمثابة ضربة كبيرة لعملهم".

وفي عام 2018 أوقفت الحكومة الهولندية برنامج مساعداتها للخوذ البيضاء، بينما اشتدت الأزمة في محافظة إدلب وكانت هناك حاجة إلى الخوذ البيضاء أكثر من أي وقت مضى، كتب صحفيون استقصائيون في صحيفة "دا خرونة أمستردامير".

لقد حققوا في كيفية مساهمة حملات التضليل في إفلاس "Mayday Rescue" المنظمة الداعمة للخوذ البيضاء وخلصت إلى أن الخوذ البيضاء وقعوا ضحية بين حملات الكراهية وبرنامج مساعدات مثير للجدل للحكومة الهولندية انتهى بدعمه إلى جماعة مسلحة في سوريا، انسحبت هولندا من هذا البرنامج وألغت على الفور دعمها للخوذ البيضاء.

يعتقد رشاد علي أن "التشكيك والمعلومات المضللة سهلا على المجتمع الدولي رفع يديه عن سوريا"، مضيفاً بأنه لم يكن لدى القوى العالمية سياسة واضحة تجاه سوريا ولم يستطيعوا منع الفظائع في سوريا (..) لم يتم الرد على مطلب فرض منطقة حظر طيران في بلد حيث يتم تسوية مناطق مدنية بالأرض من قبل النظام وحليفه الروسي، لن تكون هناك محكمة تابعة للأمم المتحدة ضد جرائم الحرب الروسية في سوريا، كما أن مسألة تقديم مساعدة حقيقية، إلى جانب أن طلب موافقة النظام وروسيا ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كانت تظل دون إجابة".

بالإضافة إلى بحث البيانات، أجرت إدارة خدمات المعلومات والاتصالات مقابلات مع 16 من صانعي السياسات حول كيفية تقديرهم لتأثير المعلومات المضللة على قرارات السياسة المتعلقة بسوريا.

واتضح أن "المعلومات المضللة" أدت بالتأكيد إلى الشك والضبابية، وقد أدى هذا الشك بالتأكيد إلى مناقشات سياسية، وأشار صانعو السياسة إلى أن هذه الشكوك أدت أيضاً إلى الإحجام على سبيل المثال عن التعامل مع المعارضة.

وبحسب المجلة البلجيكية فإنه عاماً بعد عام، أخذ حجم المساعدات الدولية لسوريا في بالتضاؤل ففي عام 2022، جمع مؤتمر المانحين 6.4 مليارات يورو - أكثر من عام 2021، ولكن أقل بكثير من مبلغ 10 مليارات يورو الذي طلبته الأمم المتحدة.

وهذا بلا شك مرتبط ببعض من "إرهاق الحرب" الذي يشعر به المجتمع الدولي تجاه سوريا.

هل يؤدي التضليل إلى التطبيع مع الأسد؟

"لقد قطعت سوريا شوطاً طويلاً وهذا أمر خطير"، كما يقول علي، مضيفاً بأن هذا الصراع ليس مجرد صراع في قارة أخرى (..) لقد أثرت على مناخنا العالمي.. لقد أدى إلى تحولات، إلى المشاعر المعادية لأوروبا، إلى مناخ مناهض للهجرة وصعود اليمين المتطرف في الدول الأعضاء في أوروبا.. واستفاد تنظيم الدولة من الفراغ الذي نشأ في سوريا.. يجب أن نضع ذلك في الاعتبار".

ويقول الناشط السوري أرتينو: "هناك بالتأكيد إجهاد من الحرب"، لكن التدفق المستمر للمعلومات المضللة يغذي بالضبط إجهاد المانحين.. وكلما طالت مدة الكذب، كان من الأسهل هز الحقيقة.. يبدأ الناس في الشك في كل شيء وهذا يصرف الانتباه عن الأحداث الحقيقية".

وتساءلت المجلة هل يمكن أن يؤدي التضليل الإعلامي حول سوريا أيضاً إلى تطبيع نظام الأسد؟ وقالت إن "هذا غير مؤكد".

ما تزال العقوبات المفروضة على النظام سارية، ولكن في الوقت نفسه نجا الأسد من الصراع.

يتوق العالم إلى تطبيع الوضع، الأمر الذي يؤدي إلى خيارات سياسية براغماتية. قامت جميع الدول العربية، باستثناء قطر، بتحسين علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق خلال العام الماضي.

وأعادت الإمارات العربية المتحدة والبحرين فتح سفارتيهما هناك، ومؤخراً، حصل الأسد مرة أخرى على مقعد على جامعة الدول العربية.

أدى هذا التطبيع إلى ردود فعل غاضبة من العالم الغربي، الأمر الذي يثير على الفور السؤال عن المدة التي سيستغرقها هذا الغضب!؟.

كما قالت تركيا إنها تريد الجلوس مرة أخرى مع النظام كما تقول منظمات حقوق الإنسان واللاجئين "الحكومة في تركيا، وليس المعارضة فقط، تريد إعادة من الكثير من اللاجئين السوريين".

ويشارك فان تيتس أيضاً في هذا الرأي "ووجهة نظر تركيا ليست فريدة من نوعها.. تنظر أوروبا أيضاً في إعادة إعمار سوريا بأجندة معينة وهي: عودة اللاجئين السوريين"!.