حرب الاغتيالات على الثورة السورية

حرب الاغتيالات على الثورة السورية

الصورة
29 تشرين الثاني 2018

خالد المطلق

كاتب في الشؤون العسكرية والأمنية.

الاغتيالات هي الجزء المهم من السياسة العامة التي نفذها نظام الأسد الأب ومن بعده الأسد الابن على كل من عارضهم، أو شكل خطراً على حكمهم حتى لو كان من أقرب المقربين لهم، وما بدأ به  الأسد الأب مازال  يمارسه الابن وكأنه هواية لأحد أنواع القتل الذي يتلذذ به القاتل دون أن يرف له جفن، فالتوغل في دماء شعب بأكمله واستخدام كل أنواع القتل أعظم بكثير من نهج الاغتيالات الذي استخدمه المجرم بشار الأسد بحق قادة الثورة والناشطين السياسيين والإعلاميين، ويمكن أن نلاحظ أن سياسة الاغتيالات أثناء الثورة مرت بمرحلتين:

المرحلة الأولى بدأت من لحظة انطلاق المظاهرات الشعبية وحتى لحظة سيطرة الجيش الحر على 70% من الأراضي السورية، وإذا عرفنا أن الاغتيالات تتم بطريقة استخباراتية وخبرات عالية، تمنع غالباً الوصول إلى القائمين بها وينفذها مجهولون ودون إعلان أحد مسؤوليته عنها، لكن الأسد وأجهزته الأمنية كانت تقوم بهذه العمليات بشكل مباشر جهاراً نهاراً في الشوارع وكثيراً من الأحيان أمام أُسر الضحايا وعائلاتهم وهذا ما حدث في مجزرة كرم الزيتون وحي العدوية في مدينة حمص بتاريخ 11/3/2012 ورافق عمليات التصفية هذه اغتصاب للنساء وللأطفال دون سن العاشرة أمام ذويهم، كما عمد الأسد وأجهزته الأمنية في هذه المرحلة إلى استخدام أسلوب التصفية للناشطين

قامت الأجهزة الأمنية الأسدية باستخدام الاغتيالات ضد الكثير من الناشطين وقادة الحراك السلمي والشخصيات المؤثرة على الشارع

بعد اعتقالهم مباشرة كما حدث في مدينة دوما عند ملاحقة أحد الناشطين واعتقاله على سطح أحد البنايات وتم رميه من السطح ومن ارتفاع أربعة طوابق، وكان الهدف من كل تلك الممارسات دبّ الرعب في نفوس الشعب المنتفض لردعه عن الاستمرار في ثورته لكنهم فشلوا في هذه المرحلة فشلاً ذريعاً واستمرت المظاهرات وبزخم متصاعد وقوي، مما استدعى الأجهزة الأمنية لأن تبدل أسلوبها في الاغتيالات وتبدأ في طرق أخرى من الاغتيالات التي لا يمكن معرفة منفذها وكان هدفهم من ذلك زرع الفتنة بين مكونات الشعب المنتفض وزعزعة الثقة فيما بينهم، وفي هذه المرحلة قامت الأجهزة الأمنية الأسدية باستخدام الاغتيالات ضد الكثير من الناشطين وقادة الحراك السلمي والشخصيات المؤثرة على الشارع، ولعل أشهر عملية اغتيال حدثت في بداية الثورة هي اغتيال مشعل تمو نهاية عام 2011 على يد "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي" اليد الطولى لأجهزة المخابرات السورية في الشمال الشرقي من سوريا وجاء هذا الاغتيال لزرع الفتنة بين المكون الكردي من جهة والمكون العربي من جهة أخرى في منطقة الجزيرة السورية، وتبع هذا الكثير من عمليات الاغتيال الممنهج والمسلط بشكل مباشر لكل من له دور فاعل في تحريك الشارع السوري، ولعل اغتيال الدكتور عدنان وهبه أحد أبرز قادة الحراك السلمي في مدينة دوما وريف دمشق مثال آخر على السياسة الاجرامية التي اتبعتها أجهزة المخابرات السورية في محاولة يائسة لإيقاف المظاهرات العارمة التي اجتاحت القسم الأعظم من المدن والقرى السورية، ولا ننسى حادثة اغتيال الشيخ وحيد البلعوس قائد تجمع رجال الكرامة وأبرز رجال الدين الدروز في السويداء في عام 2015 والذي كان له الدور المحوري في منع التحاق شباب مدينة السويداء في جيش الأسد ورفضهم المشاركة في قتل أبناء بلدهم وشركائهم في الوطن.

المرحلة الثانية بعد تحرير الكثير من المناطق على يد الجيش السوري الحر بدأت المرحلة الثانية من عمليات الاغتيال، ومع استمرار هذا الأسلوب بقصد الفتنة وهذه المرة ليس فقط بين مكونات الشعب المنتفض فقط إنما بين الفصائل التي باتت تسيطر على القسم الأعظم من الأراضي السورية وهذا ما شكل عداءً بين الفصائل المختلفة بأهدافها وتوجهاتها أصلًا وأعطى بعض هذه الفصائل الذريعة لابتلاع بعض الفصائل الصغيرة تمهيدًا لبسط سيطرتها على المنطقة المتواجدة فيها وتحقيق حلمها في إقامة إمارة هنا وإمارة هناك، وهذا ما حدث فعلًا من خلال الفصائل الإسلامية شكلا ومخابراتيا مضمونا كتنظيم داعش والنصرة وجيش الإسلام وغيرها من الفصائل الوظيفية التي رفعت شعار الإسلام  لتحقيق هدف بات واضحا للعيان وهو تفتيت صفوف الثورة وبالتالي السعي إلى وأدها تحقيقًا لفتوى أصدرها ضمنيا شرعيو تلك الفصائل ومن ورائهم مرجعياتهم من رجال الدين "علماء السلاطين" في تحريم الخروج على الحاكم.

ولعل ما قامت به هذه الفصائل من أعمال من ضمنها اغتيال رموز الثورة وناشطيها وقادتها كاغتيال الشيخ عبد العزيز عيون في الغوطة الشرقية بتاريخ 15/10/2015 من قبل جيش الإسلام لم يكن نابعا من مبدأ أيديولوجي فقط إنما بسبب اختراقات كبيرة في صفوف قادة هذه الفصائل من قبل مخابرات الأسد وأيضا من قبل بعض أجهزة مخابرات الدول الراعية للإرهاب والتي تسير في فلك من يريد إعادة إنتاج الأسد ونظامه وهذا ظهر مؤخرا بشكل واضح، وما حدث في الشمال السوري المحرر منذ بدء توافد أبناء المناطق التي هُجرت كاغتيال أبو جعفر الحمصي قائد "لواء شهداء الإسلام" بعد خروجه ومقاتليه إلى إدلب أواخر عام 2016 خير دليل على استمرار نهج الاغتيالات وملاحقة المطلوبين والمؤثرين على الساحة العسكرية والشعبية أينما ذهبوا، وهذا ما أكدته مؤخراً حادثة اغتيال الناشطين الثوريين رائد الفارس وحمود جنيد في كفرنبل المدينة التي كانت مصدر رعب للنظام وأعوانه من خلال الحراك السلمي الذي أخذ طابعًا أكثر حرفية استطاع من خلاله الشهيدان تحريك الشارع في المناطق الشمالية المحررة بأكملها بأساليب وطرق بسيطة تلامس مشاعر الشعب السوري.

إن وجود جهاز أمني في كل فصيل على حِدى لا يمكن أن يحقق الغرض المنشود من هذه الأجهزة لأسباب كثيرة أهمها:

  • العمل بشكل منفرد في بيئة مختلطة وتعدد مكونات الثورة ضمنها.
  • قلة الخبرة الأمنية.
  • تعدد المرجعيات الأمنية التي أدت إلى تضارب في الأدوار والصراع على المصالح فيما بينها وافتقادها للتنسيق والتكاملية.
  • قلة الكادر البشري المدرب وضعف الخبرات التخصصية والمدربين.
  • وضعف التخطيط الأمني الاستراتيجي.
  • ضعف التجهيزات المادية واللوجستية.

كل هذه الأسباب ساعدت وبشكل كبير مخابرات الأسد

مسلسل الاغتيالات الذي مازال مستمرا والدماء التي تسفك على الأراضي المحررة ومعاناة شعبنا وأهلنا هناك يتحمل مسؤوليته من تحكم في مؤسسات الثورة السورية

وغيرها في اختراق الثورة ومؤسساتها السياسية والعسكرية والخدمية من الرأس حتى القاعدة.

إن التعاون بين جميع هذه الأجهزة وفق مؤسسة هرمية ناظمة تتمتع بمركزية القيادة لتقسيم الأدوار كُل في منطقته وحسب اختصاصه بحيث يكون العمل منظم ومتكامل يمكن أن يحصّن الثورة ومؤسساتها وكوادرها المدنية والعسكرية، وبات من البديهي أن نقول : إن مسلسل الاغتيالات الذي مازال مستمرا والدماء التي تسفك على الأراضي المحررة ومعاناة شعبنا وأهلنا هناك يتحمل مسؤوليته من تحكم في مؤسسات الثورة السورية، ورفض من البداية تشكيل أجهزة لحماية الثورة وصيانتها من عبث العابثين كجهاز الأمن وجهاز الإعلام وجهاز القضاء وسيستمر هذا الاستنزاف لقوى الثورة وخيرة شبابها إذا لم يتم تدارك الأمر من خلال تشكيل جهاز أمن متكامل خاص بالثورة له هيكلية محددة وخطّة أمنية استراتيجية تشمل مهام متعددة وآليات تنفيذية قوية يسيطر هذا الجهاز أمنيًا على كافة الأراضي المحررة ويمنع كل أنواع الجرائم والتجاوزات التي تحدث الآن وعلى وجه السرعة، هذا الجهاز الذي طالما طالب به الكثير من الشعب السوري الثائر وخاصة أصحاب الاختصاص لوضع خبراتهم في إنتاج هذه الخطة الأمنية الاستراتيجية لتشمل كل المناطق المحررة فهل يسمع من بآذانهم صمم؟     

شارك برأيك