المقاومة الشعبية.. والطلقة الأخيرة

2019.02.14 | 00:02 دمشق

+A
حجم الخط
-A

عندما يتعرض شعب للاضطهاد والظلم ولا يستطيع تحقيق أهدافه من خلال الحراك السلمي والمقاومة السلمية، وعندما يتوغل الحاكم المستبد أو المحتل في قتل الشعب والتنكيل به، يتنادى أبناؤه المخلصون لرفع هذا الظلم والاضطهاد عن أهلهم وشعبهم، خاصة إذا استخدم الظالم مستعمراً كان أم حاكماً كل أنواع القوة والبطش لإسكات صوت هذا الشعب ويمكن أن نُعرّف المقاومة الشعبية كمصطلح بأنها:

حركة شعبيّة مناضلة سياسيّة لها مبادئ، عناصرها مسلّحة، تقاوم السّلطة الحاكمة أو قوّات الاحتلال الأجنبي للبلاد، وإذا أردنا أن نسقط هذا التعريف على المقاومة الشعبية في الثورة السورية، والتي بدأت معالمها وأشكالها المبتكرة تتضح الآن، لوجدنا أن هذه المقاومة السورية لها طابعها الخاص من حيث المراحل التي مرت بها من بداية الثورة السورية، وتمثلت هذه المراحل في البداية بالمظاهرات السلمية والتي قابلها الأسد وعصاباته بالحديد والنار، وكان لابد من طريقة لحماية هذه المقاومة السلمية فتشكلت مجموعات من المقاومة المسلحة الصغيرة، كان هدفها في البداية حماية المظاهرات السلمية من القتل والتنكيل المنظم، وسرعان ما تطورت هذه المجموعات لتصبح سرايا وكتائب ومن ثم جيوش وفصائل استطاعت حتى عام 2013م من السيطرة على ثلثي مساحة سوريا.

إلا أن عدم وجود قيادة موحدة سياسية وعسكرية وطنية حقيقية لهذه الفصائل، أوقعها في شرك أعداء الثورة فتم في البداية إغراق قادة هذه الفصائل ومن سيطر على مؤسسات الثورة السياسية بالمال السياسي والوعود الوهمية، ومن ثم تم مصادرة قرارهم عبر الدول الداعمة لكل فصيل ولكل المؤسسات التي تدعي تمثيلها للشعب السوري الثائر، والتي اتضح مؤخراً أن هذه الدول جميعها كان جزءا من عملية تهدف إلى وأد ثورة الشعب السوري وإعادة إنتاج نظام الأسد، ومن هنا شاهدنا التراجع الرهيب في زخم الثورة وبدأت الاتفاقات المذلة التي سُلمت من خلالها أغلب المناطق المحررة وعلى رأس هذه الاتفاقيات ما سُمي اتفاقيات خفض التصعيد في أستانا والتي كانت الخنجر المسموم في صدر الثورة، والتي وقع عليها مجموعة تم اختيارهم من أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، وأغلبهم ليس له أية علاقة بالثورة السورية، والباقي لهم مشروعهم العصبوي المتمثل في الوصول إلى السلطة أو حتى المشاركة في السلطة مع بشار الأسد، ولو على حساب دماء الشعب السوري ومعاناته وأهداف ثورته، وبعد كل هذا الخذلان والخيانات التي تعرضت لها الثورة من القادة العسكريين والسياسيين على حد سواء.

وبعد تسليم مناطق ما يسمى خفض التصعيد والممارسات الإجرامية التي مارستها عصابات الأسد على أهلنا وشعبنا في هذه المناطق بعد تسليمها، وتلافيا لما حدث في هذه المناطق وقد يحدث في المناطق المحررة المتبقية، ونتيجة عدم ثقة الشعب السوري الثائر بمن يفاوض باسمهم وبقادة الفصائل المسلحة، كان لابد من تحرك للرجال الذين خرجوا من بداية الثورة وكان وما يزال همهم الوحيد إسقاط الأسد ونظامه، وباشروا بتشكيل جسم يمكن أن يحققوا هدفهم الأسمى من خلاله، فكانت المقاومة الشعبية التي ظهرت الآن بعض أعمالها على شكل عمليات بسيطة في المناطق التي سُلمت للأسد في حوران، وقبلها تم تشكيل مجموعات من المقاومة الشعبية في الشمال السوري في المناطق المحررة تلافياً لأية خطوة لتسليم هذه المناطق يقوم بها مغتصبو مؤسسات الثورة السياسية وقادة الفصائل، وبهذا يمكن أن نقول بأن هذه المقاومة

مهمتهم الحقيقية وهي المقاومة المشروعة للمحتل الروسي والإيراني وإسقاط المجرم الأسد وعصاباته

حققت جزءا من أهدافها من خلال رفع العصا الغليظة بوجه كل من تسول له نفسه بيع الشعب السوري وثورته من جديد في البازارات السياسية لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية.

ومن هنا لابد لنا جميعا أن ندعم هذه المقاومة ونقوم بتوجيهها بالاتجاه الصحيح كي تعيد الثورة إلى ألقها وسيرتها الأولى، وأعتقد جازماً أن أهم ما يخدم هؤلاء الأبطال هو العمل الإعلامي المنظم لإظهار مطالبهم وعملهم بشكل لائق أمام الرأي العام العربي والعالمي، ليعكس مهمتهم الحقيقية وهي المقاومة المشروعة للمحتل الروسي والإيراني وإسقاط المجرم الأسد وعصاباته، وتحقيق الهدف الأسمى الذي خرج من أجله السوريون وهو الحرية والكرامة والديموقراطية، كما يجب على كل مقتدر من السوريين أن يسعى وبكل الطرق المتاحة لتأمين متطلبات هؤلاء الرجال الذين يبذلون كل جهودهم لمنع سقوط الثورة، والجميع يعرف أن سقوط الثورة يعني سقوطنا جميعًا ولن تستطيع قوة في العالم يومًا أن ترفع أيدي القتلة عنا وعن أهلنا وشعبنا لأجيال وأجيال.

إن ابتعاد النخب السياسية السورية عن حاضنة الثورة السورية من خلال تشكيل كثير من الأجسام السياسية المتعددة والوهمية والتي لن تحقق أهداف الشعب السوري الثائر إلا بوجود قوة عسكرية وطنية حقيقية على الأرض تكون مرتكزاً أساسياً لأي حل يمكن أن يُفرض على السوريين، فالمفاوضات والحلول لا تأتي إلا من خلال قوة تَفرض على الجميع شروطها والتي غالبًا ما تكون لصالح الشعب الثائر، وأي تخلٍّ أو التفاف على هذه القوة سيعيدنا إلى المربع الأول وسيتمكن أعداء الشعب من فرض قرارهم على أي تكتل أو حزب أو مجموعة تدّعي تمثيل الشعب السوري، هذا إذا كان هدف هؤلاء تحقيق المصالح الوطنية والشعبية وليس تحقيق مصالح ضيقة شخصية أو حزبية، والتي سرعان ما سيتم الالتفاف عليها لتعود أوضاع السوريين إلى ما كانت عليه قبل الثورة بل ستكون أسوأ من ذلك بكثير.

أما الأحرار القائمون على هذه المقاومة فيجب تذكيرهم بعدد من النقاط المهمة وعلى رأسها السرية التامة بكل أعمالهم، والحرص وبشكل صارم على تطبيق تدابير الأمن لمنع الاختراقات التي أهلكت فصائل الجيش الحر والثورة السورية، وعليهم أيضاً أن لا يثقوا بأي من القائمين على مؤسسات الثورة السياسية والدينية وقادة الفصائل وشرعييهم، والجميع يعرف هؤلاء إلى أين أوصلوا شعبنا وثورتنا، أما من الناحية الإستراتيجية والتكتيكية ومن خلال

هذه المقاومة ستكون الطلقة الأخيرة في جعبة الشعب السوري وثورته، وفشلها يعني انتصاراً للأسد وحلفائه

الدروس المستفادة مما حدث أثناء الثورة يجب على هؤلاء الأبطال التركيز على مراكز المدن وخاصة العاصمة دمشق، فالأسد لم يسقط حتى الآن لأنه مازال يتحكم في مراكز المدن ودوائر ومؤسسات الدولة في العاصمة، وهذا ما سوّق له داعموه أمام أصحاب القرار في العالم من خلال تأكيدهم بأن مؤسسات الدولة تحت سيطرة الأسد وتقوم بعملها على أكمل وجه، وبالتالي لا قيمة لمن يسيطر على الريف وحتى لو كانت السيطرة على كامل أرياف المحافظات.

موجز القول: يمكن أن نقول بأن هذه المقاومة ستكون الطلقة الأخيرة في جعبة الشعب السوري وثورته، وفشلها يعني انتصار للأسد وحلفائه، وإسكات لضمير وصوت الشعب السوري لعقود قادمة، وإن توفر لها الظروف الملائمة يمكن لهذه المقاومة أن تقلب الطاولة على الجميع، وتعيد إنتاج الثورة من جديد بوجهها الجميل الذي انطلقت من خلاله منذ ثمانية أعوام، وهذا ما يجب أن نسعى إليه جميعا أبناء للثورة التي مرضت ووهنت في مرحلة من مراحلها لكنها لن تموت لأنها ثورة الحق على الباطل وثورة العدل على الظلم وثورة الكرامة على المذلة، وهذا ما صدحت به حناجر شعبنا على مساحة الوطن بشعارها الخالد الذي زلزل كيان القتلة المجرمين "الموت ولا المذلة".