تسطيح احتفالية المرأة الكردية في سوريا

تاريخ النشر: 23.03.2022 | 05:21 دمشق

شهدت مدينة القامشلي خلال قرابة شهر واحد مضى، ثلاثة أحداثٍ أثبتت ضعف عمل المنظمات النسوية عامة والكردية على وجه التحديد، وغياب الفاعلية والتنسيق بينها؛ لأسباب تتعلق بالانتماءات الحزبية، وعدم الاكتراث بالقضايا الجوهرية العامة، والتي تعتقد بعض المنظمات وقياداتهن، أنها تخص مكوناً أكثر من غيره.. حيث عُثر في الأسبوع الماضي على رضيعة تُركت على قارعة الطريق، وقبلها بأيام أقدمت فتاة في بداية عقدها الثالث على الانتحار وقبل ذلك بقرابة شهر اعتصمت مجموعة من النساء للمطالبة ببناتهم القاصرات المختطفات بقصد التجنيد، هكذا فقط تناولت الألسن الصحافية والمنظمات النسوية والسياسية هذه الوقائع على وجه السرعة، لتمر الأخبار دون أيّ اهتمام مركز من الصحافة أو مكاتب المرأة في الأحزاب، والأكثر سوءاً أنها كانت سيرة للتداول الاعتيادي بين المنظمات النسوية، فأمكن القول إن طفرة عدد المنظمات النسائية الكردية لم تأت بالفائدة المرجوة ولم تدخل في صُلب الأزمات والمعضلات التي تعانيها المرأة اليوم.

فالمنظمات ومكاتب المرأة في الأحزاب، شاطرة جداً في تكرار الجملة نفسها في كل احتفالية بيوم المرأة العالمي: "هي الأمُ والأختُ والزوجةُ والحبيبةُ" ثم يعودون إلى بيوتهم، دون حصول التغيرات المطلوبة في وضع صاحبة هذه الصفات "الجميلة"، واستمرار حرمانها من حقوقها السياسية والمالية الأسرية، بالشكل المطلوب فعلياً، والمتابع لاحتفاليات مختلف الجهات بيوم المرأة يستشعر حجم "التسطيح" بحقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون التنسيق والعمل للضغط لتغيير قانون الأحوال الشخصية أو غيره، أو ضمان عدم المس بمستقبل طلبة المدارس والجامعات حالياً. المشكلة الجديدة وهي الخطيرة جداً، أن نتائج الحرب في سوريا أفرزت تفككاً في بنية الأسر الكُردية، حيث تحولت قضية تحفيز النساء للإدلاء بما يتعرضن له من تمييز أو عنف أسري، إلى ارتداد عكسي قائم على الشكوى لأجل الشكوى في حالاتٍ ليست بالقليلة، فباتت الأسر مهددة بالتفكك الأسري أكثر من الأول، وأصبح بمتناول أيّ سيّدة تقديم شكوى رسمية ضد زوجها لأتفه سبب وثمة حالات وشكاوى تثبت حجم الشقاق الأسري والمجتمعي الحاصل، علماً أن أرقى المجتمعات والتي تبوأت فيها قضايا النسوية منزلة متقدمة، من شبه الطبيعي أن يتطور أيّ نقاشٍ لمراحل لا تستوجب تقديم أيّ شكوى، بعكس ما يحصل في المدن الكردية ودعاوى ضد الزوج بسبب "رفع صوته في وجهي، قال لي أغربي عن وجهي، قال لي عيب عليكي" حيث يكاد يُمكن التعميم أن لا منزل دون هذه الأمور البسيطة بحجمها والواجب مراعاتها بأهمية، لكن يُمكن أن تُحلّ ضمنياً بينهما، لتصبح الشكوى شيئاً من "الموضة" الكُردية، هذا النوع من الشكاوى هي أسّ تمتين وتعميق الشقاق الأسري والعائلي، وهي نتيجة لوجود محفز ومُشجع للإقدام على ذلك النوع من الشكاوى. وبالمقابل فإن الانتهاكات الذكورية ضدها لم تتوقف إنما زادت مع تبدلات في نمطيتها، وتوثق[1] إحصائيات المنظمات النسوية مجموعة كبيرة من الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة، مثل حالات التهديد بالقتل والطعن في الشرف والضرب وتكرار الإهانات، وعدم تقديرها أو منحها حقوقها الطبيعية بما فيها حصتها في الميراث وال...إلخ والتي تستحق الوقوف عليها والبحث عن مخارج لعدم تكرارها ووضع حدّ للعنف الأسري ضدهن خاصة حين يكون الواعظ النفسي محركاً لفعل الرجل في ممارسة العنف ضد المرأة. فالسيكولوجيا تخبرنا أن العنف (الذكوري) هو رد الفعل على شعور غليان داخلي ينتاب الإنسان حينما يشعر بأنه غير مقدر فيلجأ لتفريغ شحناته السلبية. والمؤسف أن تكون المرأة هي الهدف في ذلك التفريغ؛ كونها الحلقة الأضعف دوماً في البيت، كما أن العنف الممارس ضد الرجل في مجتمع العمل، الأصدقاء...يخلق الإنسان المقهور الباحث عن وسيلة لحل مأزق وجودي وملجأ لإفراغ التوتر النفسي لديه .... وكأنه يعيد شيئاً من الاعتبار المفقود للذات (مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، 173-174)، وغالباً ما يكون التفريغ عبر العنف ضد الزوجة، الأم، الأخت، الابنة.

المتابع لاحتفاليات مختلف الجهات بيوم المرأة يستشعر حجم "التسطيح" بحقوقهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون التنسيق والعمل للضغط لتغيير قانون الأحوال الشخصية أو غيره

وربما جاز القول إن منظمات المرأة الكُردية تلجأ إلى تفريغ مأزقها الوجودي في غياب الفاعلية الإنتاجية، واتجهت صوب الافتخار بعمل سيدة في قيادة آلية ثقيلة، أو عملهن في مهنة الدّهان، أو تصليح الأدوات الكهربائية المنزلية...إلخ، دون عناء البحث في سبب هذا الانقلاب الجندري في التوجه صوب الأعمال الشاقة والمجهدة، فيكتفون بالتمجيد كأسهل طريقة للتعبير. علماً أنه لا فصل بين الواقع السياسي وقضايا حقوق وتحرر المرأة، والمؤسف أن يكون التحول الاجتماعي وتغيير هياكل الحكم المحلية والتبدلات التي طالت بنية المجتمع في شمال شرقي سوريا، لم تأت بالشيء المطلوب والتغير المنشود على مستوى خلق وعي جمعي، واختصار مشاركة وانخراط المرأة في العمل السياسي والحزبي على مستوى البنى التحتية للمجتمع دون المساس بجوهر القضية. كل ذلك عوضاً عن البحث في سبب عدم مشاركة المرأة في صناعة القرار السياسي، أو تبوئها منصباً مهماً، كمنصب السكرتير العام للحزب، أو القائد الفعلي في أي هيئة سياسية. وبالرغم من "اختراع واستحداث" الإدارة الذاتية لمنصب الرئاسة المشتركة للهيئات والمؤسسات، لكنها أيضاً موضع تساؤل: لماذا لا تكون سيدة رئيسة للحزب أو المؤسسة الفلانية، لماذا يتشارك رجل وامرأة؟ وهل حقيقة القرار تشاركي؟ لماذا لا تنفرد سيدة بقيادة الهيئة أو المؤسسة المعنية؟. وفي الطرف الآخر فإن مشاركة المرأة في المجلس الوطني الكردي، لا يتعدى الوجود الشكلي غير الفعال أبداً وهذه تعود لسببين مركبين أولهما: بنية الأحزاب الكردية في سوريا غير مؤهلة لتقبل فكرة قيادتها من قبل سيّدة، والثانية أن مكاتب المرأة في أغلب الأحزاب الكردية لم تلجأ لتطوير آلياتها وفعالياتها فبقيت براهن سيئ جداً، فهي في الحدّ الأدنى لا تمتلك إحصائيات حول المعنفات، وليس لديهم فريق رصد ومتابعة، ولا أيّ معلومات عن حجم العنف الممارس ضد المرأة!

 

Picture1_1.jpg

 

ما زالت المرأة الكُردية تعاني من عنف واضح مع اختلاف التسميات واستمرار نظرية "دونية المرأة والكائن الضعيف" وإحباط إمكانية نشاطها المستمر، والأكثر غرابة أن المنظمات النسوية في معرض دفاعها عن النساء المعنفات، غالباً ما يبدأن أحاديثهن أو دفاعهن بعبارات مثبطة لحقوقهن مثل "هي ضعيفة، حساسة"...إلخ

ما زالت المرأة الكُردية تعاني من عنف واضح مع اختلاف التسميات واستمرار نظرية "دونية المرأة والكائن الضعيف" وإحباط إمكانية نشاطها المستمر، والأكثر غرابة أن المنظمات النسوية في معرض دفاعها عن النساء المعنفات، غالباً ما يبدأن أحاديثهن أو دفاعهن بعبارات مثبطة لحقوقهن مثل "هي ضعيفة، حساسة"...إلخ. وتعيش حالة نسيانٍ لحقوقها وكيانها حتى يقترب شهر آذار، لتبدأ الاستعدادات على عجل، اجتماعات وجلسات ولقاءات، ثم يتم الاتفاق على اختزال كامل قضيتها ببضع شكلياتٍ وعقد حفلة أو مهرجان خطابي ليؤكدوا أنها مهمة، دون نسيان الدبكات والأغاني الفلكلورية المصاحبة لتلك الحالة، كتعبيرٍ عن طبول النصر المؤزر، ويرددون "على الرجل أن يمنحهن حقوقهن، ولن نقبل...لن نقبل" هكذا ثمة تأكيدٌ على حجم المرارة والذاكرة المؤملة التي تحملها تلك النسوة في "حربهم مع الذكر" وتالياً اختصار كامل مطاليبهن بالصراع مع الآخر الذي يهضم حقهن، ثم يطلبن من الطبقة السياسية والاجتماعية الذكورية بتغيير واقع حالهن، وهو في طبيعة الحالة غشاوة وضعت على الأعين، وهم مصرون على الاحتفاظ بها، ويتناسون أن القوانين والقرارات الحكومية والنزعة الإقصائية والأيديولوجيات الحامية للسلطة هي الساعية صوب إخضاعهن والسيطرة على وجودهن، وأن تسطيح الاحتفالات بهذا الشكل إنما هو تمييعٌ لحقوق المرأة والنسوية الكردية في سوريا.


 

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار