تركيا: هم الاستقلال الاقتصادي وفخ الدولة المتوسطة 

2021.12.03 | 04:55 دمشق

turkey.jpg
+A
حجم الخط
-A

الانطباع الأول عن كلمة الاستقلال هو معنى عدم الخضوع للآخرين. وهذا يمكن أن يكون على المستوى الفردي والجماعي وعلى مستوى الدول. وغالبا ما تنطوي كلمة استقلال على مدلول سياسي بمعنى الاستقلال عن الدول الأجنبية والسيادة الوطنية. هل من الوارد الحديث عن استقلال اقتصادي يوازي الاستقلال السياسي؟ 

من المهم قبل الخوض في الاستقلال الاقتصادي أن نشير إلى أن الاستقلال أمر نسبي. بمعنى أن الاستقلال يقع في مسافة وسطى بين الانعزال عن الآخرين والخضوع التام لهم. ولذلك من المنطقي أكثر الحديث عن درجة عالية من الاستقلال أو درجة منخفضة منه باعتبار الانعزال، الذي هو الصورة الكاملة للاستقلال غير قابل للتحقق وخصوصا بالمعنى الاقتصادي. يمكننا الاستدلال على الاستقلال على المستوى الفردي، بمدى قدرة الشخص على اتخاذ قرارات تتعلق بحياته اليومية بناء على منطقه الخاص أو تلقيه توجيهات من الآخرين. وكلما استخدم الفرد منطقه الخاص زادت درجة استقلاله. طبعا القدرة على استخدام منطقه يتوقف على قدراته العقلية ومهاراته وتعليمه وموارده الاقتصادية. على المستوى السياسي تكون الدولة مستقلة عندما تتخذ قرارتها السياسية بناء على حساباتها السياسية الخاصة. 

ما يهمنا أكثر هو الجانب الاقتصادي في الاستقلال على مستوى الفرد أو الدولة؟ الاقتصاد في جوهره يدور حول الموارد والحاجات وتخصيص الموارد للحاجات والآلية التي تنظم ذلك، وهي مؤسسة السوق، بما تنطوي عليه من قوانين حكومية وقيم مجتمعية.

وهنا تطرح مفارقة أن يترافق الاقتصاد، الذي جوهره هو التبادل أي الاعتماد المتبادل، مع الاستقلال. وأعود للقول بأن الاستقلال لا يعني الانعزال، بل هو مفهوم نسبي. وبتبني المفهوم النسبي للاستقلال يمكننا الحديث عن الاستقلال الاقتصادي. طالما أن الاقتصاد يدور حول الموارد والحاجات فإنه على المستوى الفردي والجماعي، إن من هو قادر على تلبية مقدار أكبر من حاجاته باستخدام موارده الخاصة هو الأكثر استقلالا.

بشكل ملموس أكثر، الفرد اقتصاديا هو إنفاق ودخل، ومن لديه دخل يغطي إنفاقه أو يزيد هو أكثر استقلالا بالمقارنة مع من يقلّ دخله عن إنفاقه، حيث يضطر هذا الأخير أن يتخلى عن جزء من استقلاله من أجل الحصول على تمويل (اقتراض أو مساعدة) من الآخرين لتغطية الفرق بين دخله وإنفاقه. وينطبق هذا الأمر على الدول أيضا. إنفاق الدول هو استهلاك واستثمار على المستوى الوطني ودخلها هو ناتجها المحلي (الدخل القومي) وكلما كان ناتجها المحلي أكبر يمكنها أن تستهلك وتستثمر أكثر. وكلما كانت الدولة تستهلك وتستثمر ضمن حدود ناتجها المحلي فإنها تعتبر مستقلة نسبيا لأنها لا تضطر للخضوع لشروط الآخرين في تمويل نفسها. 

نظرا لأن كل الدول تتطلع لزيادة ناتجها المحلي، أي تحقق النمو الاقتصادي، فإنها يجب أن تزيد من إنفاقها الاستثماري وهذا يمكن أن يتحقق بطريقتين بتمويل داخلي لا يشكل تهديدا للاستقلال الاقتصادي أو بتمويل خارجي قد يفتح الباب لامتداد الأيادي الخارجية وفرض شروط تضر بالاستقلال الاقتصادي. مصدر التمويل الداخلي هو الادخار، ويكون الادخار المحلي مرتفعا عندما يضطر الفرد (المتوسط) لتخصيص نسبة أقل من دخله لتلبية حاجاته الاستهلاكية وتوفير جزء أكبر من دخله. وهذا مرتبط أساسا بدرجة إنتاجية الفرد ومن ثم دخله. أي أنه عندما يرتفع متوسط إنتاجية الفرد في بلد ما يمكن أن يرتفع متوسط الأجور (والدخل) ومن ثم يمكن للفرد أن يلبي حاجاته الاستهلاكية بإنفاق نسبة أقل من دخله ويدخر نسبة أكثر تساهم في زيادة الادخار على المستوى الوطني، تمهيدا لاستخدامه في تمويل الإنفاق الاستثماري. 

انخفاض إنتاجية الفرد يعني أنه سيتلقى دخلا أقل ومن ثم سيخصص نسبة أكبر من دخله لتلبية احتياجاته الاستهلاكية ونسبة أقل للادخار، ومن ثم سينخفض مستوى التمويل المحلي للاستثمار ويفتح الباب للتمويل الخارجي الذي قد يشكل خطراً على الاستقلال الاقتصادي، من خلال الشروط التي يفرضها رأس المال الأجنبي والمقرضون الأجانب. ولا بد من التأكيد على أن الأمر احتمالي وليس مؤكدا. 

ويمكن أن نشير إلى تلك المسألة بشكل غير مباشر من خلال ما يسميه الاقتصاديون نموذج الفجوتين. حيث إن الفجوة في الموارد المحلية (عندما يكون الاستثمار أعلى من الادخار المحلي) تقابلها بشكل شبه حسابي فجوة الموارد الخارجية أو العجز في الميزان التجاري. أي أن تكون مشتريات البلد من الآخرين أكبر من مبيعاته لهم وهذا يعني أنه يصبح مدينا لهم وهؤلاء سيفرضون شروطهم التي قد تكون مسيئة للاستقلال الاقتصادي.

ما يعزز خطورة فخ الدول المتوسطة في الحالة التركية، وبالعودة لسياق تمهيدنا النظري، هو انخفاض متوسط مستوى الادخار بدرجة كبيرة بالمقارنة مع الدول المتوسطة مثل الهند والصين

قبل الإشارة إلى دلالات هذه الخلفية النظرية بالنسبة للحالة التركية، لا بد لنا من الإشارة إلى خاصية مهمة للاقتصاد التركي، والتي لها دلالاتها المهمة هنا. الاقتصاد التركي اقتصاد متوسط مرتفع، وهو على بعد خطوة واحدة من أن يصبح اقتصادا متقدما. أي أنه بحاجة إلى مزيد من النمو الاقتصادي لتجاوز حد الدول المتوسطة. هنا تطرح فكرة أن تركيا قد تكون في خطر فخ الدول المتوسطة، حيث إن تلك الدول تصل لحافة الدول المتقدمة ولا تستطيع تجاوز تلك الحافة وتنكمش متراجعة على سلم الدول المتوسطة اقتصاديا. والمشكلة هنا هي أن الدول المتوسطة تعتمد في نموها على التصدير الذي يتمتع بميزة تنافسية في السوق الدولية مبنية على العمل الرخيص، أي الأجور المتدنية. لكن ونظرا لأن هذه الدول قطعت شوطا متقدما في التنمية الاقتصادية، ترتفع فيها مستويات الأجور تدريجيا وتصبح المراهنة على العمل الرخيص غير مجدية، وعلى هذه الدول أن تبحث عن ميزة تنافسية أخرى. وهنا الحل المطروح هو رفع إنتاجية العامل بالتأكيد. 

ما يعزز خطورة فخ الدول المتوسطة في الحالة التركية، وبالعودة لسياق تمهيدنا النظري، هو انخفاض متوسط مستوى الادخار بدرجة كبيرة بالمقارنة مع الدول المتوسطة مثل الهند والصين، ناهيك عن الدول المتقدمة. أي أن تركيا بحاجة ماسة للتمويل الخارجي للنمو الاقتصادي، وهذا التمويل الخارجي قد يؤثر على درجة استقلالها الاقتصادي. إذاً ما هو الحل؟ الحل يكمن ثانية في رفع مستوى إنتاجية العامل التركي. 

إن تركيا بحاجة ماسة للاستمرار في النمو والنجاة من فخ الدولة المتوسطة، ولتحقيق ذلك لا بد لها من الحفاظ على ميزتها التنافسية أو إيجاد ميزة تنافسية جديدة، وتركيا أيضا مهمومة جدا باستقلالها الاقتصادي، ومعالجة الهمّين يتطلبان رفع إنتاجية العمل. 

النمو الاقتصادي ورفع إنتاجية العمل يتطلبان مناخا استثماريا مستقرا وسياسات استثمارية هادفة لقطاعات محددة ترفع مستوى إنتاجية العامل التركي. أي أن السياسات الاستثمارية يجب أن تركز على الاستثمار في قطاعي التعليم والتكنولوجيا باعتبارهما المصدرين الأساسيين لرفع مستوى الإنتاجية في البلد ككل، ويجب أن نلاحظ أن القطاعين يتطلبان استثمارات طويلة الأجل لكي تتحقق النتائج المطلوبة. 

يبدو لي أن السياسة النقدية التوسعية التي تتبعها الحكومة التركية القائمة على خفض معدل الفائدة في سياق تضخم مرتفع لا تخدم الاستقلال الاقتصادي ولا تتجاوز فخ الدول المتوسطة، بالرغم من أن سياسة الفائدة المنخفضة توفر تمويلا رخيصا لبعض المستثمرين، لكن في ظل هذا التضخم الملتهب لن يوجه الاستثمار سوى للأوعية العقيمة والمضاربة على حساب الاستثمار المنتج. هذه السياسة في الظرف الحالي تدفع باتجاه هروب رؤوس الأموال نحو الاستثمارات القصيرة الأجل أي باتجاه المضاربات العقارية والمالية والاكتناز وشراء العملات الأجنبية أو حتى الهرب خارج البلاد، فالتضخم مدمر لمناخ الاستثمار، ومن ثم الاستثمار المنتج ذي النفس الطويل الذي يمكن أن يطور التعليم والتكنولوجيا.