تدريباتٌ سردية على تذوّق الألم

تاريخ النشر: 26.03.2022 | 06:40 دمشق

منذ تركتُ دمشق غدوت شخصيْن: أحدهما يعيش مع الماضي، أراه سعيداً ووسيماً، كأنه من زمان آخر، أقبضُ عليه وهو يأكل الفلافل في مطعم "بيسان"، أو يتذوق كلَّ ما يجده أمامه في جولة بعد منتصف الليل في "الجزماتية" أو أعثر عليه يمشي في أحد أزقة باب سريجة.

وآخر هو أنا الذي أكتبُ هنا، مُعَلَّقٌ على أصابع الشوق، ألتهبُ بالماضي. أو كما قال صديق يعمل طبيباً نفسياً: مصابٌ بمرض اسمه الحنين، لا علاج له، ولا جدوى من معالجته!

ما يزال جرحي الشخصي مفتوحاً، بعد أكثر من عقد على جرحنا السوري العام، لم أترك طريقة إلا وجربتها لتخييط هذا الجرح، أو معالجته، يقول طبيب العائلة وهو يبحث عن أيّ علامة على جرحي الغائر، الذي أشتكي له منه بشكل دوري منذ سنوات: لا سبب علمياً لما أشكو منه. كشفتُ له عن صدري، فتَّشَ جيداً تحت شعراته البيضاء، ابتسم، سألته: ألم تخترع البشرية مقياساً للألم بعد؟ قال: المشكلة أنَّ الألم لا حدودَ لأنواعه، ومن الصعب قياسه.

رددتُ على الطبيب، الذي لم يستطع أن يرى جرحي: لا عليك، سأقرِّبُ المسافة أكثر بيني وبينك، سأضربُ لك أمثلة لعلك تتخيَّل ما أحسُّ به. يمكن أن أقول لك: قوةُ ألمي مثلاً تساوي انكسار شخص، بِيْعَ في أسواق العبيد في المستعمرات الهولندية قبل إغلاقها عام 1863، قد تشبه وحشة وجع أمٍّ؛ وضعت وليدها عند حاوية قمامة، خشية فضيحة لا ذنب لها فيها. أو ألم امرأة يتحرشُ بها رجال قساة، ولا تستطيع التعبير عن وجعها لأنه لا أحد سيصدقها! لا عليك، أعرف أنك قارئ جيد لسرديات السوريين: وجعي جزء من وجعنا الذي لا نهاية له، حيث ينتشر في الكرة الأرضية لينقل ألم معتقلينا، الذين لا أحد يعرف عنهم شيئاً، بعد أن صاروا أرقاماً فحسب!

هيَّأتُ لألمي كل ما يلزم كي ينام قرير العين، يراود ساعاتي ويحولها إلى فراغ، أمشي على أمل الوصول لكنني لا أصل

ألمنا المفتوح يطهرني ويدفعني لأقول: هنيئاً لكل الذين انتصروا عليّ، ولكل من عاش لحظة نشوة، حين وجدني أحبس دمعة، ولكل من أمسك قبضة يده ورفعها في الهواء، قائلاً: حطمتُ قلبه! أو قال في سره: لقد كسرته، ومنعتُ عنه ما حلم به!

وعذراً عذراً ممن آلمتهم، حين لم أسْعِدْهم بتحقيق انتصار، كان يعني لهم الكثير.  يمكنني أن ألتقيكم، وأعانقكم واحداً تلو الآخر، معتذراً منكم، لو عاد الزمن مرة أخرى، فلن أحرمكم شعور أن تكونوا منتصرين عليّ! سألوِّح لكم بيد خاسرة، وأصرخ: هنيئاً لكم شماتتكم!

هيَّأتُ لألمي كل ما يلزم كي ينام قرير العين، يراود ساعاتي ويحولها إلى فراغ، أمشي على أمل الوصول لكنني لا أصل. أحاول ملء اللحظات لتكون مختلفة، لكنها تعيدني إلى الفراغ، الفراغ الذي لا نهاية له.

حين أقرأ السرد، أو أتصفح السوشال ميديا، أجد أن كثيرين جعلوا منبع جروحهم وآلامهم في "الآخر"، أما حضرةُ جرحي الحالي فيرفض أن يعترف بهذا الذي أمرُّ به. حاولتُ أن أعيشَه كجرح ناجم عن "الآخر"، حيثُ يمكنني أن أعاتبه، أو أُعْرِض عنه، أو أعمل له بلوكاً، قد أطلِّقه من حياتي، وأنفصل عنه، لكن جرحي لا يستجيب أبداً يقول لي: أنت نبعي وسدرة منتهاي!

أذكِّرُ ألمي المعاصر بتجارب وحروب كثيرة سابقة: عبثية، ووجودية، خسرتُ الكثير منها، وتجرعتُ المرارة تلو المرة: الصداقات والدراسة والعمل والفرص والنساء والأوهام، كانت الأيام تمر، وتفعل فعلها في تلك الخسائر، تحولها إلى ذكرى، قد تحييها فجأة صورة، أو طيف يمر، أو مصادفة عابرة.

لديّ صراع يومي بين "أنا الذي يملؤني الفراغ والوحشة"! و"أنا القديم المزدحم" الذي يهرب مني، كأنه لا يعرفني، ولا يكترث بي حين أُحْضِّرُ له القهوة، وأضع أمامه كتاباً، وبقايا "شلْية" كي نتسلى بها معاً. أريد أنْ أجلسَ معه لنشرب كأس الهزيمة أو فنجانها، غير أنه لا يأتي على الموعد، يغيب كأنه لم يكن! أريدُ أن أعصره بين يدي حتى يفنى، فأنتهي منه. غير أنني في اللحظة الأخيرة لإعلان الانتصار عليه، ينزلق من بين أصابعي بطريقة زئبقية، يريدني أن أبقى هزيمة، وأنا أركض خلفه ولا يعلمُ أنني نسيتُ، كيف يكون الركض وسيلة وصول إلى الأهداف، فقد أدمنتُ في سنواتي الأخيرة المشي البطيء!

كثيرون يحيطون بكَ، عائلةٌ تحاول أنْ تنتشلك، وأصدقاء وأحبة، لكن وحش العزلة لديه أسلحة سرية قادرة على تدمير كل لحظاتك! وأنت الذي لم تتخيل يوماً أنك ستكون من مواطني العزلة، أو الوحدة! حتى إن ما يجعلك سعيداً اليوم: الخسارة، الخسارة التي تليق بك، بعد أن أُشْبِعْتَ من انتصارات الوهم. ليغدو اسمك "الشخص المهزوم"، الرجل دون أثر، تمر بجانب كثيرين كأنك لم تمرْ! حيث لن يقف خصمٌ أمام بابك، أو ينظر عابرٌ إلى ما بين يديك، شخص خاسر أمام "أناه السابقة التي بقيت هناك"، "أناك" التي عشت معها لحظات قديمة دافئة! لستَ شخصاً ضحية، بل شخصا مشتتا، دون فكرة مكتملة، كأنك ولدتَ أجزاء، مشتتٌ بحيث لا تستطيع أن تتمَّ طبخة واحدة.

كم زرتَ أصدقاء وفتحتَ معهم صفحات جديدة، وكم قاومتَ وسايرتَ وجاملتَ ووقفتَ على جسور التردد والملتبسات، لكنك تنتمي الآن إلى أكبر شريحة صامتة، وهي شريحة الخاسرين! التي لا أحد يريد أن يتميز فيها، أو يقود الفريق، أو "يطق البراغي" لزميله الخاسر الآخر، نحن أصدقاء الظل والمنافي، تنهشُ العزلة أيامنا، نعيش متراصين، خاسرين! نأكل أوقاتنا بالندم على ذلك الزمان المتعِب الذي يسمونه زمن "إدمان الانتصار"!

سيدمدم آخرون: لماذا يستعجل صديقنا الخسارة؟ لا أعرف، أنا كذلك سأتساءل مثلكم: كيف ألِفتُ الخسارة حتى صارت جزءاً مني؟

عالم الخاسرين هادئ، لا أحد يريد أن يفتخر، ولستَ بحاجة إلى أن ترفع صوتك، لأنه لا أحد يريد أن يعرف كيف تحدث الخسارة، أو أن يتعلم كيف يخسر!

ولن يقول لك أحد: ليس المهم أن تصل إليها بل المهم كيف تحافظ عليها! ولن يلتفَّ عليك أحدٌ من خلف "جبل أُحِد" كي يسرق هزيمتك، بل سيمرون كأنهم لم يعرفوك يوماً! ولن تكون الهزيمة يوماً جزءاً من هرم "ماسلو" لتقدير الذات، فالذاتُ يندر أن تقدر نفسها وهي منهزمة!

عالم المهزومين هذا بلا أبطال، تركنْا الأبطال خلف ظهورنا هناك، سيبتعد كثيرون عنك، لا يرافقون سوى المنتصر! كذلك، لا حكماء فيه، لأنَّ الحكمة الأشهر هنا: العين لا تقاوم المخرز! والمخرز نار لا تنطفئ في القلب! هنا لا تماثيل لقادة المعارك! لا دواوين شعرية لـ "أمل دنقل"!؛ ولأنه لا يوجد أشخاص يبحثون عن النصر فلا مكان لمدربي التنمية البشرية! لا غالبينَ كي نقلّدهم! لا أحد يكتب مقولة "جيفارا" على الجدران: إما النصر أو النصر!

ولا أحد يؤمن بمقولة "همنغواي": يمكن أن تدمر الرجل ولا يمكنك أن تهزمه". لا تصدقْ، يمكنك أن تهزم الإنسان وتقتلعه من جذور أحبَّها إلى الأبد!

تستطيعُ أن تشمَّ رائحة الهزيمة في عيون من تقابله، وأن تتحسَّس طعمها دون "كَمّون" أو توابل، لا تحتاج إلى ملح لتذوّقها، فطعمُها ينبئ عنها. في عالم المهزومين لا تسميات مواربة، لا يسمي المهزومون الهزيمة خسارة، مثلاً، أو أنها خطوة نحو نصر قادم، لا، لا شعارات في عالمهم، لا وهنَ لنفسية الأمة، أو محاكم ستحاسبك على الهزيمة، فهذه ليست بلاداً تبحث عن النصر فحسب، هي تدفعك لتقدم ما تستطيع بمحفزاتك الذاتية أنت وحدك!

أستيقظُ كل صباح، ألبس طقمي، وأحمل حقيبتي بعد أن أملأها بالكتب، لا يسألني أطفالي إلى أين سأذهب في هذا الصباح الهولندي الباكر، لأنني أخبرتُهم بالأمس أن يخفِّضوا أصواتهم، حين كنتُ مشغولاً بإعداد محاضرتي لطلابي، صعدوا الدرج إلى غرف نومهم، دون أن يقبِّلوني، خشية أن تصطدم عيونهم بعيوني!

لا يستغربُ أطفالي ما أقوم به، سبقَ أن دربتُهم على الخسارة والخذلان والفقد، بل يصدقونه تماماً

يجبُ أن أذهب باكراً، ربما يكون هناك ازدحام بالقرب من "كراج السومرية" أو على "أوتوستراد المزة"، سيسمع أبو خالد وقع خطواتي على درج البناء الشمالي لكلية الآداب فيسرع لإعداد فنجان القهوة.

لا يستغربُ أطفالي ما أقوم به، سبقَ أن دربتُهم على الخسارة والخذلان والفقد، بل يصدقونه تماماً، حين سألتهُم مساء أمس عما يريدونه من المزة، طلبوا أن أحْضِرَ لهم "نابلسية من عند "محل نفيسة الصالحية وليس الشيخ سعد"!

هل أكذّبُهم؟ وأصدّق عيني اللتين تقولان: إنني أعيش في أمستردام؟

لا، لن أفعل، لأنه، وقتها، لا بدَّ من البحث عن مجنون كي يحلّ المعضلة، فمن من سيكون المجنون: أنا؟ أم دمشق؟ أم هم؟ أم الخسارة كخطوة على طريق الهزيمة أم أمستردام؟

كلمات مفتاحية
انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار