بين الشورى والديمقراطية في الفكر السياسي الإسلامي

تاريخ النشر: 23.10.2020 | 01:40 دمشق

آخر تحديث: 23.10.2020 | 01:56 دمشق

تعود فكرة الديمقراطية بكل تأكيد إلى الحضارة اليونانية وعلى الرغم من أن ممارستها كان مقتصرا على طبقة النبلاء إلا أنها اعتبرت تجربة استثنائية مقارنة مع حكم الملوك والأباطرة في تلك الفترة، اكتشف الرومان في عام 350 قبل الميلاد التجربة وبنوا عليها في فترة تحررهم من حكم التروسكان الملكي، وقررت روما حينها أن الطريقة الوحيدة للتخلص من حكم الملك المتفرد هو تأسيس مجلس الشيوخ ( مجلس Senate) لم تعمر فترة الديمقراطية الرومانية طويلا فقد قضى عليها يوليوس قيصر الذي اعتبر علامة فارقة بين ما يسمى الديمقراطية الرومانية والإمبراطورية الرومانية عندما أعلن نفسه دكتاتورا لروما لفترة عشر سنوات ومن ثم مددها ( كلمة الدكتاتور لم تكن تحمل معنى سلبيا في تلك الفترة.(

استمرت الإمبراطورية الرومانية أكثر من ثلاثة قرون قبل أن تنقسم بين الإمبراطورية الرومانية الغربية وتلك الشرقية، لكن بقي نموذج الحكم المنفرد متمثلا في الإمبراطور هو السائد حتى انهيار الإمبراطورية الشرقية على يد العثمانيين في سقوط القسطنطينية والغربية بعدها بقرون على يد نابليون بونابرت.

يبقى السؤال هنا لماذا لم يكتشف المسلمون فكرة البرلمان أو مجلس الشيوخ ضمن النظام السياسي الإسلامي؟

فالحضارات الإسلامية الأربع الكبرى من الأموية إلى العثمانية كلها قامت سياسيا على فكرة واحدة وهي الأمير أو الخليفة أو السلطان يعني الحكم الفرد مستنسخة التجربة الرومانية في الإمبراطور أو القيصر، لم يفكر أحد بضرورة وجود مجلس شورى أو مجلس حكماء على سبيل المثال لترشيد القرار بعد أن عاصر كل العلماء المسلمون كارثية الحكم الفردي.

فمن المعروف أن الرومان فضلوا فكرة الديمقراطية على حساب فكرة الملك لأنهم اكتشفوا خطورة الحكم الفرد ممثلا في ملك توسكان وعليه أسسوا لمجلس الشيوخ الذي اعتبروا أن من وظيفته ترشيد فكرة الحكم واستبدال فكرة الحاكم الفردي.

اكتشف المسلمون خطورة الحكم الفردي مبكرا ولعل تجربة يزيد بن معاوية كانت علامة فارقة في كيف أن الحكم الفردي المتوارث يقود إلى كوراث على مستوى الإجماع الإسلامي وحتى على الشريعة ذاتها، لكنهم لم يخطوا خطوة باتجاه ترشيد هذا الحكم الفردي عبر الاستفادة من فكرة مجلس الشيوخ كما مورست في الديمقراطية الرومانية.

اكتشف المسلمون خطورة الحكم الفردي مبكرا ولعل تجربة يزيد بن معاوية كانت علامة فارقة في كيف أن الحكم الفردي المتوارث يقود إلى كوراث

الذي حصل بالعكس هو تطور الآداب السلطانية باتجاه تأسيس مفهوم الطاعة على حساب مفهوم الرشد، ورغم وجود كلمة الشورى مرتين في القرآن لم يفكر المفكرون المسلمون بالاستفادة من فكرة مجلس الشيوخ لتطوير فكرة الحكم الرشيد، كان حول ترشيد قرار الحكم الفردي، في كل الحضارات الإسلامية الخمسة الكبرى لم يتطور شيء من ذلك أبدا.

ببساطة السؤال بعد أن أدرك العلماء المسلمون كارثية فكرة الفوضى بعد الفتنة وكارثية الحكم الفردي بعد يزيد، لماذا لم يطوروا فكرة البرلمان على أساس الشورى، فالمفكرون المسلمون كانوا قد قرأوا عن فكرة مجلس الشيوخ من الرومان لكنهم لم يأخذوا بها أبدا وأعادوا أسلمة فكرة الإمبراطور في أمير المؤمنين أو الخليفة أو السلطان.

لم يعمق أيا من المفكرين المسلمين الأوائل في شرح أو تفسير كلمة الشورى، فهم نقلوا كل أفكار اليونان في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام ولم يجرؤا على ترجمة فكرة المواطن والديمقراطية والشيوخ.

بالرغم من أن السؤال حول ترشيد حكم الفرد عبر إضافة مؤسسة جماعية تشرف وتشترك في القرار معه هو سؤال يرتبط بالطبيعة البشرية وكان طبيعيا للفلاسفة اليونان أن يفكروا به، فالسلطة الفردية مفسدة مطلقة يجب تقييدها

والحضارات الإسلامية المتعاقبة كلها شهدت كارثية الحكم الفردي لكنها لم تفعل شيئا لتصحيح ذلك على الأقل على المستوى الفكري، حيث تتواتر قصص القتل والإعدام واتخاذ قرار السلم والحرب كلها بصيغة فردية

الحضارة الإسلامية عبر خمسة حضارات من الأموية إلى العثمانية كانت متقدمة في الكثير من الأمور، لكن يجب أن نسأل أنفسنا لماذا أخفقت أيضا في الكثير من المجالات وأهمها المجال السياسي، وأعتقد كتب الكثير حول هذا الموضوع حول كثافة الكتابة الفقهية على حساب السياسة الشرعية.

كلمات مفتاحية