بيان عمان وشيطان التفاصيل

2023.05.05 | 06:29 دمشق

بيان عمان وشيطان التفاصيل
+A
حجم الخط
-A

من المفترض أن يشكل الاجتماع التشاوري الأخير بين وزراء خارجية العراق والأردن والسعودية ومصر والنظام السوري، في العاصمة الأردنية، عمان، البداية لمزيد من اللقاءات الرامية إلى الوصول إلى حل لـ"الأزمة السورية" انسجاما مع القرار الدولي 2254، كما ورد في البيان الختامي لاجتماع عمان.

ومن خلال استعراض مجمل بنود هذا البيان، نجد أنها مصاغة بطريقة عمومية، بحيث تلبي تطلعات كل الأطراف، النظام السوري، والدول العربية والإقليمية، والمجتمع الدولي، إضافة الى الحاضر الغائب، الشعب السوري، وممثله المفترض، المعارضة السورية.

غير أن هذه الأهداف العمومية الواردة في البيان، لا يمكن أن تحجب خلافات جذرية بشأن كل بند حالما يتم الانتقال إلى التفاصيل، والتعرف على رؤية كل طرف لكيفية تنفيذ هذه البنود، خاصة النظام السوري والذي ستتكفل تفسيراته كما هو متوقع، بنسف كل بند من هذه البنود، انطلاقا من التجارب السابقة، حيث تتمحور أهدافه في التعامل مع كل مسعى للحل، على النقاط والجوانب التي تقوي سيطرته وموقفه، مع إهمال أو إيلاء اهتمام شكلي فقط، بمصالح واعتبارات الأطراف الأخرى، وبالأحرى الطرف الآخر، وكل من يدعمه، وهو الشعب السوري، وخاصة الفئات المصنفة عند النظام، في خانة المعارضة.

مواظبة النظام على استغلال قضية اللاجئين، وغيرها من القضايا، من أجل استجرار أموال المساعدات الخارجية لصالح خزينته، وجيوب مسؤوليه، تحت ذريعة خدمة اللاجئين الذين هجرهم النظام نفسه

وعلى سبيل المثال، فإن الحديث عن عودة اللاجئين السوريين، وأن "تبدأ الحكومة السورية، وبالتنسيق مع هيئات الأمم المتحدة ذات العلاقة، بتحديد الاحتياجات اللازمة لتحسين الخدمات العامة المقدمة في مناطق عودة اللاجئين للنظر في توفير مساهمات عربية ودولية فيها.. إلخ"، لا بد أن تكون محل خلاف نظرا لعدم الثقة العميقة بأن يترك لحكومة النظام تحديد الاحتياجات والأولويات لعودة اللاجئين، لأن أولويات النظام بعيدة كليا عن أولويات اللاجئين ومتطلباتهم الحقيقية، مع ما نعلم عن مواظبة النظام على استغلال قضية اللاجئين، وغيرها من القضايا، من أجل استجرار أموال المساعدات الخارجية لصالح خزينته، وجيوب مسؤوليه، تحت ذريعة خدمة اللاجئين الذين هجرهم النظام نفسه، بشكل متعمد في كثير من الأحيان، ودون مبررات عسكرية، في إطار سياسته لإفراغ بعض المناطق من سكانها، أو تفتيت تمركزهم فيها، بعد أن كانت هذه المناطق حاضنة للمعارضة السلمية أو المسلحة ضده في السنوات الماضية، مثل محيط دمشق الذي كان يضم نحو 3 ملايين نسمة قبل عام 2011، بقي منهم اليوم نحو الثلث تقريبا، وتعرقل سلطات النظام عودة من بقي منهم داخل سوريا.

وفي جنوبي دمشق مثلا، عرضت محافظة دمشق في وقت سابق مخططا لإعادة تنظيم مخيم اليرموك (الذي غيرت اسمه قبل فترة إلى حي اليرموك) وتضمن المخطط شق شارع بعرض 40 متراً (لعله أعرض شارع في سوريا كلها) بهدف واضح هو التهام أكبر ما يمكن من منازل الأهالي وتفتيت التمركز السكاني في هذه المنطقة، وطبعا من دون أي تعويض للأهالي.

والحديث هنا عن تنسيق مع الأمم المتحدة لتحديد هذه الاحتياجات، ليس ذا جدوى، مع ما نعلم من سطوة وهيمنة لأجهزة النظام على مؤسسات الأمم المتحدة العاملة في سوريا، بل وتواطؤ تلك المنظمات مع أجندة النظام.

ولعل بيت القصيد في هذا المقام، ما ورد في الفقرة التالية من البيان والتي تنص على "تكثيف العمل مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة للدفع نحو تسريع تنفيذ مشاريع التعافي المبكر، بما في ذلك المناطق التي يُتوقع عودة اللاجئين إليها". ومن خلال المشاريع السابقة التي طرحها النظام لـ "تنظيم بعض المناطق، بما فيها مناطق اللاجئين، مثل مشروعي "باسيتا ستي" و"ماروتا سيتي" في دمشق، تتضح أولوياته والمتمثلة في شق طرقات عريضة، وبناء مجمعات تجارية فخمة، ومساكن فارهة، بعيدة عن متناول الغالبية الساحقة من اللاجئين، ومعظم فئات الشعب السوري.

وقل مثل ذلك بالنسبة للبنود الأخرى، مثل "تعزيز التعاون لدفع جهود تبادل المختطفين والموقوفين والبحث عن المفقودين بالتنسيق مع الحكومة السورية". وهذا نص مخادع إلى حد بعيد، لأنه وفق معطيات المنظمات الحقوقية المتخصصة، فإن النظام وأجهزته الأمنية هو المسؤول عن أكثر من 95 في المئة من المعتقلين والمفقودين والمختفين قسريا. وكان الأجدر مطالبة النظام صراحة بإطلاق سراحهم، والكشف عن مصيرهم، ولكن المجتمعين اختاروا الصيغة العمومية لضمان موافقة النظام على هذا البند. والحقيقة أن النظام يتخذ من قضية المعتقلين، وهم بمئات الآلاف، ورقة مساومة، ويمكن أن يطالب كما ذكرت بعض التسريبات، بتسلم سلاح فصائل المعارضة، مقابل إطلاق سراحهم.

وهذا الأمر ينطبق أيضا على قضية تهريب المخدرات عبر الحدود، وبدل مطالبة النظام بوقف عمليات التهريب التي تشرف عليها قواته وأجهزته الأمنية ومجموعات تابعة لحزب الله، نص البيان على "تعزيز التعاون بين سوريا ودول الجوار والدول المتأثرة بعمليات الاتجار بالمخدرات وتهريبها عبر الحدود السورية مع دول الجوار"، وهو مسعى فشل سابقا عندما جرت اجتماعات متكررة بين الجانبين الأردني والعراقي، مع مندوبين عن النظام، لأن الأخير غير جاد في هذا المسعى، وهو لا يستطيع الاستغناء عن أموال المخدرات، ما لم تقدم له الدول الخليجية تعويضات مالية موازية، حيث يقدر عائد المخدرات بين 4 و6 مليارات دولار سنويا.

وبشأن "التعاون مع الحكومة السورية لبلورة استراتيجية شاملة لتعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب بجميع أشكاله وتنظيماته، وإنهاء وجود المنظمات الإرهابية في الأراضي السورية"، فمن الواضح أن النظام سوف يركز على نزع سلاح فصائل المعارضة، ويعتبر أن الميليشيات المسلحة المدعومة من قبله ومن جانب إيران، تنظيمات مشروعة، وتمارس عملها تحت سلطة "الدولة" وبطلب منها.

كيف سيتم تحديد الخطوات المطلوبة من النظام، وخاصة فيما يتصل بالحل السياسي والتعاون مع "اللجنة الدستورية" وصولا إلى حجم المشاركة المفترضة للمعارضة في الحكم؟

ويقول البيان إن الدول المشاركة في الاجتماع ستعمل "مع الدول الشقيقة والمجتمع الدولي لمقابلة الخطوات الإيجابية للحكومة السورية بخطوات إيجابية، للبناء على ما يُنجز، والتدرج نحو التوصل لحل سياسي ينهي معاناة الشعب السوري".

والحقيقة أن هذا المبدأ "خطوة مقابل خطوة" والذي سبق أن طرحه المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، غير واضح، وليس معروفا ما الخطوات التي سيتخذها النظام والتي تستحق أن تقابل بخطوة من "الطرف الآخر"، مثلا هل إصدار النظام إعلانات مخادعة عن إطلاق سراح معتقلين، يستلزم اتخاذ خطوات إيجابية تجاهه؟ ثم كيف سيتم تحديد الخطوات المطلوبة من النظام، وخاصة فيما يتصل بالحل السياسي والتعاون مع "اللجنة الدستورية" وصولا إلى حجم المشاركة المفترضة للمعارضة في الحكم؟ هل ستترك هذه الخطوات لتقديرات النظام ومبادراته التي حتما لن تكون جدية، وستبقى في الإطار الشكلي المناور. هل مثلا سيطلب من النظام تفكيك الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها على أسس مهنية ووطنية بحيث لا تبقى مصدر رعب وإرهاب للمواطنين؟ وهل سيتم تحدد صلاحيات رئيس الجمهورية ومدة حكمه؟ هل سيقبل النظام بالفصل الواضح بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية؟ .. الخ.

ويبقى الإشارة إلى أن الجهود العربية تتضمن خللا فاضحا باعتمادها الحوار مع طرف واحد فقط وهو النظام، وتجاهل الطرف الثاني وهو المعارضة، والتي هي أدرى بأساليب النظام ومناوراته، ومن دونها سوف يسهل على هذا النظام خداع الأطراف العربية والدولية، وهو المتمرس جدا في هذه الأساليب.