بوتين خان وممراته "الإنسانية الآمنة"

تاريخ النشر: 11.03.2022 | 05:02 دمشق

هل يمكن لمشعل الحرائق أن يكون إطفائياً؟ سؤال يمكن أن يكون كلمة السر لفهم شخصية فلاديمير بوتين والنماذج المستنسخة عنه من قادة المافيات المنتشرة في العالم، وأتباعه المغرمين بقدرته على ارتكاب الجريمة والتباهي بها، فالأسد في سوريا، ولوكاشينكو في بلاروسيا، وفي كوريا الشمالية نسخة معدلة تنتظر الفرصة السانحة لإشعال الفتيل.

حيثما تحركت في نطاق الدول التي يحكمها طغاة، تجد مشعلي الحرائق يتنكرون بلباس رجال الإطفاء..

قبل أقل من أسبوعين، لم تكن أوكرانيا بحاجة لتلك الممرات الآمنة التي يمنّ بها بوتين على ضحايا نيرانه، لم تكن حرباً ضرورية تلك التي شنها القيصر الروسي على بلد لم يكن ينتظر حرباً، ولم يصدق رئيسه أن ثمة سبباً لتلك الحرب رغم كل ما حشده بوتين حينئذ على حدود أوكرانيا من جنود وعدة وعتاد، ورغم كل تصريحاته وإنكاره نيات الغزو في حالة كذب ومداورة لم تدم طويلاً حتى تحولت إلى حقيقة صارخة.

فجأة بات الأوكرانيون بحاجة إلى ممرات إنسانية آمنة ليتمكنوا من الهرب بعيداً عن مرمى النيران، وليتمكنوا -مرغمين- من مغادرة بلادهم إن استطاعوا ذلك، ثم يخرج الغازي بكل صفاقة ليفضّل على الأوكرانيين بمنحهم فرصة للتشرد بعيداً عن بلدهم وعن منازلهم، لقد حول بوتين أوكرانيا إلى منطقة خطر، منطقة موت، ثم أخذ يتحدث عن ممرات إنسانية، فأية إنسانية تلك التي يريد الوحش منحها لضحاياه؟

إنه من الغريب حقاً أن يقبل المجتمع الدولي بمناقشة فكرة الممرات الإنسانية، كان عليه أولاً أن يستنكر ويرفض حق بوتين في الحديث عن الإنسانية، لأن قبول ذلك يعد نوعا من التطبيع مع الجريمة، ولا سيما أن غدر بوتين يطول الممرات الإنسانية ذاتها والتي وضعها بنفسه.

يعتمد بوتين، مثل كل أتباعه ونسخه الإجرامية، على الذريعة، ولكنه يقوم أيضاً باستنساخ الذرائع ذاتها التي كان يدينها لدى الآخرين، وفي هذا السياق يمكن العودة إلى  إدانته لذريعة الأميركيين في احتلال العراق، والتي كررها على مدار سنوات، وتبناها نظام الأسد أيضاً، ولكنه لم يجد بداً من الاختباء خلف ذريعة مماثلة في غزو أوكرانيا، وهنا نستطيع الحديث عن  حزمة ذرائع ابتدأت بخطر الناتو على أمن روسيا، ومن ثم المفاعلات النووية الأوكرانية، فضلاً عن أنه  لم يتردد في ابتكار ذريعة سوريالية حين ادّعى أنه يحارب "النازيين الجدد".

يعتمد بوتين، مثل كل أتباعه ونسخه الإجرامية، على الذريعة، ولكنه يقوم أيضاً باستنساخ الذرائع ذاتها التي كان يدينها لدى الآخرين

تستند الذريعة عادة إلى وجود بعض العناصر الأولية التي تقرّبها من التصديق ثم تضخيمها من قبل المعتدي، غير أن بوتين لا يتوانى عن اختراع ذريعة لا أصلَ لها، إنه في الحقيقة يتجرأ على ابتداع ذريعة مقطوعة الصلة تماماً مع الواقع، مستنداً إلى منطق القوة وحده.

يشعر بوتين اليوم أنه يقود العالم، ولكنه ينسى أن التخاذل، وربما التواطؤ الأميركي هو الذي أوصله إلى هذه المنطقة من القوة، يعي بوتين جيداً ذلك التخاذل، ويعي أكثر ضعف أوروبا، وربما عجزها التام وخصوصاً على المستوى العسكري واعتمادها الكلي على حلف الناتو، والذي أكد عدم نيته الانخراط في حرب مع روسيا، تماماً كما كان يؤكد عدم نيته التدخل في الشأن السوري منذ العام 2011، مما يعطي الضمانة لبوتين كما أعطاها سابقاً للأسد، ولو أن ثمة تهديداً أميركياً جدّياً لما تجرّأ بوتين على خوض أي حرب.

 يشكل وقوف أميركا اليوم مع أوكرانيا ودعمها سياسياً وعسكرياً ومالياً أكبر خطر على مستقبل أوكرانيا لأنه ببساطة يذكرنا بالسيناريو السوري حينما هبّ المجتمع الدولي بزعامة أميركا لمناصرة السوريين واعتمد برنامجاً خاصاً للدعم مشابهاً في كثير من جوانبه للدعم الحالي لأوكرانيا، ثم ما إن تورط الشعب السوري تماماً في مواجهة النظام، حتى انسحبت أميركا من المشهد بعد أن ضمنت غرق السوريين واكتفت ببعض العقوبات الاقتصادية التي لم تؤثر حتى الآن على العصابة الحاكمة في دمشق، وتبدو مقدمات الدعم لأوكرانيا اليوم متشابهة إلى حد كبير مع نتائج الدعم الذي قدّم لسوريا، ولهذا فإن سقف مطالب المجتمع الدولي قد ينخفض إلى المطالبة بتوفير ممرات إنسانية آمنة لا أكثر..

 تؤكد الروايات التاريخية أن جنكيز خان تزوج عدداً لا يحصى من النساء من معظم الجنسيات في العالم وخلّف جيشاً من الأولاد، وأن حفيداً له لا يزال يعيش بيننا من بين كل مئتي شخص، ويبدو أن فلاديمير بوتين هو أحد أولئك الأحفاد بدليل المورثات الهمجية التي لا يمكن أن تنتمي إلاّ لسلالة كسلالة ذلك الجنكيز..

غير أن بوتين جمع العنف من أطرافه، فجينات الإجرام التي يحتوي عليها تركيبه السلطوي تضاهي غرور يوليوس قيصر، وجنون كاليجولا، وحماقة نيرون، وطموحات هتلر ووضاعة إيفان الرهيب الذي لم يتردد في قتل ابنه بضربة من صولجانه لمجرد خلاف بسيط معه..

ربما كان العنوان الأبرز الذي يختصر تعريف شخصية فلاديمير بوتين، أو بوتين خان، هو نزعة النذالة والغدر، فطغاة العالم كانوا لا يترددون في مواجهة خصوم أقوياء، ويخوضون حروباً مع قوى مكافئة لقوتهم، أما بوتين فهو يختار دائماً الخصم الضعيف والسهل بحيث تكون حربه مضمونة النتائج، ومعظم الخصوم الذين شن بوتين حروبه ضدهم لم يكونوا من القوة بحيث يشكلون طرفاً، بوتين باختصار يشن حروباً من طرف واحد، من دون أن يفارقه الإحساس بالبطولة وكأنه أنجز ما لم ينجزه الإسكندر الأكبر.

ربما هي المرة الأولى التي يحارب فيها بوتين دولة تعدّ من الدول القوية، ولكنها لا يمكن أن تكسب حرباً ضد القوة الروسية الضاربة، ولذلك فإن نتائج هذه الحرب محسومة سلفاً، ولا سيما أن أميركا لن تطالب بأكثر من ممرات إنسانية رغم أن عدد اللاجئين الأوكرانيين قد تجاوز مليونين في أقل من أسبوعين على بدء الحرب -بحسب آخر إحصاء لمفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة- وتلك إشارة واضحة إلى أن الوضع في أوكرانيا قد يذهب باتجاه السيناريو السوري، حرب مدمرة طويلة الأمد، تهجير متتابع، تمزيق لجسم جغرافي مهم، وجلسات متتابعة في مجلس الأمن، تصريحات وإدانات، وإصرار أميركي على المطالبة بممرات إنسانية آمنة، وربما تطالب أميركا في فترة لاحقة بمناطق خفض التصعيد، وبهدنات وهمية تصل إلى منطق المصالحات، ومن ثم تثبيت بؤرة توتر دائمة في أوروبا، هذا إن لم يكمل بوتين خان حلمه الجنكيزي المعلن ومغامرته الدموية التي تهدد العالم برمّته.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار