بلا نسب (2)

تاريخ النشر: 03.02.2021 | 00:07 دمشق

طالبت المنظمات الحقوقية والنسوية في سوريا على اختلافها، عبر عقود قبل الثورة السورية أو بعدها بحق منح الأم جنسيتها أو نسبها أيضاً لأبنائها في حالات كثيرة، الأمر الذي اصطدم بوجهة نظر رجال الدين الرافضة للفكرة، ذلك أنهم يعتقدون أن في ذلك مخالفة صارخة للشريعة كون الابن يتبع والده فيما يخص الدين والنسب والجنسية.

هذه المطالبات كإجراء أوّلي تضعنا على أول الطريق لنخطو خطا ثابتة من أجل تحقيق الغاية بإجراءات قانونية وحقوقية، بهدف درء الأذى النفسي الذي من الممكن أن يتعرض له الطفل بداية فيما إذا وُلد في ظروف خاصة، لنتمكن بعدها من الانتقال إلى ما هو أهم وهو علاج الأثر الناتج عن الاغتصاب والتعذيب النفسي على الأم، وتأهيلها نفسياً واجتماعياً لمواجهة المرحلة الأكثر صعوبة وهي الوقوف في وجه المجتمع الرافض لها ولابنها من الأساس.

تلعب التقاليد أيضاً دوراً سلبياً ببقاء معاناة النساء وأطفالهن، فالمجتمع في غالبيته كان وما زال في بعض الحالات يعتقد أن الأنثى المغتصبة مجلباً للعار وتحتاج إلى الوصاية

إن المسألة الاجتماعية التي تبرز في هذه المرحلة من أكثر المسائل تعقيداً، كونها تملك مزيجاً معقداً من الأعراف التي تحكم المجتمع وبعض النصوص الدينية التي تجعل مخالفتها مثار جدال عقيم، تنتهي في غالب الأحوال بفرض سلطة رجال الدين الرافضة لأي تغيير في هذا الشأن.

تلعب التقاليد أيضاً دوراً سلبياً ببقاء معاناة النساء وأطفالهن، فالمجتمع في غالبيته كان وما زال في بعض الحالات يعتقد أن الأنثى المغتصبة مجلباً للعار وتحتاج إلى الوصاية في كثير من الأحوال وقد يضطر الأمر إلى قتلها بحجة العار واستعادة الشرف.

القضية ليست جديدة على المجتمع السوري فربما ذهبت ضحية الاغتصاب من النساء أعدادٌ لا يستهان بها حتى قبل الثورة وقبل أن تمعن الأجهزة الأمنية في إذلال النساء عن طريق اختراق أجسادهم الغضة والتنكيل بها، لكن مثل هذه القصص تبقى في غالب الأمر طيّ الكتمان حبيسة في ذاكرة النساء اللاتي يفتقرن إلى القوة أو إلى الصحة النفسية حتى لمواجهة مثل هذه الانكسارات أو طلب المساعدة من ذوي الاختصاص.

عالجت المادتان 489– 492 من قانون العقوبات السوري حالات الاغتصاب التي قد تقع من شخص بالغ على فتاة أو امرأة، أو من شخص بالغ على فتاة قاصر، بحيث حددت الركنين المادي والمعنوي التي يكتمل الجرم بتوافرهما ما يتيح لنا توجيه التهمة للمعتدي وملاحقته قانونياً وقضائياً.

وشرحت المواد المذكورة أعلاه أنه لا يكون الاغتصاب إلا من ذكر على أنثى، وقد يكون المعتدى عليها بالغاً أو قاصراً، وأحيانا يكون الاعتداء على فتاة تعاني نقصاً جسدياً أو نفسياً، كما في حالة الفتيات اللاتي يعانين من أمراض عضال مثل الاضطراب العقلي أو المرض النفسي، حيث يستغل الغاصب هذه الناحية ويقوم بالاعتداء على الضحية.

إلا أن معالجة القانون لم تأتِ بما هو في صالح الضحية بل إنها قررت تطبيق إجراءات مخزية تمنح الجاني عذراً مخففاً، حيث نصت المادة 508 من قانون العقوبات على أنه: "إذا عُقد زواج صحيح بين المعتدي والمعتدى عليها، يستفيد مرتكب الفعل من العذر المخفف"، أي تخفيض مدة العقوبة، بشرط أن عقد الزواج يتم بإرادة وقبول شرعييَن من الطرفين وفق القواعد والأصول التي نص عليها قانون الأحوال الشخصية، أي أن الضحية أو المعتدى عليها لا تجبر أو تلزم بإجراء الزواج من الشخص الذي قام بالاعتداء عليها، غير أنها دائماً ما ترضخ لإرادة ذويها الذين يجبرونها على عقد الزواج ستراً للفضيحة وخوفاً من العار وخوفاً من المجتمع الذي سيحاكمها طيلة حياتها.

يبرر أهل القانون مسألة هذا الزواج بأنهم عمدوا إلى اتباع إجراءات علاجية "للواقعة المشينة"، لأن عدم زواج المعتدي من الضحية قد يؤدي إلى انزلاق الضحية في متاهات أخرى، إذ تقوم بعض العصابات التي تقوم بالإتجار بالبشر وممارسة الدعارة باستغلالها، أو ربما تسلك الضحية طريقاً غير شرعي وغير أخلاقي.

إن المبررات المدرجة لا تعني بشكل من الأشكال سوى أن القانون الذي يسمح بزواج الضحية من المعتدي، يمنح الجاني بذلك رخصة قانونية لاغتصابها يومياً وبشكل متكرر تحت حماية قانونية

لقد أفرزت الأزمة الاجتماعية الناتجة عن الأوضاع غير الطبيعية التي يعيشها السوريون اليوم مشكلات خطيرة، لا ترمم ولا تصحح ولا تعاد معالجتها إلا بمرور عشرات السنوات وكثير من الإجراءات، فالأرقام كبيرة ومذهلة، بينما كانت هذه الحالات عابرة سابقاً، إلا أن الفوضى التي يمر فيها المجتمع بسبب الظروف المعيشية السيئة وانتشار الجريمة، قد خلقت سلوكيات غير سوية، فانتشرت ظاهرة المتاجرة بالجسد من أجل قوت اليوم.

إن المبررات المدرجة لا تعني بشكل من الأشكال سوى أن القانون الذي يسمح بزواج الضحية من المعتدي، يمنح الجاني بذلك رخصة قانونية لاغتصابها يومياً وبشكل متكرر تحت حماية قانونية.

يختبئ المجتمع في مثل هذه الحالات خلف ظل القانون معتدّين بأنه كفل حق الضحية المعتدى عليها بجميع الوسائل المتاحة من أجل إزالة الألم النفسي أو "الستر عليها"، منطلقين بذلك من الفكرة القائلة بأن فعل الاعتداء قد يغفر في حال "جبر خاطر" الضحية وتزوجها، إلا أن ذلك في واقع الحال لا يمكن اعتباره سوى أنه تستر على تقصير القانون أو مشاركته في جريمة لم يملك القوة لمنعها.

إن القانون والمجتمع اللذين لا يحميان الضحية التي وقع عليها الجرم، بل ويضعانها في كفة واحدة متكافئة مع المعتدي، لا يمكن أن يكونا إلا شركاء في الجرائم التي تُرتكب كل يوم بحق النساء بشكل متكرر، وأي تبرير قد يُتذرع به بسبب الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية يشبه محاولة تغطية الشمس بغربال، ذلك أن القانون يجب أن يكون السلطة العليا في المجتمع حتى لا تتحول الحياة إلى غابة مثلما يحصل الآن.

كلمات مفتاحية