انعطافة قاسية نحو الاعتدال.. تحركات الجولاني للتمسك بالسلطة

تاريخ النشر: 18.02.2021 | 17:14 دمشق

آخر تحديث: 18.02.2021 | 17:16 دمشق

فاينانشال تايمز- ترجمة: ربى خدام الجامع

بعدما ارتبط اسمه في الماضي بالجهود القتالية والسلاح، قام أبو محمد الجولاني بتغيير صورته، حيث تحول من جهادي سوري إلى رجل يرتدي بزة رجل أعمال ذات طراز غربي وذلك في صورة ظهرت له خلال هذا الشهر.

والجولاني هو قائد هيئة تحرير الشام، تلك المجموعة المقاتلة الإسلامية التي تسيطر على إدلب الواقعة شمال غربي البلاد، والتي تعتبر آخر معقل للمعارضة الثورية ضد بشار الأسد في سوريا بعد مرور عقد على الحرب تقريباً.

ويعتبر تغيير هذا الرجل لزيه جزءاً من عملية مقصودة لإعادة تنظيم جماعته بعدما صنفت على أنها مجموعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة وتركيا، وذلك عندما تحولت إلى أقوى مجموعة مقاتلة في سوريا بعد أن حاول تنظيم الدولة الانفراد بالمستقبل السياسي للبلاد.

وبالنسبة لكثيرين، كان الجولاني يمثل واجهة الفرع سيئ الصيت التابع لتنظيم القاعدة والذي يعرف باسم جبهة النصرة التي منذ أن اندمجت في هيئة تحرير الشام فكت ارتباطها بالقاعدة بشكل رسمي. ولهذا تسعى هيئة تحرير الشام لإقناع المجتمع الدولي بأن إدلب ليست كما وصفها أحد المسؤولين الأميركيين ذات مرة: "أكبر ملاذ آمن لتنظيم القاعدة منذ هجمات 11 سبتمبر".

اقرأ أيضاً: هيئة تحرير الشام ما بعد الجولاني.. سيناريوهات مستقبلية

وعن ذلك يقول أحد الدبلوماسيين الأوروبيين في بيروت: "إنهم يدركون بأن فرصتهم الوحيدة للبقاء تتمثل في أن يصبحوا أكثر اعتدالاً وأكثر استساغة وقبولاً بالنسبة لتركيا والمجتمع الدولي".

ويصف المحلل نوار شعبان الذي يعمل لدى مركز أبحاث في إسطنبول يعرف باسم مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، عملية إعادة تنظيم تلك الجماعة بأنها: "حملة علاقات عامة تعكس بأن هذه الجماعة باتت على استعداد أكبر لخوض شكل من أشكال المفاوضات الدولية مع الجميع".

وخلال هذا الشهر حثت مجموعة الأزمات الدولية واشنطن على إيجاد الطرق التي تساعد تلك المجموعة على إثبات نفسها كشريك شرعي، ثم إسقاط صفة الإرهاب عنها في نهاية المطاف، إذ ترى هذه المنظمة بأن تلك الصفة تقوض وقف إطلاق النار بين روسيا التي تدعم الأسد، وتركيا التي تدعم المعارضة، بعدما تم إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بينهما عقب تقدم الأسد نحو إدلب خلال العام المنصرم.

يذكر أن هيئة تحرير الشام سيطرت على إدلب منذ قرابة العامين بعدما "سحقت حرفياً أي معارضة تنافسها" بحسب ما ذكرته المحللة دارين خليفة من مجموعة الأزمات الدولية.

ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الجماعة التي يعتقد أن لديها ما يربو عن 10 آلاف مقاتل القوة الجهادية المهيمنة في سوريا، وأخذت "تسيطر على مزيد من المناطق بحكم الأمر الواقع بعد انسحاب عناصر تنظيم الدولة منها" وذلك بحسب ما يراه أيمن جواد التميمي، وهو باحث عضو لدى برنامج يعنى بدراسة التطرف أطلقته جامعة جورج واشنطن الأميركية.

 

 

هذا ولقد اتخذ الجولاني مساراً ونهجاً يختلف عن مسار تنظيم الدولة، الذي أثارت هجماته في الداخل والخارج التي شنها من مناطقه داخل سوريا والعراق ووحشيتها والإعلان عن دولة الخلافة التابعة لها نقمة عارمة على المستوى العالمي، ودفعت إلى قيام جهود دولية لسحق المتطرفين.

ثم أتت جماعة هيئة تحرير الشام التي بدلاً من أن تشن هجماتها الإرهابية على مستوى العالم، أو تعلن عن قيام إمارة إسلامية خاصة بها، ركزت جهودها العسكرية "بشكل حصري على إسقاط الحكومة السورية" بحسب ما ذكره مسؤول رفيع ضمن هذه الهيئة، يعرف باسم عبد الله الشامي، وذلك خلال العام الماضي. أما الجولاني الذي صنفته الولايات المتحدة هو شخصياً على أنه إرهابي، فقد اختلف مع حليفته السابقة، جماعة تنظيم الدولة، ثم عمد إلى فك ارتباط جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة.

وهكذا أصبحت المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعة "تبدو كأنها مجتمع إسلامي محافظ وبعيد عن الديمقراطية" بحسب رأي دارين خليفة، التي تتابع فتقول: "إلا أن تلك المناطق لا تبدو كأنها خارجة عن القانون وتحكمها ميليشيا"، فخلال زيارة أجرتها السيدة دارين مؤخراً لتلك المنطقة، لاحظت أن الجدران التي كانت تحمل شعارات جهادية قد تم طلاؤها وإخفاء ما كتب عليها.

ثم إن هذه الجماعة لم تفرض قوانين إسلامية صارمة على إدلب، حيث لم تجبر النساء على تغطية وجوههن، كما أنها تبيح للناس التدخين، وسمحت لأحد المستثمرين بإنفاق 300 ألف دولار أميركي على بناء مجمع ترفيهي يحمل اسم العلامة التجارية الأميركية الحصرية: ديزني لاند.

وبخلاف تنظيم الدولة، لا تتدخل جماعة هيئة تحرير الشام بتفاصيل الحياة اليومية، إذ أسندت إدارة المنطقة إلى حكومة مدنية محلية هي حكومة الإنقاذ السورية المؤلفة من عناصر تكنوقراط يقومون بإدارة البنية التحتية المدنية مثل المحاكم، إلى جانب إدارة حملات الصحة العامة. ناهيك عن المنظمات غير الحكومية التي تقدم خدمات مثل المعونات الغذائية، والصحة والتعليم في تلك المنطقة الفقيرة.

ومنذ أن قامت حكومة الإنقاذ بإعادة رسم وهيكلة شكل الحكم في تلك المنطقة خلال العام الماضي بعد استيلاء هيئة تحرير الشام عليها: "قلت نسبة الفوضى والاضطراب إلى أدنى الحدود مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق" وذلك بحسب ما ذكره صاحب معمل ينتج عبوات زيت الزيتون.

ثم إن هيئة تحرير الشام لا تبدي ذلك النفوذ المالي الكبير الذي أبداه تنظيم الدولة الذي سيطر على معظم حقول النفط في المنطقة الشرقية بسوريا بين عامي 2014-2016، غير أن المحللين وأهالي إدلب يرون بأن الهيئة تقوم ببيع العقارات التي استولت عليها، كما تجمع الرسوم التي يتم دفعها عند نقاط التفتيش الحدودية التي تسيطر عليها. وقد ذكر أحد الصيارفة بأن هيئة تحرير الشام فرضت على الشركات التي تقوم بتصريف العملات دفع رسوم إلى جانب مراقبة الهيئة للتحويلات المالية التي تجريها تلك الشركات.

ويتهم كثيرون هيئة تحرير الشام باحتكار أهم المشاريع التجارية، إذ يخبرنا يوسف السيد صاحب ديزني لاند بإدلب عن ذلك الوضع، فيقول: "ثمة مشاريع شاركت فيها الهيئة بكل تأكيد، وتكلف ملايين الدولارات" مثل مشاريع النفط والغاز والكهرباء. ويتابع بالقول: "لا أظن أنه بوسع رجال الأعمال من أهالي المنطقة هنا تنفيذ تلك المشاريع بمفردهم".

بيد أن هذا الرجل أكد لنا بأنه لم يشارك الهيئة، لكنه يرى بأن هذه الجماعة أسيء فهمها، حيث يقول: "لديهم كثير من الأشخاص الأذكياء الذين سافروا وعملوا كأطباء ومهندسين... ولا أحد من الهيئة يحدثك بأمر الجهاد".

ومع ذلك يخبرنا الباحثون والأهالي بأن الهيئة مستبدة ولا تتقبل أي أحد يعارضها، ولهذا عبرت الأمم المتحدة مؤخراً عن قلقها المتزايد حيال حبس واعتقال المدنيين في إدلب، بينهم عاملون في المجال الإنساني، وحول ذلك تخبرنا إحدى العاملات لدى منظمة غير حكومية فتقول: "لا شيء يحدث في المنطقة دون علمهم" وتضيف بأن الهيئة لم تتدخل أبداً في عملها بحكم أنها ناشطة في مجال حقوق المرأة.

وبالرغم من أن هيئة تحرير الشام رسخت سلطتها في إدلب، إلا أن مراقبين يشككون باحتمال قيام القوى الخارجية بالتعامل مع هذه الهيئة وأخذها على محمل الجد في المستقبل القريب.

فقد اتهمت "هتش" بالعديد من انتهاكات حقوق الإنسان، ومع ذلك: "بقي متطرفون إسلاميون معروفون يهيمنون عليها، فضلاً عن اعتناقها للفكر الجهادي"، وذلك بحسب ما أورده دبلوماسي أوروبي من بيروت، الذي تابع فقال: "لا يمكن للغرب أن يدعم هذا النوع من المعارضة السورية".

ويحدثنا دبلوماسي غربي يتمتع بخبرة واسعة في مجال المجموعات المتطرفة فيقول: "يتعين على هتش أن تسيطر على دمشق قبل أن تقوم غالبية الدول الأوروبية بالتعامل معها على أنها شريك مفاوض شرعي... أي ينبغي لتلك الجماعة أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من سوريا، تماماً كما كانت طالبان بالنسبة لأفغانستان".

 المصدر: فاينانشال تايمز