انحسار النفوذ الإيراني في المنطقة العربية قد يبدأ من سوريا

2023.12.31 | 05:57 دمشق

آخر تحديث: 31.12.2023 | 05:57 دمشق

انحسار النفوذ الإيراني في المنطقة العربية قد يبدأ من سوريا
+A
حجم الخط
-A

في أثناء حرب العراق الثانية أطلق أحد السياسيين الأميركيين المعروفين تحذيرا لحكومة بلاده؛ لافتا الانتباه لما جاء في كتاب "صعود وسقوط القوى العظمى" للجيوسياسي الأميركي "بول كينيدي"، فتهافت الأميركيون لشراء الكتاب الذي نفذ من الأسواق خلال فترة وجيزة، وعلى إثر ذلك عمت مشاعر الخوف والحذر في الشارع الأميركي، ومن ذلك الوقت حتى يومنا هذا مازال الحذر والتردد يشوب السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.

إن أهم ما جاء به "كينيدي" هو ما أورده في الصفحات الأخيرة من ذلك الكتاب؛ فالإمبراطوريات ذات المطامع التوسعية تنزلق نحو الهاوية بمجرد أن تعجز عن توفير المصادر الضرورية لمواجهة زيادة النفقات الناجمة عن ذلك التوسع؛ معتبرا أن التوسع الإمبراطوري الزائد كان السبب الرئيس في انهيار الإمبراطورية البريطانية. هذا فيما يخص إمبراطوريات كبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، فما بالك بإيران؟!

على الرغم مما تمتلكه إيران من مقدرات بشرية وجغرافية وموارد طبيعية وفيرة، إلا أن الاستراتيجية التي اختارها النظام الإيراني كانت مرتفعة السقف ولا تتناسب مع موارد الدولة الإيرانية رغم وفرتها، فمنذ اليوم الأول لانتصار الخمينية السياسية تبنى الخميني البعد التطبيقي لمفهوم تصدير "ولاية الفقيه" بصيغته الأممية تحت شعار الدولة الإسلامية العالمية، والتي تمتد رقعتها الجغرافية في المرحلة الأولى من جاكرتا إلى الدار البيضاء، بينما تتضمن المرحلتان الثانية والثالثة أهدافا تفوق ما كان يحلم به "هتلر".

بات الجميع يعلم أن البيئة التي يستقر فيها النفوذ الإيراني هي بيئة مقيتة لا تطاق، بل أصبحت مقولة: حيث حلت إيران حل الخراب مقولة تتناقلها الألسن كحقيقة شديدة الوضوح

بهذا المعنى؛ يعتبر السلوك الذي تبناه النظام الإيراني على مستوى السياسة الخارجية ضربا من الجنون، فالنزعة الإمبراطورية التي وسمت سلوك هذا النظام لا تتناسب مع حجم الموارد الإيرانية ولا مع طبيعة اقتصادها، أو مستوى تقدمها وحدود مصالحها. بمعنى آخر؛ إن حجم الموارد الذي تنفقه إيران في سياساتها الخارجية يفوق حجم العائدات من هذه السياسات. لذلك، من المتوقع أن منحنى الصعود الظاهري سيبدأ بالانحدار.

الأهم من هذا وذاك؛ أن النظام الإيراني لا يمتلك خبرة الدول العظمى في التعامل مع الحلفاء أو الأتباع، بل هو – من خلال خطابه الثوري – أكثر جاذبية مما هو عليه في أثناء التعامل عن قرب، إذ لطالما اشتكى كثيرون ممن تعاملوا مع الإيرانيين من أسلوب تعاملهم الصلف المقيت. أما على مستوى مواطن النفوذ الإيراني فقد بات الجميع يعلم أن البيئة التي يستقر فيها النفوذ الإيراني هي بيئة مقيتة لا تطاق، بل أصبحت مقولة: حيث حلت إيران حل الخراب مقولة تتناقلها الألسن كحقيقة شديدة الوضوح.

يعلم النظام السوري أن التخلص من النفوذ الإيراني في سوريا سوف يزيد من شعبيته لدى مؤيديه، ويعلم أيضا أن هذا السلوك كفيل بفك عزلته

لم يصدر عن النظام السوري ما يشير إلى أنه متضايق من النفوذ الإيراني المتنامي في سوريا، لكنه – دون أدنى شك – ينظر إليه ككابوس مرعب يقض مضجعه، فهو وصل إلى المرحلة التي حذر منها "مكيافيللي" الذي ذكر مثالا يصلح لأن يكون اقتراحا للأمير لكي يتخلص من ورطة الاستعانة بقوات أجنبية أو قوات مرتزقة فيما لو وقع فيها، فتحدث عن قيصر "بورجيا" الذي اعتمد في حملاته العسكرية على قوات معاونة وقوات مرتزقة، لكنه عندما شعر بالخطر بطش بهما واعتمد على جنوده فقط مما زاد شعبيته زيادة مستمرة.

يعلم النظام السوري أن التخلص من النفوذ الإيراني في سوريا سوف يزيد من شعبيته لدى مؤيديه، ويعلم أيضا أن هذا السلوك كفيل بفك عزلته، ويعلم النظام الإيراني كذلك أن النظام السوري يعلم ذلك، وحتى الأمس القريب كانت تلك المشاعر تندرج تحت مسمى "المشاعر الدفينة"؛ أما وقد بدأ النظام السوري باتخاذ بعض الخطوات التي تثير الريبة، فإن معظم التوقعات تذهب إلى أن الصراع على السلطة والنفوذ سوف يحتدم في الأشهر المقبلة، وسوف يخرج للعلن ولن يبقى أسير التخمينات.

نظريا؛ لا يستطيع النظام السوري بالاعتماد على موارد القوة لديه أن يطرد الميليشيات الإيرانية من سوريا، ولكن الخطوات التي بدأ يتخذها والنوايا التي أعلن عنها في الآونة الأخيرة توحي بأن هناك استجابة – بطريقة ما – للمبادرات الإقليمية والدولية، وإذا ما علمنا بأن التخلص من النفوذ الإيراني هو المطلب الرئيس للقوى الإقليمية والدولية، علينا أن نعلم أن بعض الجهات قد اقترحت حلا لهذه المعضلة، أو لنقل إن هناك من تكفل بتوجيه ضربة قاصمة لمراكز القوة الرئيسية للميليشيات الإيرانية، أو أن هناك من تكفل بمساومة إيران حول هذه القضية مثلا.

لا شك أن منحنى الصعود الظاهري للنفوذ الإيراني سيبدأ بالانحدار، فهل تكون البداية من سوريا؟ إن كان الانحدار مؤكدا، فالبداية من سوريا ليست مؤكدة رغم اللغة شبه الحتمية التي اتخذها المقال، فما يدور خلف الكواليس يحتمل أكثر من احتمال، لكن الصدام بين النظامين لا بد أنه قادم، سواء قريبا (بعد نهاية حرب غزة) أم بعد حين.