icon
التغطية الحية

الوفيات بين صفوف المهاجرين: هل هي مأساة أم جريمة؟

2023.08.18 | 09:07 دمشق

السواحل اليونانية
طالبو لجوء قبالة السواحل اليونانية
New Internationalist - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

غرق ما لا يقل عن 500 شخص في البحر المتوسط في حادثة واحدة تعتبر الأحدث من حيث تطبيع الكوارث والتعامل معها على أنها أمر اعتيادي، إذ إنها بالكاد حركت الأجواء في الوسط السياسي الغربي.

بقيت تفاصيل المأساة غامضة طوال أيام، ومن بينها اسم مركب الصيد الذي غرق، إلا أن مقطع فيديو صورته كاميرا مراقبة تابعة لمنظمة فرونتيكس المعنية بضبط الحدود الأوروبية، كشف بأن المركب خضع لحراسة خفر السواحل اليوناني لمدة لا تقل عن ساعتين قبل أن ينقلب ويغرق من كانوا عليه.

أكد خفر السواحل منذ ذلك الحين بأنه راقب المركب من مسافة قريبة، بدون أن يحاول التدخل حتى خلال تعرض المركب لضربات عنيفة بسبب أمواج المتوسط العاتية، غير أن الناجين ذكروا بأن وكالة فرونتيكس حاولت أن تفعل شيئاً، وذلك عندما جرب مركب إنقاذ تابع للوكالة أن يربط نفسه بالقارب الذي غرق ثلاث مرات قبل أن يسحبه ويتسبب بانقلابه وغرقه في نهاية الأمر.

من المحتمل ألا يُعرف العدد الكامل لمن قضوا غرقاً في هذه الحادثة، وذلك لعدم وجود بيان رسمي بحمولة المركب، ولكن جرى إنقاذ نحو 104 أشخاص. وهؤلاء الذين وصفتهم السلطات الأوروبية بأنهم كانوا على متن مركب للمهربين تعود أصولهم لسوريا وباكستان ومصر وفلسطين، وقد حاولوا العبور من ليبيا، وأكد الناجون بأن عملية سحب القارب هي التي تسببت بوقوع الكارثة، وذلك لأن تلك العملية جعلت القارب يسير بسرعة تفوق قدرة هيكله على الملاحة، وهذا ما تسبب بغرق نحو 750 راكباً.

اقرأ أيضا: بعد قرابة العام.. الناجون من "مركب الموت" قبالة طرطوس غرقى في الفروع الأمنية

على الرغم من أن المركب لم يبعد عن البر سوى بضع مئات من الكيلومترات، لم يتوقع أحد ما يمكن أن تحمله مياه البحر المتوسط. وقبل ذلك، طافت أخبار تلك الرحلة الخطرة أرجاء العالم عندما جرفت مياه المتوسط إلى شواطئ اليونان جثة آلان الكردي الذي كان في الثالثة من عمره في عام 2015، إذ منذ أن أوقف الاتحاد الأوروبي العمل بسياسة البحث والإنقاذ في المناطق البحرية المفتوحة، والآلاف يفارقون الحياة وهم يحاولون العبور، وبحسب ما أورده مشروع المهاجرين المفقودين، فإن ما لا يقل عن 27 ألف شخص لقوا حتفهم وهم يعبرون المتوسط منذ عام 2014، بيد أن أعداداً أكبر بكثير لم تسجل البتة.

لطالما أعلنت وكالة فرونتيكس في تصريحاتها بأنها لن تساعد من تعتبرهم "مهربين"، ومضت أبعد من ذلك عندما أخذت تلاحق المراكب التابعة للمنظمات الإنسانية التي تقدم المساعدة الأولية للمراكب التي تتعرض لنكبة ما، ومع ذلك لم يكف الناس عن القدوم إلى أوروبا.

ترى المنظمات الحقوقية بأن مأساة هذا القارب التي وقعت بالقرب من شواطئ اليونان تمثل تطوراً أسود في سياسة الحدود الأوروبية، فمنذ عام 2020، تورطت الدول الأوروبية من أمثال اليونان بعمليات صد مخالفة للقانون مع مراكب مشابهة، وذلك عندما أجبرتها على أن تعود أدراجها بعيداً عن المياه الإقليمية للاتحاد الأوروبي، وحرمت راكبيها من حق التقدم بطلب لجوء. وبحسب رواية الناجين التي دحضتها السلطات اليونانية، فإن خفر السواحل لم يحاول سحب المركب إلى بر الأمان، بل لإخراجه من المياه الإقليمية لليونان.

الأحقية بالتنقل والسفر

تنجم معظم حالات العنف التي تحدث على حدود أوروبا عن أحكام القيمة التي تطلقها دول الاتحاد الأوروبي بالنسبة لأحقية الشخص بالسفر أو طلب اللجوء، والتي تترجم إلى معايير بيروقراطية صرفة. إذ في الوقت الذي يستحق فيه سكان النصف الشمالي للكرة الأرضية أن يسافروا إلى أي مكان إلى أن يثبت العكس، يتوجب على من يسافرون من بقية دول العالم أن يقدموا وثائق تتزايد تعقيداً وذلك ليثبتوا هويتهم ووضعهم المالي ومبررات سفرهم، أي باختصار يمكن القول بأن سكان الدول الفقيرة يحكم عليهم بأنهم لا يستحقون السفر لأي سبب كان، سواء للبحث عن الأمان أو من أجل فرصة للحياة، أو لتحقيق شيء بعيد كل البعد عن المتعة والتسلية.

بالنسبة للطبقة العاملة في دول النصف الجنوبي للكرة الأرضية، فقد اختفت كلياً كل البدائل عن عمليات العبور الخطرة هذه، إذ تصنف جوازات سفر من كانوا على متن المركب الغارق ضمن الأدنى رتبة بحسب المؤشر العالمي لجوازات السفر، ما يعني قلة عدد الدول التي بوسعهم التقديم للحصول على تأشيرة بغية زيارتها أو السفر إليها، مقارنة بأصحاب الجنسيات التي تصنف جوازاتها ضمن مراتب أعلى، فمن بين 97 مرتبة، تحتل سوريا المرتبة السادسة والتسعين، وباكستان المرتبة الثالثة والتسعين، وفلسطين وليبيا المرتبة التاسعة والثمانين، وتأتي مصر بمرتبة أعلى قليلاً ألا وهي السادسة والسبعين والتي تتقاسمها مع غينيا والنيجر.

وفي الوقت ذاته، أضحت عمليات التقديم للحصول على تأشيرة مكلفة للغاية، كما أنها معقدة وتفتقر للشفافية، وتحتاج إلى سلسلة لا تنتهي من الوثائق والأموال والوسطاء، بل  تتطلب في بعض الأحيان شهادة حسن سلوك صادرة عن جهاز الشرطة، ولهذا أصبحت فرص مواطني الدول ذات الجوازات الضعيفة بالحصول على تأشيرة تساوي الصفر، إلا إن كانوا من الأثرياء أو على استعداد للعمل في مهن خطرة مثل الصيد في أعماق البحار.

يتوقع ممن يطلب اللجوء أن يثبت وضعه السيئ عبر عدد من المقاييس الذاتية، وهذه المقاييس أصبحت غامضة ومعقدة وتفتقر إلى الشفافية، إذ ترتفع نسبة عدم الجدارة إن كان الشخص شاباً أعزباً، ولهذا فإن السياسات الرسمية للدول في مختلف بقاع العالم تستثني هذه الفئة من السكان من حق طلب الحماية عبر اللجوء، وهذا ما دفع مزيداً من أفراد هذه الفئة لعبور الحدود بشكل غير قانوني.

وفيات بين صفوف اللاجئين بتمويل من الدول الأوروبية

إن ظروف العالم التي جعلت من الهرب خياراً جذاباً ما هي إلا نتيجة مباشرة للسياسة الخارجية للدول التي تمنع الناس من قطع طرقات الهجرة الخطرة، إذ بالنسبة للفلسطينيين والمصريين، أتت تجربتهم مع الاحتلال بالنسبة للفئة الأولى والحكم العسكري بالنسبة للفئة الثانية نتيجة مباشرة لفرض دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية لسياساتها الخارجية على أراضيهم.

في 19 حزيران الماضي، أي بعد مرور خمسة أيام على المأساة التي وقعت بالقرب من اليونان، سافر جوزيب بوريل، وهو المندوب السامي للاتحاد الأوروبي إلى القاهرة ليعرض على الحكومة المصرية مبلغاً قدره 22 مليون دولار وذلك للمساهمة في معالجة أزمة اللاجئين السودانيين، في الوقت الذي مايزال فيه المعتقلون السياسيون الذين رفضوا النظام العسكري بمصر يرزحون في السجون. وفي اليوم نفسه، أعلنت حكومة إسرائيل التي يصلها أكبر قدر من المساعدات الخارجية الأميركية عن خططها لبناء الآلاف من البيوت الجديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فجاء ذلك كتهديد ضمني بتشريد الفلسطينيين الذين يعيشون في تلك المناطق.

في هذه الأثناء، يفر السوريون من الحرب التي طال أمدها بسبب سياسات فرضتها معظم دول العالم على بلدهم، في حين يعيش الباكستانيون حالة انهيار اقتصادي كان أحد أسبابها عدم قدرة دولتهم على سد الدين العام. ولهذا فإن الهروب سواء طلباً للأمان أو بحثاً عن فرصة يرتبط بشكل وثيق بالمكانة التي تحتلها دولة معينة بالنسبة للسياسة العالمية.

وعلى القدر ذاته من الأهمية، أتت زيادة أعداد الغرقى في البحر المتوسط نتيجة مباشرة للسياسة الرسمية لأوروبا في إدارة حدودها، إذ يرى الباحث موريس ستيرل بأن الاتحاد الأوروبي اتخذ من الوقت سلاحاً ليؤخر عمليات الإنقاذ، وإذا كان خفر السواحل اليوناني قد تورط في عمليات صد مخالفة للقانون، فهو يفعل ذلك في انتهاك صريح للقانون الإنساني وقانون البحار.

بيد أن عمليات الصد تلك تتم سراً، على الرغم من أنها تحولت إلى سمة عامة في سياسة أوروبا المعنية بإدارة حدودها، إذ كشف تحقيق أجرته مجموعة من الوسائل الإعلامية بأن السلطات اليونانية نفذت ما لا يقل عن 145 عملية صد خلال عام 2022 فقط، والتي تصفها عبر نظامها البيروقراطي بأنها عمليات منع من الرحيل. وضمن 22 عملية منها على الأقل، أجبر طالبو اللجوء على النزول من المراكب المطاطية ونقلوا إلى طوافات نجاة يونانية ثم تركوا ليهيموا على وجوههم في البحر.

يخضع خفر السواحل اليوناني اليوم للتحقيق عقب هذه التقارير، بيد أنه مايزال يحصل على تمويل من عدد من الدول الأوروبية، لذا إن صحت رواية الناجين حول ما حدث في المياه الدولية، فإن عملية انقلاب القارب على خطورتها كانت بالنسبة لهم تصعيداً متوقعاً. وهكذا، عندما تغلق التحقيقات الجارية، فإن عملية سحب القارب كما تشير الأدلة كانت السبب المباشر وراء غرقه، ما يعني بأن كل من غرقوا قتلوا بسبب سياسات الحدود الأوروبية.

ولكن، هل ستدفعنا هذه الكارثة الأخيرة إلى إجراء مراجعة لسياسات الحدود الأوروبية وفي كل بقاع العالم بما أننا بتنا بحاجة ماسة لذلك؟ لا أحد يرجح ذلك، لأنه بعد مرور أسبوع على ظهور قصة انقلاب المركب سرعان ما طغت عليها أخبار أخرى حول اختفاء خمسة رجال من أصحاب الثراء الفاحش (وبعضهم من أصحاب المليارات)، في غواصة عندما كانوا متوجهين لزيارة حطام سفينة تايتنيك الشهيرة. وبعد أيام من ظهور ذلك الخبر، عرض الاتحاد الأوروبي على حكومة تونس ورئيسها المستبد مبلغ 1.1 مليار يورو ليقوم بمنع الهجرة من بلاده. وأخيراً، وحتى نكشف كل المستور، لا بد من القول: وحده الغني من يستطيع أن يهاجر بأمان، ووحده الثري من يستحق الإنقاذ عندما لا تسير الأمور على ما يرام.

إن الانتقال والتحرك، خاصة من أجل البحث عن فرصة، لم يكن بحياته مفتوحاً أمام الجميع، إلا أن المقارنة المتعبة بين هذين النقضين تظهر وبكل وضوح ندرة الفرص المتاحة لسكان النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ولهذا يجب أن تتحول هذه المأساة إلى لحظة مواجهة مع هذا الواقع الجديد الذي خلقته سياسات الحدود في الدول الغربية، وذلك لأن هذه الدول التي تفرض ضرائب عالية هي من يمول تلك السياسات المريعة التي لا تخفى وحشيتها وقسوتها على أحد، اللهم إلا من اختار أن يخدع نفسه بنفسه عبر التساؤل: "لمَ لم يأت هؤلاء بطريقة قانونية؟!"

إن هذه الفجوة بين الحقيقة والوهم هي ما يساعد الحكومات على سن سياسات خاصة بالحدود تجعل من عملية قتل الناس الضعفاء والتعساء من صلب أعمال الدولة ومهامها، إلا أن ذلك يتم بشكل بطيء، لكنه مضمون ومؤكد.

المصدر: New Internationalist