الوصمة السورية..

الوصمة السورية..

الصورة
طفلان في حي مدمر بمدينة دوما (رويترز)
12 أيلول 2019

عثرت فرق الإنقاذ والإطفاء في البرازيل أثناء محاولاتها إخماد الحريق العملاق الذي ضرب غابات الأمازون على شاب ليبي، تقطعت به السبل هناك، فُسرِقت أوراقه وأمواله، بعد أن تركته فتاة برازيلية أحبها ولحقها إلى بلادها، ولكنه وجد نفسه ضائعاً بإرادته في الأدغال، فعاش هناك وحيداً لمدة سبع سنوات، شرب خلالها من المياه الآسنة، وأكل من لحم الحيوانات التي اضطر إلى اصطيادها لكي يستمر في الحياة!

وقبل هذه الحادثة بسنوات، قالت الشرطة التركية إنها عثرت في أحد الأرياف النائية على رجل هرب في عام 1980 من الأمن التركي الذي كان يعتقل معارضي الانقلاب الذي قاده الجنرال كنعان إفرين، ولشدة خوفه من أن يقع في يد العسكر، تجنب أن يراه أي أحد من البشر، وعاش ما يقرب من 35 سنة وحيداً، وهو يظن أن البلاد مازالت محكومة بحديد ونار الانقلابيين، حتى وجده أحد ما، وأعاده إلى الحياة الطبيعية التي تبدلت وتغيرت ملامحها، فلم تعد مخيفة ومرعبة!

ظن كثير من السوريين بأنهم إن انعزلوا عن لحظة الثورة في منتصف آذار 2011 سينجون من آثارها، ولكنهم اصطدموا بواقع أن الغابات التي حشروا  أنفسهم فيها مجازياً، وكذلك السهول والوديان، اشتعلت كلها

قصصٌ من هذا النوع، غالباً ما تنشرها الصحافة في باب الحوادث والطرائف والمنوعات الغريبة، لكنها نادراً ما تعالجها كقصص واقعية ذات وقائع تحتاج لتفسير ومعالجة! فرغم تعدد الأسباب التي تؤدي بالناس لأن يختاروا الابتعاد عن الحياة اليومية التي تجمعهم بأمثالهم، إلا أن الثابت في الأمر هو أن الكائن البشري يصبح ولسبب ما مصاباً برهاب الآخرين، أو الخوف منهم، فيقرر العيش في الغابة مع سكانها من حيوانات وطيور، بدلاً من أن يعيش مع أشباهه من البشر! وطبقاً للثوابت في هذه الحكايات فإن العزلة تشكل في مفصل ما من هذه السردية بوابة النجاة من الخطر، ولكن هذا الأخير المتوهم يعلكه الزمن ويغير تفاصيله حد التلاشي في غياب عن المُنعزلِ الغارق في معتزله، فتنشأ هنا الفجوة بين ماضي الشخصية وحاضرها، إزاء وجودها في محيطها الطبيعي أو ما نسميه حياة البشر، وتتحول الشخصية من غائبة مختفية إلى حاضرة ولكن بتاريخ مغيب ومفقود، وربما يرى كثيرون في هؤلاء المختفين الذين يعودون إلى الحضور ناجين من يومياتنا التي نعيشها، لم يتلوثوا بما ارتكبناه، أو اقترفناه مضطرين في سياق حياتنا الطبيعية!

ظن كثير من السوريين بأنهم إن انعزلوا عن لحظة الثورة في منتصف آذار 2011 سينجون من آثارها، ولكنهم اصطدموا بواقع أن الغابات التي حشروا  أنفسهم فيها مجازياً، وكذلك السهول والوديان، اشتعلت كلها، فشعار "الأسد أو نحرق البلد" حرق سوريا فعلاً ودمرها، وفي الطريق إلى هذه العتبة أشعلَ النيران في علاقاتنا الشخصية بين بعضنا، واستنزف كل طاقات السوريين لكي يحافظوا على سبل للتواصل بينهم، فانتهوا في المحصلة إلى حال يقول: إنهم لم يعودوا شعباً واحداً، بل باتوا شعبين؛ هما قوم من القتلة والمجرمين السفاحين العابرين للأديان والطوائف والقوميات، وقوم من الضحايا المنتهكين جسدياً وروحياً!

وحين تحولت الثورة من عتبتها السلمية إلى الأخرى المسلحة، قررت فئات أخرى من السوريين أن تذهب إلى عزلتها بعيداً عن آثام التسلح، ومقارعة تغول عنف النظام وجيشه وأجهزته الأمنية ضد السوريين الثائرين بعنف مضاد، وكانت حجة المنعزلين بإرادتهم أن عنفاً يقابل العنف، سيضع الفعل ورد الفعل في فردة ميزان تجمعهما، وبالتالي سيصبح القاتل والضحية في منزلة واحدة!!  وفي سياق البحث عن أسباب العزلة يمكن لحجة هؤلاء أن تكون صحيحة ومفحمة، طالما أنها استندت لقراءة دقيقة لسيرورة تشكل إجرام النظام تاريخياً، والفخاخ التي كان ومازال ينصبها لمعارضيه، ولكن هل يجب أن يتم تشريع العزلة، والانكفاء بسبب ماجرى؟

أعرفُ وعلى المستوى الشخصي عشرات من السوريين الفاعلين في مجالاتهم، قرروا في لحظة ما من لحظات التحولات السورية القسرية طيلة السنوات الماضية، أن ينعزلوا بعيداً، وأن يلبسوا قفازات مطاطية سميكة،  كتلك التي يرتديها الأطباء والممرضين وكذلك المحققين الجنائيين وهم يفحصون مواقع الجرائم، لكي لا تتلوث أياديهم بجراثيم الواقع وميكروباته! نعم.. إن عزلة هؤلاء مبنية على أن الواقع ممرضٌ وموبوء، والعزلة نظيفة وصحية! ولكن للأسف خاب ظنهم مع مضي الوقت، حيث لم يعد الواقع السوري محصوراً بجريمة واحدة، بل بات مدمراً تحت ضربات تسونامي إجرامي، اشترك في صناعة زلازله كل دول الإقليم وأزلامها المحليين، والقوى الدولية الفاعلة وعملائها في صفوف النظام وكذلك في صفوف المعارضات المتعددة، فصارت سوريا بلداً محتلاً، وبات السوريون شعوباً متفرقة، في رفوف النزوح واللجوء إن سلموا، وفئاتٍ مقتولة في المعتقلات ومختفية ومغيبة، وموتى بأجساد متشظية إثر قصفٍ هنا أو معركة هناك!!

وبعد كل هذا ما نفع العزلة الطوعية؟ وما جدواها في الأرض الخراب؟!

ماذا لو أن لقاءً جمع بين ناشط سياسيٍ أو عسكريٍ وبين سوري اعتزل الواقع في غابته المختارة! هل سيجد المنعزل نقطة تمنحه الأفضلية على الآخر؟!

ماذا لو أن لقاءً جمع بين ناشط سياسيٍ أو عسكريٍ وبين سوري اعتزل الواقع في غابته المختارة! هل سيجد المنعزل نقطة تمنحه الأفضلية على الآخر؟! وما نفع الأفضلية هنا؟ وما فائدتها؟ طالما أن الأرضية التي يقوم عليها المشهد الآن هي أن السوريين كلهم باتوا موصومين بانتمائهم لذات البقعة الجغرافية المحترقة؟!

بالتأكيد هناك ما يفرق على جميع المستويات ولاسيما منها الجنائي، بين الأبرياء الذين لم تتلوث أياديهم بالدماء وبين المجرمين والسفاحين والقتلة، ولكن هذا التفريق سيأتي في المحصلة وبعد أن تنتهي المأساة، ولكن في سياق تشكلها وآليات حدوثها وتتالي تفاصيلها هل يفرّق واقع سوريا الحالي بين سوريٍ وآخر؟

الوصمة السورية، تجعلنا كلنا متهمين ومدانين، مجرمين وضحايا في الآن نفسه، حتى وإن حاولنا العزلة في رأس الجبل، وهي تأخذنا أيضاً لمراجعة كل ما فعلناه في السنوات الماضية، أي في زمن المجزرة.

فهل نفعت العزلة أصحابها؟ ألم تساهم عزلتهم ونكوص أفعالهم في ازدياد وقائع الموت اليومي؟ ألم يكن إعلان الموقف الواضح في رفض القتل والإجرام أفضل وأمضى وأشد فعالية من الصمت الاختياري؟!

كلنا مصابون الآن بوصمتنا، فإما أن نكونها ونحاول أن نساهم في النجاة، وإما أن نفقد أيادينا وأرجلنا وكل أعضائنا في طريق الهروب، ونغدوا مجرد ضحايا بالمصادفة، سقطوا على هامش المقتلة!

 

شارك برأيك