النظام العربي أمام أسئلة الحرب الأوكرانية

تاريخ النشر: 12.04.2022 | 08:11 دمشق

في الوقت الذي تنهمك فيه معظم دول العالم لمواجهة تداعيات الحدث الأوكراني، وما سوف تفضي إليه الحرب الأخطر في القرن الواحد والعشرين، يبدو النظام العربي بائساً بمجمله، وضعيفاً، ويتخبط أمام أسئلة اللحظة التي تتطلب خيارات استراتيجية سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري، وبالتالي السياسي الذي هو انعكاس كل هذا.

الاستراتيجية العامة للنظام العربي حتى الآن تبدو بلا تغيير حقيقي، وتكاد تنحصر  في تعزيز التبعية لطرف ما، أو استبدالها، أو خلق تبعية جديدة، وما تتباين فيه الأنظمة العربية عن بعضها بعضا، ينحصر في مجال واحد هو مدى هذه التبعية وشروطها، بدءاً من النظام السوري الذي أعلن عن تبعية كاملة غير منقوصة، تلغي الحد الأدنى المتبقي من سيادة الدولة السورية، ومروراً بالبحث عن تبعية جديدة في محاور قد تتشكل في المنطقة، وتدخل فيها إسرائيل كطرف أساسي عند البعض، وانتهاءً بمحاولات البعض الآخر اللعب في الهامش الذي تتيحه اللحظة التاريخية، وقد تسمح له بنقل تبعيته من الغرب إلى الشرق.

كانت كل خططه الآنية والاستراتيجية تتمحور حول هدف وحيد هو السلطة، السلطة التي لم تر للحظة واحدة أن مسؤولياتها الأساسية إنما تكمن في بناء مجتمعاتها، وتنميتها، وحمايتها

من نافل القول إن النظام العربي بمجمله يحصد اليوم ما زرعه سابقاً، فهذا النظام الذي لم يفكّر يوماً بانتهاج سياسات استراتيجية، تمكّنه من بناء مقومات حقيقية تحمي مجتمعاته، وتمكّنه من الذهاب إلى خيارات تعزز من حضوره وفعاليته في لوحة الصراعات الدولية، ومن الدفاع عن مصالح شعوبه الاستراتيجية عند مواجهة حدث بمثل أهمية الحدث الأوكراني، كانت كل خططه الآنية والاستراتيجية تتمحور حول هدف وحيد هو السلطة، السلطة التي لم تر للحظة واحدة أن مسؤولياتها الأساسية إنما تكمن في بناء مجتمعاتها، وتنميتها، وحمايتها.

اليوم ينكشف النظام العربي عارياً، أمام التحديات التي تواجهه، وتنكشف نتائج خياراته العسكرية، والاقتصادية والسياسية، والتي أدت بمجملها إلى انهيار شامل طال كل بنيانه، فالدول العربية بمعظمها مهددة بانهيار اقتصادي يصل في العديد منها إلى حد المجاعة، وهي عاجزة عسكرياً رغم كل ما دفعته من مبالغ هائلة لزيادة تسلّحها، وتقوية ترسانتها عن حماية حدودها ومجتمعاتها، وفي معظم هذه الدول يقف المواطن العربي عاجزاً عن تأمين الحد الأدنى من مستلزمات حياته.

قد يبدو متطرفاً القول إن كل تفاصيل هذه اللوحة القاتمة، ما كانت لتكون لولا غياب الشرط الأساسي لاستقرار الدولة الحديثة، ونهوضها وتطورها، وهو شرط الديمقراطية، وشرط وجود المؤسسات الحقيقية للدولة، بمرجعيتها القانونية والدستورية، غياب هذا الشرط، قاد إلى كل هذه التعثرات القاتلة أمام امتلاك القوة اللازمة لمواجهة الظروف الاستثنائية.

الصادم في تعاطي النظام العربي مع متطلبات الاستحقاق الذي فرضته الحرب الأوكرانية على النظام العالمي، هو إصراره على انتهاج نفس المنهج السابق، وانتهاج السياسات ذاتها، وبذات الأدوات، رغم اتضاح أن هذه السياسات والأدوات أوصلته إلى لحظته الراهنة بكل عريها وعجزها وضعفها، وكأنّما ما من بديل آخر، أو كأنّما هناك رفض قاطع لاختيار هذا البديل في حال توفره، والأدهى من ذلك هو حنين بعض هذا النظام إلى مرحلة الحرب الباردة، حينما كان بإمكانه أن يغازل أحد القطبين، ويبتزّ القطب الآخر بالنوم في مخدع خصمه، باختصار يمكن القول إن النظام العربي لم تدفعه كل انتكاساته وهزائمه إلى أن يفكر يوماً بمشروعه الخاص، وما يزال يرى أن أعظم ما يمكن إنجازه هو استبدال تبعيته لهذا الطرف أو ذاك.

كيف يخطط النظام العربي لمواجهة المشروع الإيراني الطامح لابتلاع المشرق العربي بكامله؟ أو لمواجهة المشروع الإسرائيلي الذي يريد لعب دور المايسترو الاقتصادي في المنطقة كلها، أو لمواجهة المشروع التركي الذي يفرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاوزه أبداً إقليمياً ودولياً، بعد النمو الكبير الذي شهدته تركيا اقتصادياً وعسكرياً؟

الجواب بمنتهى البساطة: لا شيء، فيما إذا اعتمدنا خروج هذا النظام من معادلة التبعية كمعيار للجواب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النظام العالمي القائم لا يتيح للدول الضعيفة فك تبعية ناجزا ومكتملا، لكن الحاضر يقدم لنا أمثلة متعددة عن دول كانت ضعيفة، واستطاعت أن تضع قدمها بقوة في ملعب صراعات النفوذ.

كيف يمكن للنظام العربي أن يتجاوز علله المزمنة عندما يفكر مثلاً بتعويم أحد أقبح وجوهه؟ وأقصد النظام السوري، مع ما يعنيه هذا من استكمال تدمير سوريا، ومن زج شعبها لزمن طويل في شلل تام، يمنع قيامها من محنتها، ويمنع من تأسيس مشروع وطني سوري يؤسّس لسوريا الدولة القادرة.

وبغض النظر عن حال الشعب السوري الراهن وكارثته، والتي لا تهم الساسة العرب، فإن ما يدعو للاستغراب هو أن محاولة بعضهم تعويم النظام السوري محكومة بشروط شديدة التناقض، ولا يمكن حلها وفق الآليات المطروحة، فالثمن الذي تطلبه الأطراف الساعية للتعويم من النظام السوري، والمتعلق بتحجيم الوجود الإيراني في سوريا، لا يمكن للنظام السوري دفعه، وهو عاجز عن فك ارتباطه مع إيران التي تغلغلت عميقاً في مفاصل الدولة السورية، وفي مؤسستها العسكرية والأمنية، وتغلغلت في بنية النسيج المجتمعي السوري.

إن أي مقاربة للحل السوري من بوابة بقاء عائلة الأسد في موقع السلطة، لن تكون إلا مقاربة عقيمة قد تبدو في لحظاتها الأولى قابلة للحياة، لكنها سرعان ما سوف تتكشف عن استحالة ذلك، فإيران التي عزّزت من وجودها في عدة بلدان رغم حصارها الاقتصادي تتهيأ لتوقيع اتفاقها النووي، وبالتالي سوف تكون أكثر قدرة على الإمساك بالمناطق التي تراها مهمة لمصالحها ونفوذها، أضف إلى ذلك أن الموقف الذي تبنته الحكومة السورية من الصراع الدائر في أوكرانيا، سيزيد من تعقيدات مقاربة الحل هذه.

إن أهمَّ وأثمن ما يمكن أن تفعله الأنظمة العربية الآن، إنما يكمن في وعي ضرورة إعادة بناء العلاقة بين النظام العربي وبين شعوبه على أسس الديمقراطية الحقيقية

إذا استمر النظام العربي باستراتيجيته السابقة، استراتيجيته القديمة المتمحورة حول التمسك بالسلطة، مهما تطلب ذلك من قمع للشعوب، فإن الخيارات التي تصبح متاحة أمامه لن تكون إلا بانتقاء تبعية هذا النظام لهذا الطرف أو ذاك، مع ما يترتب على ذلك من دخول في صراعات نفوذ الآخرين، وفي تسخير إمكانات هذه الشعوب في خدمة وصراعات الآخرين، وفي زجّ المنطقة بكاملها في لعبة اصطفافات ومحاور شديدة، سوف تؤدي إلى انهيار النظام العربي برمّته، لكن بعد أن تكون كل ممكنات نهوض هذه الشعوب قد استنزفت.

إن أهمَّ وأثمن ما يمكن أن تفعله الأنظمة العربية الآن، إنما يكمن في وعي ضرورة إعادة بناء العلاقة بين النظام العربي وبين شعوبه على أسس الديمقراطية الحقيقية.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار