النظام السوري وسياسة قتل البديل

تاريخ النشر: 02.02.2022 | 05:09 دمشق

الطريقة المثلى للتفوق على منافسيك، هي التخلص منهم، تصفيتهم جسدياً ثم إلقاء التهمة على خصم آخر والجلوس في مقدمة المعزين للمشاركة في البكاء على الضحية..

وإذا ما حدث واستطاعت جهة اتهامك وقدمت بعض الأدلة، فما عليك إلا الإنكار ثم الإنكار، وقتل جهة الادعاء والشهود أيضاً، ذلك واحد من أهم مبادئ آل الأسد في علاقتهم بالسلطة، والتي هي علاقة إجرامية بحتة وليست سياسية بأي حال من الأحوال..

أما قتل البديل، فهو جوهر فكرة الأبد، لا يقبل الأسد بالتنحي أو الاستقالة أو بفترة حكم محددة، فشعار "إلى الأبد" أهم من شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، وأكثر قداسة من شعارات الصمود والتصدي، باختصار فإن أبدية الحكم والسلطة هي الشعار الوحيد الذي يأخذه الأسد على محمل الجد.

يكمن ذلك الرعب تحديداً عند الأقليات السورية التي لم تتردد في الوقوف مع الثورة فكان لا بد للنظام من أن يواجهها ببعبع البديل

بعد أول مظاهرة شهدتها سوريا في العام ٢٠١١ بدأ النظام حربه ضد الشعب السوري على ثلاثة مستويات، تمثل الأول في استخدام الرصاص الحي وتدرج إلى الصواريخ والبراميل فالكيماوي، والثاني تمثل في الاعتقالات والتي تطورت إلى القتل تحت التعذيب، والثالث -وربما كان الأخطر- هو الحرب الدعائية المتعلقة بـ "البديل"، والتي استطاعت -رغم سذاجة أفكارها وهشاشة أدواتها- أن تؤثر في نسبة لا بأس بها من السوريين الذين كان لديهم قلق ورعب من المجهول القادم، وقد تسلل النظام إلى رعب أولئك الموهومين بمستقبل مبهم، واستطاع أن يؤكد حالة القلق تلك ويفصل ثوب الرعب على مقاس أولئك المرعوبين ليكونوا في مواجهة تهديد وضعه القاتل نفسه ونسبه لبديله، ويكمن ذلك الرعب تحديداً عند الأقليات السورية التي لم تتردد في الوقوف مع الثورة فكان لا بد للنظام من أن يواجهها ببعبع البديل.

منذ بداية الاحتجاجات بدأ النظام في نشر كثير من المفردات والمصطلحات التي شكلت القاموس الرسمي للغته ورأس الحربة الإعلامية والدعائية التي حاول من خلالها قلب الصورة وتشويهها في معركة بقائه الدموية، ومن أهمها كلمات مثل: المؤامرة، المندسون، المخربون، العصابات المسلحة، وقد تدرجت هذه المفردات حتى وصلت إلى مصطلح "محاربة الإرهاب"، والذي اعتمده النظام على مدار السنوات الأخيرة كعصا غليظة يتكئ عليها ويهش بها على من يعتبرهم أغنامه، ويرددها كجملة مفتاحية وختامية في كل مناوراته ومداوراته ومباحثاته ومؤتمراته، وبشكل خاص عندما يوجه خطابه للغرب.

إلاّ أن لعبة البديل بقيت تهيمن على المشهد، وقد أدارها النظام على مستويين: أولهما: صناعة نموذج البديل المرفوض شعبياً واجتماعياً وسياسياً ودولياً، وثانيهما: قتل البديل المقبول والذي يمكن أن يتم التوافق عليه من قبل كل فئات الشعب، ومن المجتمع الدولي أيضاً.

صدّر النظام لأتباعه وللأقليات المرعوبة البديل الإسلامي المتطرف في حال سقوطه، بدأ بصناعة هذا البديل إعلامياً -رغم غيابه التام عن الواقع في بدايات الثورة- ومن ثم عسكرياً بعد أن تمكن من تشكيل الفصائل الإسلامية المتطرفة والتي كان يقودها من الباطن ضباط من المخابرات، وكان كلما اشتد الضغط عليه يوسع قاعدة المتطرفين، وصولاً إلى داعش، ذلك التنظيم الذي لا يستطيع أحد إنكار اليد الأمنية السورية والإيرانية في صناعته وتغذيته وتقويته.

غير أن الأخطر في تعامل النظام مع فكرة البديل لم يكن في النموذج المصنوع، بل في النموذج المقتول، فإذا كان الأول يمثل التهديد البعيد لأتباع النظام والمتورطين معه، وكذلك للأقليات المستهدفة أولاً وأخيراً بهذا التهديد، فإن الثاني يمثل تهديداً حقيقياً لبنية النظام بالكامل وبشكل خاص لرأس النظام.

لقد نجح النظام من خلال النموذج المصنوع بإعادة استقطاب معظم الأقليات لصالحه من خلال جرائم ارتكبها بنفسه ونسبها للبديل، وما الشعار الشهير الذي اخترق إحدى المظاهرات عبر أحد المدسوسين (العلوي ع التابوت والمسيحي ع بيروت) إلاّ تجسيداً فعلياً لمفهوم البديل، في مواجهة خطاب الشارع الوطني والذي كان يشدد على شعار "الشعب السوري واحد".

وضع النظام السوريين جميعاً أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أنا أو حرق سوريا، ثم خصص الأقليات بخطاب رديف حينما تركهم أمام خيارين مشابهين: إما هو أو المتطرفون المعادون لكل الأديان والطوائف الأخرى التي لا تقف معهم، المتطرفون الذين سيبيدون الأقليات فيما لو رحل الأسد..

اشتغل النظام طويلاً على صناعة التنظيمات المتطرفة وخصص كل قواه الإعلامية والدعائية لترسيخ فكرة البديل المتطرف وأن استمراره هو الضمانة الوحيدة لإبعاد ذلك الكابوس المخيف، ولكن أخطر ما فعله النظام والأكثر أذى كان قيامه بتصفية الشخصيات الوطنية، أو التي كان يشتبه بأن ولاءها للوطن وليس للرئيس، ولم يميز بين الشخصيات المدنية أو العسكرية أو السياسية.

في هذا الإطار تلوح حادثة تصفية "خلية الأزمة" كشاهد أكثر حضوراً من أي دليل آخر، ثمة رواية كانت تتحدث عن أن أعضاء تلك الخلية اجتمعوا لإيجاد حل آخر غير الحل الأمني الذي اعتمده بشار الأسد، وكانوا يخططون لإيقاف حرب الأسد على الشعب حتى لو من خلال مواجهته.

كانت تلك الخلية تتألف -كما هو معروف للجميع- من كبار معاوني الأسد وضباطه ورجال مخابراته، ومع ذلك لم يتردد الأسد في تصفيتهم جميعاً، وبصرف النظر عن تمثيلية العملية الإرهابية التي أطاحت بهم، وبصرف النظر عن حقيقة إن كانوا فعلاً قد خططوا للخروج عن تصور الأسد للحل أم لا، فإن تهمة الخيانة لم تكن لتكون السبب الوحيد والعميق للتصفية، بل على العكس تماماً حيث قام الأسد بتصفيتهم واعتبارهم أبطالاً وشهداء للوطن، وألصق التهمة بخصومه على غرار ما بدأنا به المقالة من تعريف لفلسفة البقاء عند آل الأسد.

أثبتت الأحداث المتلاحقة أن تلك الحادثة تنتمي إلى سياسة قتل البديل، فكل واحد من أعضاء تلك الخلية كان يمكن أن يكون ذلك البديل المحتمل، تمت التصفية دون تردد، ولا يزال لغز الإشاعة التي سادت حينئذ عن تسمم خلية الأزمة قبل شهر من اغتيالها ماثلاً في الذاكرة، وربما كان المدخل الوحيد لفك شيفرة ذلك اللغز، هو عملية التصفية ذاتها التي حدثت لنفس الأشخاص الذين شملتهم شائعة حادثة التسمم، ما يعني بوضوح أن من كان يقف خلف تلك العملية هو الأسد نفسه لا معارضوه.

كان أعضاء خلية الأزمة بدلاء محتملين من قلب المنظومة ذاتها ولم يكن بالإمكان اتهامهم بالإرهاب أو التطرف، وكانوا مقبولين من الداخل والخارج معاً، ولذلك فقد كان التخلص منهم أولى أولويات الأسد حتى وإن لم يشك في ضلوعهم بإيجاد حل.

وإذا كانت تصفية خلية الأزمة تنتمي للتخلص الجماعي من البديل، فإن التصفيات الفردية لم تتوقف أيضاً، فالكثير من حالات الانتحار التي حدثت لشخصيات أمنية كبيرة كانت تندرج في إطار قتل البديل أيضاً، وثمة الكثير من الأساليب في التعامل مع البديل كالقتل المبهم (التغييب التام)، كما حصل مع شخصية سياسية وطنية أهم من الأسد وكل من حوله مجتمعين وهو عبد العزيز الخير الذي كان الأسد يعده أخطر بلا ما لا يقاس من الجولاني والبغدادي وأمثالهما رغم خطابه الوطني المعتدل والرافض للتسلح، والداعي إلى السلمية، والذي قتله النظام إما كتصفية جسدية مباشرة أو من خلال القتل المعنوي إن كان لا يزال سجيناً دون أن يسرب أي معلومة عن مصيره.

القتل المعنوي شمل أيضاً كل البدائل المحتملة التي هجرها النظام من مثل رياض حجاب، ميشيل كيلو، رياض سيف، عارف دليلة، والكثير من الشخصيات الأخرى التي يمكن أن يعول عليها كحامل لفترة انتقالية على الأقل.

ولدى النظام في هذا السياق ما يمكن تسميته بالقتل الرحيم للبديل، وهو مخصص لكل بديل يشعر النظام أنه تحت السيطرة، مثل حبيب عيسى، رئيس الأركان السابق والذي اعترض على دخول الجيش إلى المدن، فأرسله الأسد إلى الإقامة الجبرية، وكذلك فاروق الشرع وهو المثال الأنصع على القتل الرحيم، حيث نفاه النظام في مكان إقامته، ولا يزال منفياً حتى الآن.

سياسة قتل البديل متوارثة من حافظ الأسد الذي لاحق رفاقه بعد استلامه السلطة

لدى النظام أسلوب آخر لقتل البديل وهو القتل بالتشويه، فكل شخصية رفيعة ومقبولة تخرج عن سلطة الأسد، أو يشتبه في أنها قد تخرج، يتم إعداد ملفات أخلاقية لها لتشويه صورتها عبر الآلة الإعلامية الضخمة والتي توسعت في أثناء الثورة لتكون مدعومة من إيران وروسيا وبعض البلدان العربية أيضاً.

لا يغيب عنا بالطبع أن سياسة قتل البديل متوارثة من حافظ الأسد الذي لاحق رفاقه بعد تسلّمه السلطة، فقتل -على سبيل المثال لا الحصر- محمد عمران في لبنان، وغيّب صلاح جديد ربع قرن في المعتقل حتى وفاته، والقائمة تطول..

وفي الوقت الذي يمكن فيه لأي سوري حتى لو كان عاملاً بسيطاً أن يكون بديلاً أفضل من بشار الأسد، لا يزال الأسد يعد قوائم جديدة بالبدائل المحتملة، ويجهز عدته لاغتيالهم.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار