الموقف من العلماء والدعاة الذين بقوا في مناطق سيطرة النظام

2021.12.12 | 05:01 دمشق

bshar-alasd-ahmd-hswn.jpg
+A
حجم الخط
-A

بعدَ أكثر من عشر سنواتٍ من المأساة السوريّة التي ذاق الشّعب السّوريّ فيها ما لم يذقه غيره من شعوب الأرض قتلًا وتشريدًا وتهجيرا وتدميرا واعتقالا ما يزال التّعاطي في المواقف من عموم الشرائح المجتمعيّة التي بقيت في المناطق الخاضعة لسيطرة النّظام يشوبه كثير من الانفعال والضّبابيّة، ومن ذلك الموقف من شريحة العلماء الدّعاة الذين بقوا في تلكم المناطق.

  • أقسام العلماء والدّعاة عقب انطلاق الثّورة السّوريّة

 نلحظُ أنّ شخصيّات العلماء والدّعاة السوريين عقب انطلاق الثّورة السّوريّة انقسموا إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: أعلن معارضته للنّظام من الأيّام الأولى للثّورة وتحمّل مسؤوليّة ذلك فذاق التّهجير وغادر سوريا ليقيم في المنافي المجاورة في تركيا أو لبنان أو الأردن، أو ليستقرّ في مناطق سيطرة المعارضة فانتقل في الباصات الخضراء ليقيم في إدلب وريفها أو في مناطق السيطرة التركيّة في درع الفرات وغصن الزّيتون.

القسم الثّاني: تمّ اغتياله في محل إقامته أو قتله تحت التعذيب أو تغييبه في المعتقلات والسّجون مع مئات الآلاف من المُغيّبين ومجهولي المصير في معتقلات الأسد.

القسمُ الثّالث: بقي في مناطق سيطرة النّظام يمارس عمله الدّعوي والاجتماعيّ والمسجديّ.

وهذا القسم من العلماء والدّعاة الذين بقوا في مناطق سيطرة النّظام هم على فريقين اثنين:

الفريق الأوّل: فريقٌ باع نفسَه للنّظام جهارا نهارا فأعلن بلا مواربةٍ مساندته للنّظام في حربه على الشّعب المظلوم وأيّد جرائمه ومارس له التّشبيح القوليّ على المنابر وهاجم المتظاهرين أو الثّائرين في وجه النّظام وردد في نعتهم أوصاف النّظام لهم بأنّهم إرهابيّون أو مخربون أو عملاء ومجرمون أو غير ذلك من صفات الشتم والهجاء والتحقير؛ فهؤلاء علماء سلاطين يجب تحذير النّاس من فجورهم وفضح ضلالهم وتعرية باطلهم وإسقاط مكانتهم من أعين النّاس.

الفريق الثّاني: وهم العلماء والدّعاة الذين بقوا في مناطق النّظام غير أنّهم لم يعلنوا موقفا مؤيّدا للنّظام وإنّما لاذوا بالصّمت وحرصوا على عدم الظّهور جهد استطاعتهم في المناسبات التي يدعو فيها النّظام من وزارة الأوقاف وغيرها المشايخ والدّعاة والعلماء وهم يمارسون عملهم الدّعوي والاجتماعيّ والمسجديّ من خلال الخطابة أو التّدريس المسجدي أو الدّعوة في المناسبات والمحافل الاجتماعيّة المختلفة.

ومن نافلة القول إنّه ليس هناك فريق من العلماء والدّعاة المعارضين للنّظام في مناطق سيطرته ولا يمكن لأحدٍ من هؤلاء العلماء والدّعاة أن يعلن معارضته للنّظام في تلك المناطق دون أن يكون جزاؤه الاعتقال والتّغييب أو القتل والاغتيال.

  • الموقف من العلماء والدّعاة الملتزمين الصّمت السّياسيّ في مناطق النّظام

ولعلّي هنا أقدّمُ رأياً في الموقف من العلماء والدّعاة الذين لم يغادروا بلادهم ومكثوا في ظلّ نظام الأسد ونشطوا في العمل الدّعويّ والشرعيّ؛ ولا سيما في ظلّ حالة الهجوم "الثّوريّ" على كلّ شيءٍ وكلّ أحدٍ بقي في مناطق النّظام بوصفه مواليا أو مؤيّدا أو شبّيحا؛ فإنّ حالة الهجوم من شريحة من الشّباب "الثّوريّ" على الجميع هي حالة غير صحيّة ‏وغير سويّة وغير سليمة وغير موضوعيّة.‏

ليس مطلوباً من هؤلاء العلماء والدّعاة الذين بقوا في ميادين العمل العام ‏والدّعوة المسجديّة والمجتمعيّة أن يعلنوا مواقف سياسيّة معارضة للأنظمة التي ‏تُحكم سيطرتها على أماكن وجودهم، لكن المطلوب منهم أن لا يقعوا في حبائل ‏النّفاق

إنّ مجرّد البقاء تحت سيطرة النّظام لا يعني تأييده أو النّفاق له، فالتّأييد أو النّفاق ‏هو سلوك عمليّ يطهرُ في الأقوال والأفعال، وإنَّ وجود ثلّة من العلماء والدّعاة في مناطق سيطرة الأنظمة القمعيّة والاستبداديّة ‏يكونون قادرين على الموازنات الدّقيقة في المواقف بحيث يحافظون على مساحة ‏وهامش من العمل الدّعوي والشّرعي المجتمعيّ دون الانخراط في تأييد الظّلم والإجرام هو ‏من أعظم صور الجهاد وأكثرها مشقّة، ويجب التعامل معه على أنّه رباطٌ عظيم على ثغرٍ لا يجوز تركه للمنافقين والمداهنين والمبطلين الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه ويبيعون دين الله تعالى لإرضاء الطاغية المستبد.

‏ كما أنَّ بقاء شريحةٍ من العلماء والدّعاة المخلصين في الميدان وعلى الأرض يعملون ‏على الحفاظ على الهويّة الإسلاميّة التي يعمل الاستبداد على محوها، ويعملون ‏جاهدين على تعميق الإيمان والتربيّة السلوكيّة والأخلاقيّة ولو دون التّطرق إلى ‏أيّ أوضاع سياسيّة هو من الضّرورة بمكان.

‏ وليس مطلوباً من هؤلاء العلماء والدّعاة الذين بقوا في ميادين العمل العام ‏والدّعوة المسجديّة والمجتمعيّة أن يعلنوا مواقف سياسيّة معارضة للأنظمة التي ‏تُحكم سيطرتها على أماكن وجودهم، لكن المطلوب منهم أن لا يقعوا في حبائل ‏النّفاق والمداهنة وتأييد الإجرام، وإنّ اضطرارهم للحضور صامتين في بعض الأنشطة التي لا يمكنهم الاعتذار عنها أبدًا والتي يفرضها عليهم الطاغية المستبدّ لا ينبغي أن يغيّر من حقيقة الموقف منهم أو يسوغ الهجوم التهديميّ الذي يستهدفهم.

ولهذا فإنَّ بقاء هؤلاء العلماء والدّعاة في العمل الدّعوي والتّعليم الشرعي مع عدم ‏تأييد أفعال المجرمين والمستبدّين هو عملٌ مبرور يستحقّ الدّعم والإشادة، وهؤلاء العلماء والدّعاة الذين ظلّوا في أماكنهم دون إعلان أيّ موقف حكمهم وحالهم مختلفةٌ تماما عن الذين يعلنون مواقف رافضة للأنظمة ‏ويغادرون البلاد ثمّ يرجعون تحت ذريعة أنَّ المجتمع بحاجتهم؛ فعودتهم فيها ‏دلالات كثيرة مختلفة تماما عن الحالة التي نتحدّث عنها، وعودتُهم تحملُ معاني الاعتذار الضّمنيّ عن مواقفهم الثّوريّة المعارضة لهذه الأنظمة والإقرار بشرعيّة هذا المستبدّ، فلا بدّ من التّفريق بين الحالتين والصّورتين في الحكم والموقف، ولا بدّ من التعامل الهادئ الرّزين مع المشهد ففي ذلك خير المجتمع المتروك لسياسات المستبدّ الذي لا يفتأ يمحو الهويّة ويسلخ النّاس عن قيمهم ودينهم.