icon
التغطية الحية

"الموظف 162".. وثائق سرية تكشف أحد مهندسي سلاح النظام السوري الكيميائي في كندا

2023.06.08 | 14:09 دمشق

الهجمات بالأسلحة الكيميائية
زعم اليافي أن المقصود من إنتاج المادة الكيميائية أن تكون رادعاً ضد التهديدات النووية من أعداء النظام السوري - رويترز
تلفزيون سوريا - إسطنبول
+A
حجم الخط
-A

كشفت وثائق حكومية كندية رُفعت عنها السرية أن مسؤولاً كبيراً سابقاً في النظام السوري، يقيم حالياً في كندا، قدم مساهمات كبيرة في برنامج تصنيع الأسلحة الكيميائية في سوريا.

ووصفت الوثائق التي تعود للفترة بين عامي 1974 و1994، السوري أحمد هيثم اليافي بأنه "لا غنى عنه" في برنامج الأسلحة الكيميائية، وأقام مصنعاً لإنتاج الأسلحة الكيميائية، وأسهم بشكل كبير في تطويرها.

اليافي، وهو مهندس ورجل أعمال وشريك في شركتي "الريم والرشيد للصناعة المتحدة" و"الرشيد للحواسيب والصناعة"، وشغل سابقاً منصب نائب وزير الصناعة في حكومة النظام السوري بين عامي 2006 و2009، عمل في "مركز البحوث العلمية" التابع للنظام لنحو 20 عاماً، وأشرف على مراحل إنشاء مصنع يُعرف أنه يصنع أسلحة كيميائية.

وبالاستناد إلى الوثائق، نشر موقع "غلوبال نيوز" تحقيقاً أشار فيه إلى أنه عندما تعرضت الغوطة الشرقية إلى الهجوم بالأسلحة الكيميائية، والذي أسفر عن مقتل نحو 1400 شخص، كان اليافي يقيم في منزل مساحته 2500 قدم مربع بإحدى ضواحي مدينة إدمونتون الكندية.

أحمد اليافي
وصفت الوثائق أحمد هيثم اليافي بأنه "لا غنى عنه" في برنامج الأسلحة الكيميائية

الموظف رقم 162

وقال "غلوبال نيوز" إن الوكالات الفيدرالية الكندية رفضت الرد على الأسئلة حول اليافي، كما تم حجب بعض الأجزاء في مستندات طلبه للحصول على الإقامة الدائمة في كندا "لأسباب تتعلق بالأمن القومي"، في حين لا يواجه أي تهم في كندا، ولا يوجد تأكيد رسمي بترحيله.

كما لم يرد اليافي على طلبات المقابلة عبر الهاتف والبريد الإلكتروني والرسائل النصية ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن "غلوبال نيوز" حصلت على تصريحات أرسلها إلى مسؤولي الهجرة الذين يتعاملون مع قضيته.

ووفق التصريحات، فإن اليافي بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية من جامعة مانشستر في إنجلترا، عاد اليافي إلى سوريا في عام 1977، وعمل في مركز البحوث العلمية، وحصل على الموظف رقم 162، وأبلغه المركز أنه "سينتج مادة كيميائية ضارة بالبشر".

وثائق الاستخبارات الكندية

وأكد اليافي في تصريحاته لمسؤولي الهجرة أن "العامل السام لن يستخدم أبداً"، مضيفاً أن "المقصود من إنتاج المادة الكيميائية أن تكون رادعاً ضد التهديدات النووية من أعداء النظام السوري، وتهدف لتزويد قيادة البلاد بسلاح استراتيجي".

وزعم اليافي أنه "من خلال تطوير أسلحة كيميائية، كان النظام السوري يأمل في تعزيز موقفه التفاوضي في أي محادثات سلام مستقبلية قد تجري في الشرق الأوسط".

20 عاماً في منصب رفيع

وأوضحت تقارير الحكومية الكندية أنه تم تكليف اليافي، من خلال عمله في "مركز الدراسات والبحوث العلمية"، بمسؤولية تطوير التكنولوجيا النووية والبيولوجية والكيميائية المتعلقة بالصواريخ، موضحة أنه "شغل منصباً رفيعاً خلال عقدين قضاهما في مركز البحوث".

وأكدت التقارير أن علماء "مركز الدراسات والبحوث العلمية" كانوا "مكوناً رئيسياً في سلسلة القيادة، طوروا وأنتجوا أسلحة كيميائية، استخدمت فيما بعد ضد المدنيين السوريين".

وقال تقرير صادر عن دائرة الاستخبارات الأمنية الكندية إن اليافي كان متورطاً في مرحلة بدء تشغيل المصنع التجريبي لمركز البحوث، والذي كان الغرض منه إنتاج أسلحة كيميائية، في حين زعم تقرير لاحق، صادر عن قسم فحص الأمن القومي التابع لوكالة خدمات الحدود الكندية أن اليافي أمضى بين سنتين إلى ثلاث سنوات في إجراء بحث عن المصنع التجريبي.

وأكدت وكالة خدمات الحدود الكندية أن اليافي، من خلال عمله في مركز البحوث، مسؤول عن تطوير وإنتاج أسلحة كيميائية وبيولوجية، وبالإضافة إلى ذلك، أشارت المعلومات إلى أنه كان مشاركاً في المشروع التجريبي للمركز لإنتاج البحوث العلمية.

وذكر التقرير أنه شغل مناصب عالية ذات أهمية، بما في ذلك مدير المشروع والمدير الفني، وبقي في مركزه لمدة 20 عاماً، وشغل فيما بعد نائب وزير الصناعة في حكومة النظام السوري التي كان يرأسها محمد ناجي عطري.

في كندا من أجل الأحفاد

وذكر "غلوبال نيوز" أن ابن اليافي، الذي يعمل في صناعة البناء في مقاطعة ألبرتا الكندية، كتب في خطاب يعود للعام 2019 بأنه على استعداد لكفالة والديه للإقامة الدائمة في كندا، مشيراً إلى أن والده ووالدته يعيشان معه في منزله في إدمونتون منذ ربيع العام 2013، مضيفاً أن والده "يأخذ أحفاده من المدرسة كل يوم، ويقضي وقتاً معهم في أداء الواجبات المدرسية".

أما اليافي فكتب في بيان كجزء من محاولته الهجرة إلى كندا إنه "لم يبق لي عائلة في سوريا"، مضيفاً أن "حياتي هي ابني وأحفادي، إنهم بحاجة إلى جدهم لمنحهم المزيد من النمو العاطفي والعقلي".

وأوضح الموقع أنه وفقاً لسجلات الهجرة الكندية في 2019، فإن اليافي يقيم في منزل مكون من أربع غرف نوم في حي جلاستونبري في إدمونتون، لكن حالياً ليس من الواضح إذا ما كان ما يزال يقيم في المكان نفسه، فالمنزل معروض للبيع، في حين يتذكر الجيران رؤيتهم لليافي في المنزل، ولكن ليس لأكثر من عدة أشهر.

وأشار "غلوبال نيوز" إلى أن الهاتف الخليوي الخاص باليافي يبدأ برمز مقاطعة ألبرتا، ولا يزال نشطاً، لكنه لا يجيب أو يرد على الرسائل النصية أو رسائل البريد الإلكتروني، في حين رفضت الوكالات الفيدرالية الكندية، التي حققت في قضية اليافي مناقشتها.

الاستخبارات الكندية لم تجد مشكلة في إقامته

وفي وثائق طلب لجوئه، زعم اليافي أنه "شعر بخيبة أمل عندما اكتشف أن مركز البحوث يطور عاملاً كيميائياً"، مضيفاً أنه كان ملزماً قانونياً بالعمل في المركز لمدة سبع سنوات ونصف مقابل تمويل نفقات دراسته ونيله درجة الدكتوراه في الخارج، بالإضافة إلى سنتين ونصف إضافية كخدمة عسكرية إلزامية.

ونفى اليافي أي دور له في "صنع القرار الاستراتيجي"، مضيفاً أن دوره في مركز البحوث كان "المساعدة في بدء تشغيل المصنع"، وقال إنه "حاول مراراً وتكراراً الاستقالة".

وأشار إلى أن فريق العمل في مركز البحوث العلمية كان يضم ثلاثة ضباط بتخصصات من قسم الحرب الكيميائية في جيش النظام السوري، تم إرسالهم إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة.

وشدد اليافي على أنه "لم أتعامل أبداً مع عامل حرب كيميائية، وبالطبع لم أشارك في أي نقاش حول أنظمة التسليم، لأنه لا يتماشى مع دوري أو خبرتي"، مضيفاً أنه "حاولت الاستقالة لأول مرة في عام 1987، وحاولت سبع مرات أخرى حتى قبول استقالتي في عام 1994، وبدأ العمل في مصنعه الخاص، ثم شغل منصب نائب وزير الصناعة بين عامي 2006 و2009.

وعن ذهابه إلى كندا، قال اليافي إن جمعية أعمال سورية - كندية دعته في العام 2010 للقيام بجولة في كندا لمدة 12 يوماً، وكان في مدينة ريجاينا عندما طلب ضابط من جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي مقابلته.

في العام 2013، عاد اليافي إلى كندا، وزاره ضباط الاستخبارات مرة أخرى في منزل ابنه في مدينة إدمونتون، وقال اليافي إنه "ناقش عمله ودوره في مركز البحوث العلمية معهم".

وثائق الاستخبارات الكندية
بيان وقعه أحمد اليافي للمحكمة الفدرالية الكندية

وادعى اليافي أن الضباط الكنديين أكدوا له أنه "لا توجد مشكلة في إقامته بكندا، وأن مكوثه في البلاد من الآن وصاعداً ستكون سهلة"، في حين رفض جهاز الاستخبارات الكندي التعليق لموقع "غلوبال نيوز" على اللقاء المزعوم مع اليافي.

وكتب اليافي "أصرح بوضوح أنني لست خطراً على كندا أبداً، ولم أشارك أبداً في تصنيع أسلحة كيميائية استراتيجياً لأي سبب من الأسباب"، زاعماً أن مصنعه في دمشق دُمر خلال الحرب، وأنه يعرف علماء آخرين كانوا يعملون في مركز الدراسات والبحوث العلمية التابع للنظام السوري يعيشون في كندا والولايات المتحدة الأميركية.

واعتبر اليافي أنه "قدم أعظم هدية له في الحياة إلى كندا، ابنه المواطن الكندي منذ أن كان عمره 17 عاماً، وكندا الآن هي الموطن الأصلي لابنه ولأحفاده، ويريد الانضمام لهم مع زوجته، وجعل كندا وطنهم جميعاً".

وتحت عنوان "المهنة" في وثائق لجوئه، كتب اليافي إن مهنته "تعتمد على ما إذا كانت بعض مهاراته مطلوبة ومسموحاً بها في كندا".

دائرة الهجرة الكندية رفضت طلب إقامته

وأصدرت دائرة الاستخبارات الأمنية الكندية ووكالة خدمات الحدود الكندية تقريراً في العام 2018، بعد أن تقدم اليافي بطلب للحصول على الإقامة الدائمة في كندا، إلا أن بعض الأجزاء من وثائق التقرير تم حجبها "لأسباب تتعلق بالأمن القومي".

وتظهر السجلات، التي راجعها "غلوبال نيوز"، أنه في العام 2018 اتصل مكتب النائب المحافظ كيلي مكولي بمسؤولي دائرة الهجرة عدة مرات حول القضية، موضحاً أنه لم يكن على علم بالمزاعم ضد اليافي حتى اتصل به "غلوبل نيوز".

وقال النائب مكولي إن مكتبه فحص ملف اليافي لأول مرة في أيلول 2018، وطلب تحديثاً في شباط 2019، وفي أيار 2019 أرسل المستندات إلى دائرة الهجرة، إلا أن طلب اليافي للحصول على الإقامة الدائمة رُفض بسبب "مساهماته في برنامج النظام السوري للأسلحة الكيميائية".

وذكرت الرسالة التي رفضت منحه الإقامة أن اليافي "كان له دور رئيسي في إنشاء مصنع يُعرف أنه يجري بناؤه لتصنيع أسلحة كيميائية، لاستخدامها في المستقبل لأغراض سيئة".

وقالت وكالة خدمات الحدود الكندية إنه بالنظر إلى خبرة اليافي "يعتبر خطراً على أمن كندا، حيث يمكنه نقل هذه المعرفة إلى الآخرين الذين ينتجون أسلحة كيميائية".

ورداً على ذلك، طعن أحمد اليافي في قرار رفض إقامته في المحكمة الاتحادية في كندا، لكنه خسر مرة أخرى في العام 2021.