icon
التغطية الحية

اللاذقية.. هجرة الشبّان تدفع النساء إلى اقتحام ميادين عملهم

2023.07.03 | 13:46 دمشق

عمل النساء
+A
حجم الخط
-A

خلّفت الهجرة الكثيفة للشبّان في الساحل السوري، شواغر كثيرة في سوق العمل، ملأ بعضها نساء اندفعن لاقتحام مجالات لم يكن وجودهن بها شيئاً مألوفاً سابقاً.

وسط السوق القديم في مدينة جبلة بريف اللاذقية، الذي يطلق عليه محلياً "سوق البيض"، تُرّتب "أم سميح" بضاعتها من الخضار والفواكه، ووسط صيحات الباعة الآخرين تجذب السيدة الأربعينية الزبائن بطريقة تصفيفها الجميل للبضاعة، فهي تدير متجر زوجها المتوفى وحدها.

قبل سنوات مضت لم يكن وجود بائعة في سوق الخضار أمراً مألوفاً، لكن تغيّر الأحوال غيّر كثيرا من الأشياء، لا سيما مع تصاعد هجرة الشبّان وكثرة الوفيات منهم في الحرب.

توفي زوج "أم سميح" بنوبة قلبية قبل نحو ثلاث سنوات وترك لها ثلاثة أبناء أكبرهم بعمر الـ15 عاماً، ما اضطرها لأخذ مكانه والعمل في المحل لإعانة أولادها.

بشرى (34 عاماً) خريجة جامعية من قسم الاقتصاد، تعمل كمحاسبة في محل لبيع الشاورما بمدينة جبلة، تقول لـ موقع تلفزيون سوريا، إنّ التحاقها بسوق العمل "لم يكن رفاهية أو مسألة اختيار بل بات أمراً إجبارياً في ظل ظروف عائلتها الصعبة".

وتضيف: "كان طموحي مختلفا لم أتخيل أن أعمل بعد تخرجي الجامعي في بيع السندويش لكن للضرورة أحكامها، أبقى هنا حتى قرابة منتصف الليل بعيدة عن أولادي لأحصل على مرتب شهري لا يكاد يكفي أياما معدودة".

اقرأ أيضاً.. لا فرص عمل أمام شبان الساحل السوري.. سوى "متطوّع" أو "مهرّب"

اقرأ أيضاً.. الهجرة من اللاذقية وطرطوس ليست حكراً على الشباب والمتعلمين

وترى الشابة الثلاثينية أن نظرة المجتمع لعمل المرأة في مجالات غير معتادة تغيّرت كثيراً خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث بات مألوفاً وجودها في أي مكان بسبب نقص الشبّان وهجرتهم ورغبة أصحاب العمل بتقليل التكاليف، لأنّ أجور العاملات تبقى أقل من أجور الشبّان، كما أن الجميع اعتاد على هذا الوضع الجديد.

تجارب نسائية

مع كثرة الشواغر المتوافرة في سوق العمل، اخترقت النساء خلال الفترة الأخيرة مجالات عمل شاقة، مثل "أم أحمد" التي تعمل في جمع الكرتون والبلاستيك، حيث تجر المرأة الأربعينية النازحة، عربة على كتفيها وتلتقط ما يتوفّر لها من مواد قابلة لإعادة التدوير من شوارع مدينة جبلة، أملاً بتأمين قوت أولادها.

وحول سبب اختيارها لهذا العمل الشاق قالت لـ موقع تلفزيون سوريا: إنّها طرقت كثيرا من الأبواب لكن الأجور الضعيفة التي تعطى للنساء دفعها للبحث عن عمل خاص تستطيع منه دفع إيجار منزلها وإعالة أبنائها.

وتضيف: "بداية كنت أشعر بالخجل فهذا العمل كان حكراً على الرجال والصبيان، لكن مع مرور الوقت تجاوزت هذا الحاجز، عائلتي أهم بكثير من نظرة الناس".

  • العمل في صيانة الهواتف

تجربة لافتة خاضتها الشابة سحر في مدينة اللاذقية، حيث افتتحت متجراً خاصاً بها لصيانة الهواتف النقالة، فبعد دورات تأهيلية والعمل لأشهر في محل لتصليح الهواتف، قرّرت خوض تجربة مستقلة وأن تكون هي صاحبة العمل.

تحدّثت "سحر" عن هذه التجربة لـ موقع تلفزيون سوريا، قائلةً: إنّ الفكرة لاقت استحسان الكثير لا سيما النساء اللواتي يرغبن بالحفاظ على خصوصية أجهزتهن، كما أنّ المجتمع تجاوز بالفعل عمل المرأة وباتت الظروف الاقتصادية هي الهم الأكبر.

وحول الصعوبات التي تواجهها النساء حالياً في ميدان العمل، أشارت الشابة العشرينية إلى أنّ "الأمر لا يخلو من بعض المضايقات وبعض التحرشات، وعدم تقبل البعض لعمل المرأة وثقته به".

  • أعمال شاقة

في تجربة أخرى تكاد لا تخلو من الصعوبة يروي الناشط الإعلامي "أبو يوسف جبلاوي"، قصّة شابة تعمل في معمل لتصنيع الرخام على أطراف مدينة جبلة.

وقال "جبلاوي" إنّ المرأة الأربعينية تعمل على آلة جلي الرخام رغم المجهود العضلي الذي يحتاجه هذا العمل الشاق، مردفاً: "سألتها عن سبب عملها في هذه المهنة الشاقة، كان جوابها لأعيل أولادي".

وأضاف أنّ "هناك أعمال أخرى شاقّة اقتحمتها النساء في جبلة، ففي فرن الجبيبات الآلي هناك 5 نساء عاملات إحداهن تتولى بيع الزبائن، كما أنّ معظم عمّال الزراعة في المنطقة من النساء".

  • ازدهار أعمال المونة والخياطة

تفضّل بعض النسوة بسبب ظروفهن العمل من المنزل لتوفير دخل إضافي للعائلة، مثل حالة آسيا (38 عاماً) وهي أم لأربعة أطفال تعمل من منزلها في صنع الألبان والأجبان، بينما يتولّى زوجها توزيع المنتجات على المتاجر.

وبحسب الناشط الإعلامي في جبلة "أبو يوسف الجبلاوي"، ينشط كثير من النساء في اللاذقية بمجال أعمال الخياطة وبيع تجهيزات المونة على مدار العام، بينما تعمل أخريات من المنزل في التسويق وبيع الألبسة.

وقال "جبلاوي" إنّ غلاء المعيشة دفع كثيرا من النساء إلى مساعدة أزواجهن في تأمين دخل إضافي يساعدهم، سواء عن طريق العمل من داخل المنزل أو خارجه.

رواتب متدنية واستغلال

من جانب آخر، أشار الناشط الإعلامي أحمد اللاذقاني في حديث لـ موقع تلفزيون سوريا، إلى أنّ عمالة النساء باتت خياراً مفضلاً ولا مفر منه بالنسبة لكثيرين من أصحاب العمل، وذلك لعدة أسباب أبرزها: قبول النساء برواتب أقل وهجرة الشبّان أو سوقهم إلى الخدمة الإلزامية أو عملهم في "العسكرة".

وأضاف: "معظم الموظفين اليوم في محال الألبسة والمطاعم ومتاجر الأغذية من النساء، كما أن الشبان باتوا يُعرضون عن الوظائف الحكومية مقابل اندفاع النساء لها"، لكن المشكلة الأساسية وفق "اللاذقاني" هي "استغلال النساء والعاملات برواتب ضئيلة، بسبب كثرة الطلب على العمل وقلة الفرص المتوفرة".

يشار إلى أنّ الساحل السوري يشهد، منذ سنوات، هجرة واسعة لفئة الشبّان إلى الخارج، وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تعيق تأمين مستقبلهم أو هرباً من حملات التجنيد الإجباري التي ينفّذها النظام السوري باستمرار.