الفلسطينيون ومعركة الرأي العام

تاريخ النشر: 07.06.2021 | 06:17 دمشق

كانت حرباً شرسة بكل معنى الكلمة، وتستحق ذلك بكل تأكيد، لأنها معركة وجود مفتوحة على عدّة جبهات وبمواجهة أعداء متنوعين وكثر. أوّل الأعداء هو الفُرقة والخلاف الداخلي، وثانيهما هو المحتل الإسرائيلي المدجج بالعقيدة الصهيونية الاستيطانية الإلغائية النازية المتطرفة، وثالثها الأنظمة العربية شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، ورابعها الأنظمة الإقليمية المتاجرة بالقضية الفلسطينية، وخامسها النظام العالمي بقضّه وقضيضه.

سيكون من الصعب الخروج بنتيجة إن ناقشنا حرب الوجود هذه وعلى الجبهات جميعها، فالخلافات الداخلية الفلسطينية وحدها كُتب بها مئات آلاف المقالات والأبحاث وآلاف الكتب، كذلك بقيّة الجبهات، مع تفاوت في التركيز واختلاف زوايا النظر والفئات المستهدفة أو الجمهور الذي كُتب ذلك من أجله. سيكون من المفيد – برأينا- لو تلمّسنا بعض الجوانب الأخرى التي أحدثت فرقاً نوعياً لا يمكن التغافل عنه ضمن هذه الانتفاضة الفلسطينية الثالثة المجيدة. لقد تغيّرت نبرة الخطاب السياسي الأوروبي والأميركي بشكل أو بآخر، ويجب أن نضع أيدينا على أسباب هذا التغيّر، فما الذي حصل؟

ظهرت نبرة جديدة وبدأت الأصوات تتعالى لتغيير المقاربات وزوايا النظر، وللغوص عميقاً في جذور المشكلة

رغم أجواء التطبيع المتسارعة بين إسرائيل وكثير من الأنظمة العربية في العلن، وبقيّتها في السر، ورغم الاختلال المتنامي في موازين القوى الدولية والإقليمية والمحلية الهائل لمصلحة إسرائيل، ورغم التاريخ المثقل بالمواقف المسبقة المنحازة والمتكلّسة لحكومات الدول الغربية عموماً تجاه القضية الفلسطينية، رغم كل ذلك وغيره الكثير، ظهرت نبرة جديدة وبدأت الأصوات تتعالى لتغيير المقاربات وزوايا النظر، وللغوص عميقاً في جذور المشكلة.

يبدو أنّ العالم ما بعد وسائل التواصل الاجتماعي ليس كما قبله حقاً. وصحيح أنّ هذه الوسائل هي مجرّد أدوات، إلا أنّ البشر استطاعوا عبرها، كسر احتكار الرواية الإعلامية الموجّهة عبر وسائل الإعلام التقليدية من صحف وإذاعات وتلفزيونات. إنّ الفعل البشري هو الأساس والجوهر في صناعة التغيير، والقدرة على استخدام القواعد الذاتيّة التي وضعتها لنفسها الشركات المنتجة والمالكة لوسائل التواصل، أي باختصار فهم العملية وقواعدها وإجراءاتها واستخدامها للحفاظ على المحتوى الإنساني المراد إيصاله من خلالها.

حاولت إدارة فيسبوك وإنستغرام وتويتر وغيرها من وسائل التواصل، وستبقى تحاول، الحدّ من استخدام هذه الوسائل لكسر النمطيّة الذهنية السائدة في الرأي العام الرسمي المتمثل بمواقف الحكومات وفي الرأي العام العالمي المتمثل بالشعوب عن القضيّة الفلسطينية، وذلك من خلال منع أو تحجيم أو تقييد عمليات التفاعل الكبيرة مع معاناة وآلام الفلسطينيين، وبالتالي حاولت تكريس الفهم القديم الذي استمر منذ عقود ومازال يتجذّر حول إسرائيل ومحيطها. لكنّ الفعل البشري الجمعي استطاع أن يوقف هذه المحاولات من خلال آليات الضبط المعتمدة من قبل الشركات المالكة لهذه الوسائط ذاتها. على سبيل المثال، استخدم محركو هذا الفعل مسألة تقييم التطبيقات من خلال إعطائها درجة عالية أو منخفضة، لإجبارها على تغيير سياستها المنحازة للرواية الإسرائيلية.

 يمكن وضع بعض العناوين لهذا الفعل البشري الجمعي، أو اختصاره ببعض قادته من فئة الشباب المؤهل الذي تمكّن من التعامل باحترافٍ مع هذه الوسائط. استطاع هؤلاء خلق حالة جديدة من جلاء الصورة وأسهموا في انقشاع الغبار عن الحقائق المدفونة. بالتأكيد لم يكونوا وحدهم من صنع الحدث، بل شاركوا به مع مجموعة العوامل والنضالات، وأهمها نضالات الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 48 والداخل المحتل عام 67 وفي المحيط والشتات والمهجر.

في حديث لوزير خارجيّة لوكسمبورغ يان أسيلبورن (Jean Asselborn) لإذاعة دويتشه فونك الألمانية صباح الخميس 20 من أيار 2021، ظهرت نبرة جديدة بشكل ملحوظ لمقاربة بعض الساسة الأوروبيين لهذه المعضلة المستمرة منذ قرن ونيّف. لقد حاول المذيع حصار وزير الخارجية بالأسئلة النمطية المعروفة، من قبيل، هل تؤيد حماس الراديكالية، هل أنت مع صواريخ حماس، هل قلت إنّ رئيس وزراء إسرائيل مثل السرطان... إلى آخر هذه السيمفونية الجاهزة لوضع أي سياسي في خانة العداء للسامية إن خرج عن المألوف. لكنّ الوزير كان شديد الوضوح بوضع الحدود وإعادة تصنيف الأشياء وفرزها. انتقاد نتنياهو لا يعني العداوة لإسرائيل ولا اليهود، طلب حماية المدنيين الفلسطينيين لا يعني تأييد صواريخ حماس، النظر إلى عمق المشكلة يجعلنا نرى معاناة شعب أرضه محتلّة منذ العام 67، لا يجوز اختصار المسألة بحماس، لم تقدّم إسرائيل أيّ مقابل لوداعة محمود عباس، لم تزد اتفاقيات التطبيع مع الحكومات العربية إسرائيل إلّا تشدداً تجاه الفلسطينيين... وكثير جداً من المواقف اللافتة للنظر.

مئة عامٍ من النضال الفلسطيني لم تكن قفزة في الهواء، إنها أساسات متينة يمكن استثمارها جيداً لو استطعنا استخدام الآليات الجديدة التي يتيحها لنا العلم

لم تأت هذه الانعطافة من فراغ، إنها نتيجة تراكم كبير وتحوّل حقيقي أحدثه تعامل الفلسطينيين من الأجيال الحديثة مع متطلبات الرأي العام، وهذا كلّه ما يزال بداية الطريق فقط. مئة عامٍ من النضال الفلسطيني لم تكن قفزة في الهواء، إنها أساسات متينة يمكن استثمارها جيداً لو استطعنا استخدام الآليات الجديدة التي يتيحها لنا العلم. إنّ صناعة الرأي العام العالمي فيما يخصّ قضايانا هي مهمّتنا نحن وليست مهمة غيرنا. لن نستفيد من مخاطبة الشعب الصيني أو الروسي مثلاً، لأنّ هذه الشعوب لا تستطيع التأثير في أنظمة الحكم لديها، فهي أساساً لم تشارك باختيارها، لكننا قادرون على التأثير بالحكومات الغربية كلها، من أستراليا إلى الولايات المتحدة وكندا مروراً بأوروبا، إن استطعنا إعادة صناعة الرأي العام الشعبي هناك من جديد. سيسمعنا الساسة الغربيون من خلال أصوات ناخبيهم، وسيكون هؤلاء وسيلتنا لتغيير كثيرٍ مما صُور لنا وكأنّه أقدارنا الحتميّة.

قضيّة فلسطين ليست قضيّة الفلسطينيين وحدهم، إنها قضيّة العرب بحق، وتشابك الخطوط بين الثورة الفلسطينية وثورات الشعوب العربية، وبين أقدار الجميع ليست من عبث أو فراغ، انتصار الفلسطينيين على الاحتلال يعني انتصار الشعوب العربية على الاستبداد، والعكس صحيح. بعد كلّ ذلك، يجب أن تصبح قضيّة فلسطين قضيّة الإنسانية جمعاء، وهي تستحق ذلك لما فيها من أسس راسخة في الضمير الإنساني من قيم الحق والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. صناعة القضيّة يحتاج حرفيّين مهرة وأدوات حديثة ومناهج تفكير جديدة، وجيل الشباب كفؤ لهذا كلّه.

"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي