العملية العسكرية المحتملة ضد "قسد".. هل ستنطلق؟

تاريخ النشر: 15.06.2022 | 06:41 دمشق

إسطنبول - سامر العاني

ما زالت العملية العسكرية ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي يهيمن على قرارها "حزب العمال الكردستاني" (PKK) تحظى بحديث متصاعد من قبل وسائل الإعلام التركية، بالتزامن مع استعراضات تجريها فصائل الجيش الوطني السوري في مناطق ريف حلب الشمالي الخاضعة لسيطرتهم.

وبينما يتحدث ناطقون من الجيش الوطني عن عملية عسكرية مرتقبة، لا يعكس الواقع ما يشير إلى اقتراب إطلاق المعركة، باستثناء أخبار متواترة غير مقترنة بأي تفاهمات مع الدول الضالعة في الملف السوري، وتلك الأخبار شبيهة بأخبار وتصريحات سابقة أطلقتها تركيا عدة مرات ما لبثت أن خبت بعد أن حصلت على مكاسبها من دون إطلاق أي معركة.

معارك مؤجلة

سابقا، أعلنت تركيا عدة مرات عن معارك ستشن ضد "قسد"، إلا أنها توقفت نتيجة تفاهمات سياسية حصلت فيها على مكاسب تعتبرها معقولة، لكن أهمها كان الإعلان عن معركة شاملة بعد التأخر في تنفيذ خريطة الطريق المتفق عليها بين أنقرة وواشنطن بشأن منبج.

فبعد مماطلة الولايات المتحدة الأميركية في تنفيذ خريطة الطريق المتفق عليها في حزيران 2018، أعلنت تركيا وقيادات من الجيش الوطني السوري عن عملية عسكرية تستهدف "قسد" ابتداء من مدينة منبج، وكانت من أهم العمليات التي أعلن عنها آنذاك، ليخرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب محادثة هاتفية أجراها مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في 14 كانون الأول 2018 ويعلن تأجيلها.

وفي شهر شباط 2019 اجتمع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، مع وزير الدفاع الأميركي السابق بالوكالة، باتريك شاناهان، في واشنطن، وحصل على موافقة الأخير على عدم تأخير خارطة طريق منبج، وإخلاء منبج "قسد" المرتبطة "PKK" في أسرع وقت، وسحب الأسلحة منهم، وتسليم إدارة المدينة إلى أهلها، ومع أن هذا الاتفاق لم يتم إلا أنّ العملية العسكرية لم تنطلق أيضا.

المعركة المحتملة من وجهة نظر رسمية

تؤكد الجهات التركية الرسمية أن العملية العسكرية ستندلع لا محالة، مبينة أسبابها وأهدافها، ومعلنة عن المناطق المستهدفة في تلك العملية.

يقول الصحفي التركي حمزة تكين لـموقع تلفزيون سوريا إن "تركيا ستقدم على عملية جديد لا محالة، والتحضيرات لهذه العملية استغرقت الكثير من الوقت لأسباب عدة منها، دقة العملية والمراعاة الشديدة لوضع المدنيين في الشمال السوري، واختيار الأهداف الدقيقة للتنظيمات الإرهابية في كل مدن الشمال السوري التي يوجد فيها عناصر من تنظيم PKK و PYD الإرهابي أو ما هو معروف بتنظيم قسد، ومن ثم كل المدن في الشمال السوري التي يوجد فيها عناصر من هذا التنظيم ستكون هدفاً خلال العملية المقبلة".

ويؤكد أن العملية المقبلة ستكون واسعة ضد هذا التنظيم، فتركيا لم تعد تحتمل وجوده على أراضيها أو على سوريا في الشمال السوري بمحاذاة أراضيها، ولذا حان الوقت لتوجيه عملية أوسع من العمليات السابقة كـ "غصن الزيتون" أو "درع الفرات" أو "نبع السلام"، لذلك العملية ستكون شاملة لكل الشمال السوري.

ويرى أنّ هناك أهدافا تركية وأهدافا أخرى مشتركة بين تركيا وبين الشعب السوري، فالهدف التركي هو حماية الحدود التركية من التنظيمات الإرهابية خاصة أن هذه التنظيمات تستهدف بين الفينة والأخرى الحدود التركية سواء بتفجيرات أو بقذائف صاروخية أو تهريب متفجرات إلى المناطق التركية، ومن ثم الهدف الأول هو حماية الحدود التركية، وأما الهدف الثاني فهو حماية الأمن القومي التركي لما تشكله هذه التنظيمات من تهديد لذلك، أما الأهداف الأخرى المشتركة بين تركيا والشعب السوري فهي إنقاذ مئات الآلاف من المدنيين السوريين من أكراد ومن عرب ومن تركمان يرزحون تحت بطش تلك التنظيمات الإرهابية في الشمال السوري، وفق قوله.

ويضيف تكين أنّ هناك تدريبات كبيرة جدا وواسعة جدا على مدى أشهر خضع لها أفراد الجيش الوطني السوري بالتعاون مع تركيا وبدعم تركيا. ولذا بات الجيش التركي والجيش الوطني السوري مستعدين لهذا العمل المشترك.

لا عملية عسكرية الآن

مع أنّ تركيا لوّحت بعدة عمليات عسكرية سابقا، إلا أنّ هذه المرة يبدو الإعلان مختلفا، لامتلاكها أوراق تفاوض أكبر من ذي قبل، نظرا لدورها الذي لعبته في الغزو الروسي على أوكرانيا، وموقفها الرافض من انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، وهذا يعني إدراك الغرب لأهمية الأدوار التي يمكن لتركيا لعبها.

وفيما تطلق تركيا تصريحات طمأنة للأطراف الضالعة في الملف السوري بأنها لا تريد استهداف سيادة الدول الجارة ولا وحدة أراضيها في إشارة إلى العملية المحتملة، إلا أنّها تدرك أن الاستعدادات العسكرية لا تكفي، وتحتاج إلى موافقة كل الأطراف الدولية المنخرطة في الملف السوري.

يقول المحلل العسكري العقيد فايز الأسمر لموقع تلفزيون سوريا إنّه وفق المعطيات السياسية والعسكرية وتحليلها فلا يمكن تحديد إن كانت هناك معركة قريبة في المدى المنظور، أقلها ضد "قسد" على طول الحدود السورية التركية بعمق 3٠ كم والتي أشار بضرورتها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته الأخيرة لإنشاء منطقة آمنة وتأمين الحدود التركية، فسابقا وفي تشرين الماضي صرح الرئيس أردوغان تصريحات مماثلة وكان هناك تحركات وتعزيزات عسكرية ولكن لم تحدث أي عملية.

ويرى أنّ الغاية من الإعلان هو رسالة مناورة وتعبير عن الامتعاض تجاه واشنطن وتجاه سياسات حلف الناتو واستثمار لورقة طلب فنلندا والسويد المتهمتين تركيا بدعمهما للإرهاب ودعم ميليشيات "قسد" و"حزب العمال الكردستاني" في المقابل منعهما توريد السلاح لتركيا وفرض عقوبات عليها، فضلاً عن التعبير عن الامتعاض من روسيا لعدم إبعاد ميليشيا "قسد" مسافة 32 كم كما تم الاتفاق عليه بعد توقف عملية "نبع السلام" أيضا.

معركة من دون رصاص

حتى الآن يمكن القول إنّ المعركة انطلقت، لكن رصاصة واحدة لم تطلق بعد، ولا يبدو أنّ المدى المنظور سيشهد ذلك، فالأوراق التفاوضية بيد تركيا، حولتها من البحث عن المكاسب الممكنة إلى المكاسب المرضية، وهذا يعني أنّ المعركة السياسية قد تشهد تصعيدا في التفاوض السياسي إلى إعلان حرب من دون تنفيذها.

يقول الباحث في مركز "جسور" للدراسات وائل علوان خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا إنّ "الخطاب السياسي يصعد بشكل كبير جدا، وبحسب هذ الخطاب فإن المشكلة ما تزال قائمة، فتركيا لم تحقق أمنها القومي في حدودها الجنوبية، وهناك استحقاقات أمنية كانت مبنية على التفاهمات التركية الأميركية ثم التركية الروسية".

وبالسؤال هل العملية العسكرية قريبة؟ يرى علوان أنّها قريبة سياسيا، لكن ميدانيا على الأرض لم تتحرك بعد مؤشرات ودلائل وعوامل تدل على أن هناك عملية عسكرية محددة الجهة ومحددة الحجم، ولا يوجد إلى الآن بوادر لعمل عسكري واسع من حيث نقل القوات ومن حيث عمليات الاستطلاع ومن حيث عمليات التمهيد الناري وقطع خطوط الإمداد على العدو، كل ذلك لا بد أن يكون قبيل العمل العسكري، وأن يكون مؤشرا على العمل العسكري، غير أن المناخ السياسي موجود لإشارة البدء بهذه التحضيرات في أي لحظة، والقصد من المناخ السياسي هنا هو طبيعة المواجهات مع قوات قسد، وكذلك الفرصة الإقليمية والدولية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن لا أعتقد أن تركيا تمضي بعمل عسكري من دون الحد الأدنى من التنسيق مع الجانب الأميركي ثم مع الجانب الروسي.

ويعتبر علوان أنّ الهدف من الإعلان عن نية تركيا اللجوء إلى الحل العسكري هو أن تركيا تريد تحقيق أمنها على حدودها الجنوبية وهو استحقاق، وهذا الاستحقاق من الممكن أن تؤدّيه الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بفرض انسحاب "قسد"، أو أن تباشر تركيا بالفعل بالعمل العسكري كما حصل في عفرين سابقا عندما رفضت "قسد" الانسحاب، فكان لا بد من تطهيرها عسكريا، لذلك الإعلان عن قرب العملية العسكرية هو إعلان عن طاولة تنسيق إقليمية من أجل الوصول إلى الاستحقاقات الأمنية التي ترى تركيا أنها تأخرت بشكل كبير.

تبقى كل الاحتمالات متاحة إلا أن آخرها هو إعلان انطلاق عملية عسكرية واسعة، ومع أنّ هذا ما تدركه "قسد"، إلا أنّها تسعى لخلط الأوراق في المنطقة من خلال التهديد بإدخال قوات نظام الأسد كشريك لها في حربها المحتملة، وهذا ما لم توافق عليه روسيا إن لم يتم تسليم تلك المناطق بشكل كامل إلى نظام الأسد.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار