العرف والدين.. كفتان متباينتان

تاريخ النشر: 28.04.2021 | 06:40 دمشق

في مسرحية هزلية مستمرة يستمر رواد التواصل الاجتماعي بالانقسام بين مبرِر ومتهِم كلما ضجت وسائل التواصل بحادثة تحرش أو اغتصاب أو عنف ضد المرأة أو ما شابه.

يسوق المتعاطفون مع الجاني أسباباً مختلفة من قبيل الإصابة بأمراض نفسية أو هوس جنسي أو خلل واعتلال اجتماعي سلوكي، وقد يتجاوزون ذلك فينتقلون إلى مرحلة أكثر تطوراً بالدعوة إلى عدم نشر هذه الأخبار من باب التستر على المعصية وعدم نشر الأخطاء والفاحشة.

إن المبررين يخضعون في تفسيراتهم إلى معايير اجتماعية متوارثة تسعى إلى تبرير سلوك الجاني الذكر في كثير من المواقف وإلقاء اللوم على الضحية في مرات أكثر

يبرر علم النفس هذه السلوكيات بأنها لا تتعدى كونها آليات دفاعية يسوقها الإنسان كي يقنع نفسه بانعدام الخطر، وبهدف إيهام عقله أن المكان ليس خطراً إلى الدرجة التي يخشى فيها الإنسان على سلامته.

قد تبدو هذه الأسباب مقنعة في كثير من الأحيان غير أن ما يحدث هو أن ما يحكم المجتمع العربي على وجه الخصوص في هذا الشأن ليس العامل النفسي فحسب، بل إن المبررين يخضعون في تفسيراتهم إلى معايير اجتماعية متوارثة تسعي إلى تبرير سلوك الجاني الذكر في كثير من المواقف وإلقاء اللوم على الضحية في مرات أكثر.

تتداول هذه التبريرات بشكل علني وتشتعل معركة بين القطبين المتنافرين بطريقة تسقط المسؤولية عن الجناة في حالات التحرش أو اغتصاب الأطفال وما شابه، وتعفيهم من الخطأ متناسين أن نتائج مثل هذه السلوكات وما يلحقها من مبررات تنعكس اجتماعياً وإنسانياً على المدى البعيد.

وبصرف النظر عن هوية الفاعلين وعن الأهداف البعيدة لمسرحيات وسائل الإعلام ووسائل التواصل في التغطية على مثل هذه الأحداث، فإن مسألة تأطير الحوادث وتوجيه الرأي العام نحو رأي معين أصبحت لعبة قديمة لم تعد تنطلي على الشعوب.

من الواضح أن التاريخ يستمر في إعادة الحوادث نفسها لأسباب تختلف من حيث التعقيد والبساطة من فلسفة إلى أخرى، وربما يعيد التاريخ نفسه لأسباب أبسط من هذا التعقيد أسباب تتمثل في عدم قدرتنا على التعلم من الدروس ووقوعنا في المشكلات ذاتها لأننا ما زلنا نتمسك بعقلية متحجرة ترفض الخروج عن الموروث المتعارف عليه.

النقطة التي علينا مناقشتها هنا لا تتعلق بالنيل من قدسية الدين وأحقيته من عدمها، ولا تتعلق أيضاً بالتبرير للفاعلين بالانطلاق من النصوص الدينية في مثل هذه الحالات.

إن السؤال الأهم في مثل هذه المواقف على اعتبار أن المجتمعات العربية هي مجتمعات متدينة ومحافظة، ما الذي يدفع الإنسان المتدين إلى تبرير ما يحرمه الدين والتغطية عليه مثل قضية سفاح القربى مثلاً.

تبقى الإحصائيات في مثل هذه الوقائع قاصرة ذلك أنها تبقى تحت تغطية قسرية، إذا لم يكن من الضحية فمن ذوي الضحية ذاتهم الذين يرفضون التحدث أو إفشاء متل هذه الوقائع إلى العلن بدعوى صون الشرف والحفاظ على العفة.

تحاول المجتمعات المحافظة التستر على ارتكاب المعصية وتمنح نفسها هالة مقدسة توحي بالعفة الخالصة  بالرغم من انتشار مثل هذه الأحداث المخلة بالشرف ووجوب عقاب فاعليها وفقاً للنصوص الدينية، فتحافظ على مظهر خارجي هشّ فيما تكون متعفنة ومتآكلة من الداخل ومليئة بوقائع تخلّ بالشرف والدين.

فما الذي يحكم مجتمعاتنا العربية إذن؟ الدين الذي يختبئ خلفه الفاعلون والمبررون أم العرف الذي تسعى الفئات الاجتماعية إلى حمايته والحفاظ عليه ولا تتجرأ على خرقه.

يتميز المجتمع العربي بوضوح مظاهر التدين بشكل واضح، غير أن الحقيقة الواقعية تخفي وراء هذا التدين ارتكاب كثير من الفواحش والموبقات التي تجد الفئات الاجتماعية للتغطية عليها مبررات مختلفة، ذلك أن الالتزام بأداء الشعائر الدينية من صلاة وصيام لا يكفي لاعتبار المجتمع متدين، وإلا فمن باب أولى عدم غضّ البصر الاجتماعي وتكوين وعي جمعي يرفض الانحرافات الاجتماعية من تحرش واحتيال وكذب.

فالموقف الاجتماعي من خرق الدين يتضح في اتخاذ حالة الصمت وعدم التفاعل، بهدف رفض السلوك والتعبير عن الرغبة في الامتناع عنه أو العمل على ردعه على الرغم من مخالفته الصريحة للشريعة.

علاوة على ذلك لا تتخذ الأسرة "الخلية الأولى في المجتمع" موقفاً مخالفاً بل تسعى إلى التكتم وتجميل الغلاف الخارجي للأفعال المشينة التي قد يرتكبها أفرادها، مما قد يزيد عمق المشكلة التي يعاني منها المجتمع إذ قد يصبح الخلل أمراً طبيعياً مع مرور الزمن بسبب التغاضي المستمر عن الخروقات المتكررة.

الدين وحده قد لا يتمكن من تكوين ناظم ورادع لعدم الانزلاق في تلك الهوّة

ينشأ من هذه المفارقة وجود كفتين متباينتين تبينان عدم صحة ادعاء المجتمعات بتمسكها بالقواعد الدينية لحساب الحفاظ على العرف الاجتماعي المتوارث، وهما كفة العرف في مقابل كفة الدين، الأمر الذي يشكل هوّة اجتماعية قادرة على جذب كثير من أفراد المجتمع، فيما يتضح أن الدين وحده قد لا يتمكن من تكوين ناظم ورادع لعدم الانزلاق في تلك الهوّة، ما يحيلنا إلى ضرورة البحث عن ناظم مختلف لحماية المجتمعات يسد عجز القواعد الدينية والاجتماعية، والبدائل موجودة ومتاحة في الدول التي تعمل على تأسيس مجتمع منظم رافض للفساد والمحسوبيات فالمجتمعات التي تحتكم إلى القانون تعد أقوى المجتمعات وأكثرها قدرة على تعزيز الثوابت الأخلاقية الداعمة للحياة الاجتماعية.

كلمات مفتاحية