icon
التغطية الحية

السوريون في قونية.. شارع خاص وعمالة بالآلاف تشكل عصباً لقطاع الإعمار | صور

2023.12.05 | 13:10 دمشق

قونية
مدينة قونية التركية
قونية - عبد الناصر القادري
+A
حجم الخط
-A

على مقربة من مقام الشيخ الصوفي "مولانا جلال الدين الرومي" ومقام رفيقه الشيخ "شمس الدين التبريزي" يعيش عشرات آلاف اللاجئين السوريين في أحياء قديمة من مركز مدينة قونية، أكبر الولايات التركية في وسط جنوبي الأناضول.

لجأ السوريون بدءاً من العام 2013 إلى قونية، المدينة التاريخية التي كانت عاصمة الدولة السلجوقية قبل أن تصبح ولاية عثمانية ثم إحدى أهم المدن التركية المحافظة حالياً، لتوفر فرص العمل فيها ورخص الإيجارات فيها مقارنة مع إسطنبول وأنقرة وإزمير.

تشتهر قونية بأنها إحدى أبرز المدن الصوفية في العالم، والتي يزورها عشرات آلاف المتصوفة والدراويش والمريدين، ما زاد من أهميتها السياحية ونشاطها الاقتصادي.

يبلغ عدد سكان الولاية بشكل عام 2.3 مليون عام 2023، بحسب آخر الإحصائيات الرسمية، يتجمع معظمهم في مركز مدينة قونية.

قونية

عدد السوريين في قونية يتراجع

ويعيش في ولاية قونية نحو 119.778 لاجئاً سورياً، وفق تقديرات رئاسة الهجرة التركية، في الوقت الذي تشير جمعية اللاجئين في تركيا إلى وجود 120.132 لاجئاً سورياً بالولاية، لتكون المدينة التاسعة من حيث تجمع السوريين فيها بنسبة 5.2% من عدد سكانها، إلى جانب نحو 9 آلاف أجنبي من جنسيات أخرى يحملون الإقامة السياحية أو الطلابية.

ويبدو أن عدد السوريين في قونية يتراجع، حيث كان أعداد السوريين لدى إدارة الهجرة بقونية مطلع عام 2023 يقدر بـ 122 ألفاً و986 شخصاً، ما يعني أن عدد السوريين في الولاية قد انخفض بما يقرب 4 آلاف شخص.

وبحسب مصادر صحيفة "مرحبا" التركية، فقد انخفض العدد الكلي للسوريين في قونية بمقدار 10 آلاف شخص منذ حزيران 2022.

وبحسب مصادر محلية لموقع "تلفزيون سوريا" فقد غادر كثير من الشباب قونية بعد الحملة التي قادتها الهجرة التركية على المخالفين ممن ليس لديه "بطاقة حماية مؤقتة أو الكيملك التي يحملها تعود لغير ولاية أو بحثاً عن حياة أفضل عبر اللجوء إلى أوروبا.

شارع السوريين في قونية

"شارع السوريين"

وللوقوف على أوضاع السوريين في ولاية قونية، زار موقع "تلفزيون سوريا" أحد أكبر التجمعات السورية في قونية والذي بات متعارفاً عليه بينهم بـ "شارع السوريين".

في شارع السوريين يوجد كل ما تطلبه العائلة من مطاعم وحلويات وألبسة وأحذية واتصالات وعطور وهدايا وبقاليات ومكاتب ترجمة وتسيير معاملات وغير ذلك من النشاطات الاقتصادية التي تعد مرخصة بشكل رسمي من البلدية ويدفع أصحابها الضرائب مثلهم مثل أي مواطن تركي.

التقى موقع "تلفزيون سوريا" مع عدد من أصحاب الفعاليات الاقتصادية في "شارع السوريين" بقونية، والذين تحدثوا عن أوضاع السوريين في المدينة وأبرز الأعمال التي يشتغلون فيها إلى جانب الإيجابيات والسلبيات التي تواجههم مؤخراً.

مطعم القلعة

وقال أحمد أبو يونس صاحب مطعم القلعة، إن اللاجئين السوريين قدموا إلى قونية لتوفر فرص العمل فيها، خصوصاً في قطاع الإنشاءات إلى جانب المصانع والمعامل والزراعة.

وأضاف في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أن الوضع الاقتصادي في قونية قبل عدة سنوات كان أفضل، من حيث المعيشة وإيجارات البيوت والمحال التجارية.

ولفت أحمد أبو يونس إلى أن متوسط الإيجارات كان لا يتجاوز الـ 1500 ليرة تركية للبيت إلا أنه وصل إلى 10 آلاف ليرة اليوم، يوجد بيوت بـ 7 آلاف ليرة إلا أنها سيئة جداً.

وأردف أن مساحة كبيرة من البيوت والمحال التجارية التي كان يشغلها السوريون في الأحياء القديمة من قونية تم هدمها في إطار خطة البلدية للتحول العمراني ما تسبب بخسائر كبيرة بالنسبة لهؤلاء الناس.

ومعظم المنطقة التي يقطن فيها السوريون ستكون معرضة للهدم خلال العامين المقبلين تقريباً، وإن كان لا يوجد موعد محدد نهائي لكل منطقة، حيث تعمل بلدية قونية الكبرى على بناء مناطق جديدة تم تسريع العمل بها خصوصاً بعد الزلزال المدمر الذي حصل في جنوبي تركيا وشمالي سوريا في شباط 2023.

هدم

"نصف زبائني أتراك"

وقال أحمد أبو يونس إنه يوجد عدة مطاعم سورية في قونية تقدم جميع المأكولات السورية المعروفة، إلا أنه في مطعمه يقدم كل ما يخص المطبخ الحلبي تقريباً باستثناء المعجنات، حيث لديه الشاورما والمشويات الحلبية والأسماك والوجبات الكبب والمناسف المجللة باللحم أو الدجاج حسب التواصي إلى جانب الوجبات الغربية.

وبيّن أن الإقبال في المطعم ممتاز خصوصاً في الفترة بين بداية الشهر حتى منتصفه، حيث يتراجع الإقبال نوعاً ما في الأسبوع الأخير مع انتهاء الراتب لدى كثير من الناس، لافتاً إلى أنه حين افتتح المطعم كان نصف الزبائن من الشعب التركي إلا أن العدد تراجع مع تردي الوضع الاقتصادي بالعامين الأخيرين.

ولفت إلى أن المطعم مرخص ويدفع الضرائب بشكل نظامي، ولديه "معلمو" شاورما ومشاوي وطبخ شرقي ووجبات غربي إلى جانب العمال الآخرين، وجميعهم سوريون.

وأوضح أبو أحمد يونس أن يومية المعلم لا تقل عن 850 ليرة مع الأكل والشرب والسكن، ويومية العامل لا تقل عن 650 ليرة مع المأكل والمشرب والمسكن أيضاً.

ما أهمية قونية اقتصادياً؟

تعد قونية العاصمة الزراعية لتركيا بما تمتلكه من مساحات زراعية واسعة جداً تلبي نحو 40 بالمئة من البذور والحبوب في الجمهورية التركية، ومن أبرز المدن في الثروة الحيوانية وتربية المواشي وإنتاج الحليب والبيض.

وهي من المدن الرائدة صناعياً، حيث توفر فرص عمل للاقتصاد التركي من خلال 9 مناطق صناعية منظمة، و19 موقعاً صناعياً صغيراً مدعوماً من وزارة الصناعة، و15 موقعاً صناعياً في وسط المدينة، و11 موقعاً صناعياً في أطراف الولاية، و14 موقعاً صناعياً خاصاً.

وتنشط الولاية في مجال صناعة المعادن وقطع غيار السيارات والآلات والمسبوكات وصناعة الألبسة النسائية والأحذية والسلع الغذائية وغير ذلك، وهي مركز تصدير أساسي أيضاً.

وتعد اليد العاملة السورية أكبر كتلة عمالية أجنبية في المدن الصناعية والورشات بقونية، حيث يوجد عشرات الآلاف من العمال والذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور أو أكثر بقليل مع وجبة غداء يومية بمقدار عمل لا يقل عن 10 ساعات يومياً.

ويعاني كثير من العمال السوريين من انخفاض قيمة الرواتب وعدم وجود تأمين صحي أو ضمان اجتماعي (سيكورتا)، وذلك بسبب أصحاب المعامل أو المصانع وليس في تقصير منهم، حيث يفضل من التقى بهم "تلفزيون سوريا" أن يحصلوا على (سيكورتا) ليكون وضعهم قانونياً 100% ويضمنوا حقهم في حال حدث أي مشكلة أو إصابة عمل.

وفي وقت سابق قال عضو مجلس إدارة غرفة صناعة قونية حسين كيليش، إن "اللاجئين السوريين يلعبون دوراً نشطاً في الحياة اليومية والصناعية في قونية".

السوريون

عمالة أساسية في قطاع الإنشاءات

كما يعمل السوريون بشكل واسع في قونية بقطاع الإنشاءات وبشكل أقل في قطاع الزراعة بحسب مصادر محلية في المدينة، حيث ينمو القطاع بشكل دائم في الولاية مع التمدد العمراني وخطط التحول التي تقودها الحكومة.

وتبدأ يومية العامل في مجال الإنشاءات من 750 ليرة للعامل المبتدئ وتصل حتى 1500 ليرة بالنسبة للمعلم الخبير في المهنة.

وقال أبو عمر الحلبي العامل في مجال الإنشاءات، إن السوريين يعملون في مجال الإعمار منذ قدومهم، لأنه المجال الأسهل في إيجاد فرصة عمل رغم صعوبته والتعب الناتج عنه.

وأضاف الحلبي أن المواطنين الأتراك لا يفضلون هذا العمل رغم أنه يحقق عائداً مادياً أفضل من الراتب المقدر بالحد الأدنى فقط، ولكن معظم الناس يميلون إلى الراحة.

ولفت إلى أن من بين الصعوبات في قطاع الإنشاءات أنه مواسم حيث يتراجع في فترة البرد القارس بين منتصف كانون الأول ومنتصف شباط.

وفي إطار ذلك قال شعبان طوبال أحد أشهر المقاولين في قونية، إن مواصلة البناء في الولاية مستمرة بفضل العمال السوريين والأفغان، بحسب صحيفة "مرحبا" المحلية.

وقال المقاولون الذين أنتجوا منازل جديدة إن عام 2023 يلبي توقعاتهم، وإنهم متفائلون بعام 2024. وبيّن طوبال أن أكبر مشكلة يواجهها القطاع اليوم هي مشكلة العمال. ويخشى أنه إذا انسحب العمال السوريون والأفغان من هذا القطاع، فإن العمل سوف يصل إلى طريق مسدود.

وقال طوبال، "لا يوجد كثير من الحرفيين والعمال الأتراك. ذهب بعض العمال الأتراك إلى منطقة الزلزال، لكن مشكلة عمالة الإنشاءات أكبر من المتوقع. نقوم بشكل عام بتوظيف حرفيين وعمال سوريين وأفغان. إذا اختفى هؤلاء، سنغلق أعمالنا".

وبخصوص الرواتب أكّد طوبال أنها "تبدأ من الحد الأدنى للأجور وتزيد حسب الخبرة. واليوم، يتراوح الأجر اليومي للعامل بين 1200 و1500 ليرة تركية".

تراجع القوة الشرائية

ورغم الهدم الذي أصاب أجزاءً من شارع السوريين في قونية، إلا أن المحال التجارية السورية المتنوعة ما زالت تنظر بإيجابية إلى سير الحياة وهدوئها في قونية على عكس إسطنبول كما أخبرنا العديد منهم.

وقال عبد الحي النايف صاحب بقالية الإخوة، إنه كان يعمل في الإنشاءات قبل أن يؤسس بقالية يبيع فيها المنتجات السورية والتركية.

وأضاف النايف المنحدر من ريف حلب الشمالي في حديث لموقع "تلفزيون سوريا"، أن إيجار المحال ارتفع بنسب عالية أكثر من نسبة 25% التي حددتها الحكومة، حيث ارتفع إيجار محله من ألفي ليرة إلى ثلاثة آلاف ليرة.

وأردف أن الناس تعودت إلى حد بعيد على ارتفاع الأسعار، حيث لم تعد تحسب الزيادة مثل بدايات التضخم، وإن تراجعت القوة الشرائية للناس بشكل عام.

وأشار النايف الذي يعمل مع أخيه الشقيق في البقالية إلى أن الأرباح العائدة من العمل كانت أفضل قبل أن تهدم البلدية أجزاءً من شارع السوريين، إلا أن انتقال الآلاف من الأشخاص تسبب بتراجع المبيعات لدينا.

ولفت إلى أن معظم بضاعته يجلبها من محال الجملة في "التوبتانجي" بقونية، وبين التجار 7 إلى 8 سوريين والبقية أتراك.

ويتوفر في البقالية كل المنتجات السورية تقريباً من زيت وزعتر وأجبان وألبان وحلاوة وزيتون ومعلبات، إلى جانب الخبز السوري الذي يحصل عليه من الأفران السورية الثلاثة الموجودة في قونية.

ويبلغ سعر الربطة الصغيرة 7 ليرات والمتوسطة 9 ليرات والكبيرة 12 ليرة، والسوريون بشكل عام يفضلون الخبز السوري ولا يتقبلون الخبز التركي التقليدي.

وأكّد النايف الذي عمل في إسطنبول لعدة سنوات أن "الحياة في قونية أفضل بكثير وأريح والحمد لله رزقتي جيدة في المدينة والناس طيبون ومحترمون والعنصرية قليلة جداً".

عبد الحي النايف

خريج فلسفة في مجال الألبسة

وحتى في قطاع الألبسة، للسوريين في قونية حضور جيد سواء عبر المحال التجارية الرجالية أو النسائية، وإن كانت مصانع الولاية تنتج الألبسة النسائية بشكل واسع.

وقال فراس أبو محمد صاحب ألبسة "الأسطورة" إنه يأتي ببضاعته من ألبسة رجالية وأحذية من إسطنبول وغازي عنتاب عن طريق تجار أتراك وسوريين.

وأضاف أبو محمد لموقع "تلفزيون سوريا" أنه يعمل في مجال الألبسة منذ 4 سنوات، رغم أنه خريج فلسفة في جامعة حلب، إلا أن إيجاد عمل في هذا المجال صعب جداً.

ولفت إلى أن محله مرخص بشكل رسمي ويدفع الضرائب شهرياً، مشيراً إلى أن 80 بالمئة من الألبسة التي لديه من معامل تركية و20 بالمئة موديلات تركية.

وأكّد أن أسعار الألبسة لديه أرخص من السوق التركي بنسب عالية، ولديه إقبال من بعض الأتراك أيضاً، إلا أن أبرز الزبائن من الشباب السوريين.

ألبسة