الروبوت حكماً في كأس العالم بقطر.. هل تتجه كرة القدم إلى الأتمتة؟

تاريخ النشر: 22.06.2022 | 20:08 دمشق

اختفت آلاف الوظائف التي عرفها العالم لعقود، ولن تجد آلاف الوظائف التي نعرفها الآن طريقها للمستقبل القريب، وقد بدأ العالم يتجهز لذلك بالفعل، والسبب الذكاء الصناعي الذي سمعت عنه الكثير مؤخراً، والذي لم يترك مجالاً إلا دخل فيه، ويبدو أنه وجد طريقه لكرة القدم أيضاً.

ظل العنصر البشري هو المتحكّم الوحيد في اللعبة لعقود، من الإدارة إلى التدريب إلى التقاط المواهب، دون أي مساعدة تكنولوجية، ثم تطورت الأمور قليلاً، حتى شاهدنا برامج تحليل البيانات التي تساعد المدربين، والأنظمة التكنولوجية التي تساعد الحكام، لكن إلى أين وصلنا؟

لا حكّام

التحكيم هو أبرز المجالات التي يسعى الجميع لأتمتتها بالكامل، فمهما بلغت قدرة ومهارة العنصر البشري فنسبة الخطأ كبيرة ومؤثرة، وكمية الأحداث في المباراة الواحدة أكبر من استيعابها، ويخضع جزء كبير من القرارات لتقدير الحكام الشخصي.

كانت "تقنية عين الصقر" بداية التكنولوجيا مع التحكيم، والتي استخدمت لتحديد هل عبرت الكرة خط المرمى أم لا؟، وهو نظام يُثبّت على جانبي المرمى، ويعطي الإشارة للحكم مباشرة.

أعقب ذلك الاختراع الأهم، وهو حكم الفيديو المساعد (VAR)، والذي يسمح للحكم بمراجعة قرارته، ويجلس في الغرفة حكام يتابعون المباراة عبر الشاشات لتنبيه الحكم إن فاته شيء.

اقرأ أيضاً.. قوانين جديدة ستغير كرة القدم..ما هي؟

وفي حين ساعد الـVAR في تقليل الأخطاء، فقد نبه الجميع إلى أجزاء ما زالت تحتاج إلى تطوير ولا يجيد هو التعامل معها، منها تحديد التسلل، حيث تكمن المشكلة في تحديد اللحظة الصحيحة لخروج الكرة من قدم اللاعب، وتحديد هل يقف اللاعب في التسلل أم لا بشكل دقيق.

وبعد 3 أعوام من الـVAR خرج الفيفا للجميع بحل هذه المشكلة، أو بداية لحلها على الأقل، وهو نظام التسلل الذكي الذي طُبّق في كأس العرب الماضية، وهو نظام من 12 كاميرا مثبّتة أعلى الملعب، يتابع المباراة بتأخير نصف ثانية عن البث الحي باستخدام تقنية تتبع الهيكل العظمي، التي تحدّد ما إذا كان اللاعب متسللاً أم لا، وكذلك يحدد اللحظة الدقيقة لخروج الكرة من قدم اللاعب.

خضع النظام للتجربة في عدة أماكن، وسيكون هو والروبوت الذكي الذي يحدّد التسلل حاضرين في كأس العالم المقبلة في قطر 2022.

طبقًا لـ أرسين فينغر - مدير قسم التطوير  في الفيفا - فإنّ الأمر لن يتوقف على هذا، ومزيد من تطبيقات الذكاء الصناعي ستجد طريقها للتحكيم في الفترة المقبلة، لنتمكن من تقليل الأخطاء إلى أقصى حد ممكن.

والخطوة المقبلة هي أن يساعد الذكاء الصناعي في اتخاذ القرار التحكيمي، وبوساطة مخزون من اللقطات السابقة يمكن أن يتخذ الذكاء الصناعي القرار بنفسه، بطريقة مماثلة لما يحدث في ألعاب الفيديو حالياً.

وطبقاً لـ جوناثان ويلسون - كبير محرّري صحيفة "غارديان" البريطانية - فبالإمكان تغذية الذكاء الصناعي بآلاف الأمثلة للمسات اليد، وبالتالي يكون قادراً على تحديدها والحكم عليها طبقاً لسابق معرفته، ويخرجنا بذلك من نسبية تقدير الحكام، وإذا حدث هذا في لمسات اليد، فسينسحب على باقي الحالات التحكيمية.

وقريباً ربما لا نرى حكّاماً في الملعب، ونستبدلهم بطائرة صغيرة تحلّق في الملعب لتبلّغ اللاعبين بقرار الذكاء الصناعي، من دون تدخل بشري.

لا مدربين

قبل أعوام كان المدير الفني يعمل منفرداً تقريباً، يرى بعينه ثم يتخذ القرارات، بعد ذلك ظهرت عدة أدوات لتساعده، أبرزها بكل تأكيد، كانت البيانات، والتي تطورت عبر محطات عديدة، وتداخلت مع كرة القدم تدريجياً حتى لم يعد جهاز فنّي يخلو من محلل للبيانات، وأحياناً فريق متكامل من عشرات الأشخاص كما يحدث في مانشستر سيتي وليفربول.

ازدهر تحليل البيانات عبر جميع المجالات مؤخراً، وفي كرة القدم تحوّلت البيانات من مجرّد معلومات عن كم سدد اللاعب وكم راوغ، إلى معلومات أعمق، حول كيف سدّد، كيف راوغ، وماذا كان متاحاً أمامه، وأصبحنا نشاهد بيانات أقرب للتحليلات مثل "XG ,XPTS".

هذه أرقام تعطي مؤشراً لما كان متوقعاً من اللاعب، بصرف النظر عمّا قدمه فعلياً، XG على سبيل المثال يوضح لك قابلية الفرص التي أتيحت للاعب للتسجيل ومدى جودتها، لتقارن ذلك بما سجله، تنتج هذه البيانات عن معادلات وخوارزميات معقدة، تسمح للمدربين بتقييم اللاعبين بشكل أفضل، وأكثر موضوعية.

يتطور هذا النوع من البيانات بسرعة هائلة، وفي كل موسم يخرج عدد من الإحصائيات لم نشاهده من قبل، ومع الوقت أصبحت المباراة بالكامل تتحوّل إلى بيانات رقمية، يمكن للآلة فهمها والتعامل معها.

ورغم أن الذكاء الصناعي يلعب دوراً مهماً في إنتاج هذه البيانات، فهو يتخطّى هذا الأمر الآن ليقدّم تنبؤات واقتراحات طبقاً لهذه البيانات التي يملكها.

الخطوة القادمة أنه عندما يواجه فريق فريقا آخر، فإن كل ما عليهم ببساطة، أن يمنحوا الذكاء الصناعي بيانات الخصم، وهو سيقرّر الطريقة المناسبة لاستغلال ثغراته، والحد من تفوقه، وقريباً سيعرف الروبوت طريقه لخط التماس كما يتوقّع أرسين فينغر، مدرّب أرسنال التاريخي.

على  مستوى أكبر يمكن لأنظمة الذكاء الصناعي المتطورة التنبّؤ بإصابة اللاعب طبقاً لمعلوماتهِ البدنية السابقة وتاريخ إصاباته، والبيانات الصادرة من جهاز GPS، الذي يرتديه في الملعب، وقد يخبر المدرب عبر إشعار بضرورة استبداله في الحال لتجنب الإصابة.

نحن هنا لا نتحدث عن تقنية للمستقبل، هذه خدمات تقدمها أكثر من شركة حالياً، ويطبق في عدة أندية الآن مثل خيتافي الإسباني.

لا كشّافين

تدين كرة القدم بالكثير من شعبيتها لهؤلاء الكشّافين، وربما لا تعرف أنت اسم أي واحد منهم، لكن المئات من أعظم مواهب الكرة التقطته أعين هؤلاء الكشافين.

بدون هؤلاء، لم نكن لنشاهد مودريتش أو ميسي ورونالدينيو، وعين الكشاف ومهارته وتنقله المستمر كانت هي العنصر الفارق في قدرته على التقاط المواهب.

لكن مهما بلغت قدرة الكشّاف فهو لا يمكنه أن يشاهد سوى مباراتين في اليوم على الأكثر، ولن يتابع 22 لاعب في الوقت نفسه وإنما يكتفي بـ2-3 لاعبين في كل مرة.

لذلك كانت البيانات ثورة حقيقية في هذا المجال، فبينما كان يذهب الكشّاف لكولومبيا أو البرازيل ليشاهد لاعبا، بات بإمكانه الآن أن يحصل على بياناتهم من الشركات المختصة ويقارنها ليعرف من يستحق المشاهدة حتى لا يضيع وقته.

طبقاً لـ مونشي رودريجيز - المدير الرياضي لإشبيلية - فإنه يستخدم نظام ذكاء صناعي متطور يغذيه باحتياجات الفريق وقائمة ضخمة لبيانات لاعبين من جميع أرجاء العالم، ويحدّد له النظام أنسبهم للفريق، وبعدها يتحرك لمتابعته والتفاوض معه.

شهد نظام الكشّافة ثورة أخرى في الأونة الأخيرة ربما تكون فارقة للغاية، وهي أن الكشّاف لم يعد بحاجة ليذهب لمتابعة اللاعب من الأصل، بل يكفيه تطبيق على حاسوبه يمنحه وصولاً لآلاف المواهب حول العالم.

النظام يسمى "Ai scout" وهو نظام قائم بالكامل علي الذكاء الصناعي، ويطلب من كل ناشئ أن يسجل فيديو لنفسه يؤدي بعض المهارات المطلوبة، مثل التسديد والتمرير والمراوغة.

وبوساطة تقنيات مثل تتبع الأطراف، يمكن تقييم مهارة هذا الناشئ في المهارات المختلفة، ويحدّد التطبيق الأعلى تقييماً من بينهم ويعرضهم على الأندية، والتي تبدأ في استقدامهم وضمهم إلى أكاديميتها دون عناء ودون أن يذهب كشاف واحد لمشاهدته، ويضم التطبيق الآن أكثر من 12000 لاعب.

وتستخدمه أندية مثل تشيلسي وبيرنلي، وبقليل من التطوير، فإن كرة القدم لن تحتاج للكشافين مجدداً، ووظيفة عمرها من عمر اللعبة قد تختفي على يد الذكاء الصناعي.

لا منظمين

مع بداية كورونا، سعى المسؤولون عن الرياضة لتقليل الأعداد الموجود بالملعب قدر الإمكان، وقادهم ذلك للعديد من الابتكارات ربما لا تقتصر على أوقات الوباء فقط.

نظام التذاكر الجديد في العديد من الملاعب لا يتضمن أي عنصر بشري، ويعتمد بشكل أساسي على نظام تمنحه معلوماتك ويخرج لك التذكرة، وبعد ذلك تكون عملية الدخول عبر نظام آخر يمكنه التعرّف إلى وجهك وتحديد ما إذا كان بإمكانك الدخول أم لا، وهو ما سمح بتسريع عملية الدخول ومنع التكدس.

ليس ذلك فقط، في أولمبياد طوكيو الماضي، كانت الخدمة داخل الملاعب معتمدة بالكامل على مجموعة من الروبوتات من إنتاج شركة تويوتا، تولّت جميع الأعمال التي شغلها البشر سابقاً، ولم يعد هناك حاجة لعشرات من الأشخاص كانوا يتولون تلك الأدوار، وقريباً ستستخدم قطر أنظمة مماثلة في كأس العالم 2022.

بعد كل ذلك، ستدرك أن الذكاء الصناعي قد قطع كثيرا من الخطوات في طريقه ليستحوذ على اللعبة ككل، وسواء أرضينا أم لا، فكرة القدم تتجه نحو الأتمتة، وربما قريباً لا نرى بشرًا سوى اللاعبين، وعندها ستكون تجربة مثيرة، لا نعلم إن كنا سنحبها أم لا.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار