الحرية بين النسبي والمطلق

تاريخ النشر: 03.11.2021 | 05:44 دمشق

آخر تحديث: 03.11.2021 | 09:28 دمشق

قراءة في كتاب مقالة في الحرية

الحرية مفهوم من المفاهيم التي دار حولها جدل كبير لعلاقتها بالوعي والإرادة والعقل والمشاعر، وحتى طبيعة الأفعال التي يقوم بها الإنسان في الوقت الراهن وما ينوي فعله في المستقبل فإن الحرية جزء جوهري من بنيتها ووجودها وكيفية إنجازها. وتصعب الإحاطة بمفهوم الحرية بشكل كامل ومنجز لتشابكها مع كل مفصل من مفاصل الحياة الاجتماعية والخبرات المتراكمة عبر التاريخ، وتقاطع مفهومها مع كثير من المفاهيم التي تُعرَّف بها ومن خلالها، لذلك سعى الأدب والفلسفة والدين إلى مقاربة مفهومها كلٌ من وجهة نظره ومرجعيته الفكرية، لكنها أجمعت كلها على أن الحرية مقوّم أساسي من مقومات وجود الإنسان لذلك ناضل الناس من أجل الحصول عليها والعيش في كنفها لتأكيد إنسانيتهم وكرامتهم. ولأن التفكير بالحرية ملازم للوجود الإنساني كانت دائماً من أهم الموضوعات الفلسفية التي شغلت المفكرين والمثقفين والباحثين عبر التاريخ وما زالت تقدح أفكارهم حتى اليوم.

ومن بين المفكرين الذين اهتموا بهذا الموضوع كان عزمي بشارة في كتابه مقالة في الحرية، هذا الكتاب الذي نبش كثيراً وحفر معرفياً في هذا المفهوم وما أفرزته صيرورة التطور الإنساني من أسئلة وإجابات حوله.

على الرغم من إيمانه أنه لا حرية بشكل كامل، بل بشكل نسبي ومحدود وناقص، وإن محدودية فهمنا للعالم ليست قيداً على الحرية، بل هي أساسها، يحاول عزمي بشارة في كتابه مقالة في الحرية أن يبين رؤيته لمفهوم الحرية مبتدأ من فرضية "أن الحرية كقيمة تعني الحريات، أما الحرية الأنطولوجية والحرية المطلقة والحرية المجردة فهي ليست قيماً".

إن هذا الإيمان بالنسبي ومحدودية فهمنا للعالم فتح أفقاً لخيارات عدة تطول تعريف الحرية نفسه، ولم يقتصر على الوقوف عند تعريف أو توضيح واحد لمفهوم الحرية، ويمكن ملاحظة هذا التوجه من خلال ورود كلمات تحيل إلى خيارات أخرى مثل استعماله: بـ "اعتقادي، ومن وجهة نظري، ويمكن، وربما،..." وهذه الكلمات أو العبارات إن دلّت على شيء فإنها تدل على انفتاح بشارة على خيارات أخرى مفتوحة غير ما توصل هو إليه في هذه اللحظة؛ فمحدودية فهم الحرية هي جزء لا يتجزأ من محدودية فهمنا للعالم، والقول إن ما تم التوصل إليه هو المنجز النهائي لمفهوم الحرية يتنافى مع محدودية فهم العالم والذي هو أساس الحرية.

يحاول بشارة أن يستجلي الخيارات التي انساق إليها مفهوم الحرية عبر تطوره مع الزمن وما رافقه من تحولات ورؤى نظرية وفلسفية وتغيرات اجتماعية وسياسية أثّرت في تلك الخيارات لمفهوم الحرية، ويبدأ من الرؤية العربية الإسلامية لهذا المفهوم حيث يرى أن النهضويين العرب حاولوا "أن يزرعوا بعض التصورات الحديثة للحرية بالتاريخ والفكر الإسلاميين بأثر رجعي،…، كاستراتيجية في التعامل مع مجتمع تقليدي تسيطر عليه قوى محافظة من خلال تأصيل مفاهيم حديثة وتجذيرها في التراث الإسلامي، وللدقة تبيِئتها"، ولكنه يأخذ على النهضويين العرب أنهم "تعاملوا بانتقائية مع آخر تجلياتها كحريات شخصية ومدنية وسياسية". وللانتقائية من وجهة نظره وجهان: "الأول، تجاهل الليبراليين العرب الأوائل تاريخية هذه الأفكار وحذف سياقات تطورها. وهذا الحذف هو، كما يبدو، من متطلبات عملية تطبيقها جاهزة على تاريخ آخر. والثاني تأويل الإصلاحيين الإسلاميين الأفكار بشكل يتسق مع العقيدة الإسلامية في حالات، أو تأويل العقيدة كي تتسع لهذه الأفكار"، ويستعرض في هذا السياق أفكار بعض المثقفين العرب في بداية الحداثة العربية ودورهم في مقاربة مفهوم الحرية متأثرين بالفكرة الأوروبية عن الحرية.

ولأن مفهوم الحرية من وجهة نظر بشارة لم ينشأ دفعة واحدة بل تطور بالتدريج وعبر التاريخ كان لا بد له أن يعود لتلك الأفكار التي تأثر بها المثقفون العرب في بداية الحداثة وبنوا عليها تصورهم للحرية ليناقشها ويُكوّن تصوره الخاص عن مفهوم الحرية وتطوره.

يبتدأ بشارة بسؤال بديهي الإجابة وهو: "هل يولد الناس أحراراً؟"، ويكسر بديهياتنا فيجيب: "لا"، "لا يولد الناس أحراراً"، فمن وجهة نظره "أن الإنسان لا يولد حراً، فكرياً وجسدياً وإرادياً، لأن شروط الحرية ومكوناتها، أي الوعي والإرادة، لا تتوافر في المولود البشري عند ولادته مباشرة" وإن "الحرية في تكوينها الإنساني صيرورة تبدأ باكتساب القدرات العقلية والإرادة. وشرط التحرر هو وعي الحاجة إلى الحرية، أي وعي نقصها، ثم فعل شيء من أجل تحقيقها". لكن بالتأكيد إن وعي نقص الحرية مشروط بأن تكون معرّفة أو مفهومة، لذلك غاص بشارة بالعمق الفلسفي لمعنى الحرية، محاولاً مقاربة ذلك المفهوم من وجهات نظر مختلفة تاريخياً واجتماعياً وفلسفياً في تعبيرها عن مفهوم الحرية، فيعرّج على المفهوم الأنطولوجي للحرية ويعتبر أن الحرية الأنطولوجية لا تتعلق ببنية الوجود، بل ببنية الوجود الإنساني، ولا حرية ببنية الموجود بذاته، ولا حرية أنطولوجية خارج وجود الحرية ذاته في العقل والإرادة، ويقف عند مفهوم كانط للحرية من حيث كونها استقلالية للذات، العقل فيها يضفي العليّة على الواقع كي يفهمه و"تتوافر فيه قدرات سابقة على التجربة الحسية ومنها القدرة على التجريد، والقدرة على فهم الأشياء كفئات". ويوضح بشارة القصد عند كانط حيث يقول: "وفي العقل الأخلاقي، ثمة قدرة على الحكم. وهذا ما يجعل ثمة وظيفة متعالية للعقل هي أساس الحرية (الموجبة إذا أردنا)، والإرادة الحرة القادرة على الاختيار. ثم يحصل الانتقال من هذه الحرية المعطاة في العقل إلى الحرية السالبة الكامنة في نفي القيود على الحرية، والعمل على إزالة المعوقات أمام حرية الاختيار والمتجسدة في الفرد المتشكل ذاتياً والمشرع لذاته أخلاقياً".

وبعد أن يتطرق بشارة لكانط ومفهومه للحرية يبين معارضة هايدغر لهذا الفهم من حيث إنه حرية الإرادة المستقلة العقلانية، حيث يفهم هايدغر "الأنا أو الذات باعتبارها مؤسسة أنطولوجياً على ممارسة الإنسان الذي يجد نفسه "هنا" مقذوفا في هذا العالم. وهو يتجاوز مقذوفيته بداية بعلاقة الاهتمام بما حوله"، ويركز بشارة على تأسيس أنطولوجي آخر عند هايدغر "وهو وجود حقل للحرية يقوم على عدم اليقين المعرفي"، ويبين بشارة "أن الأمر العقلاني في ما يجمع بين هايدغر وفوكو وآخرين يعارضون الرؤية الكانطية للحرية باعتبارها عقلاً وإرادة، هو إجماعهم على أن وقوف الإنسان حراً في العلاقة مع العالم ومع الذات ومع الالتزامات الأخلاقية هو أن يعرف أن موقفه لا يستنزف الاحتمالات كلها الصالحة وذات المعنى". ويلتقط بشارة ما يؤكد مقولة لا حرية بالكامل بل بالنسبي والمحدود والناقص عند هايدغر وفوكو على طريقته "لا يعني اعتراف الإنسان بمحدوديته في حالته الدنيوية المعطاة. وإدراكه أن المعرفة المطلقة للذات والعالم غير ممكنة حتى من حيث المبدأ، نهاية الحرية بل بدايتها"، وهو ما تؤكده الفلسفة الوجودية حيث رأى كيركيغارد، قبل هايدغر أن "كل إمكان يعني أيضاً إمكانات واحتمالات. الحرية هاوية لانهائية من الإمكانات".

ولأن الحرية في فلسفة هيجل إشكالية من حيث التركيز الكبير على الضرورة التاريخية والروح المطلق، والعقل الكلي، وجدلية حل التضاد بين الحرية والضرورة، والدور الكبير الذي يعطيه هيغل للدولة والقانون. كان لا بد لبشارة أن يبين أن هيغل "في محاضراته في فلسفة التاريخ جعل الحرية جوهر الإنسان لا في كيانه الملموس أو الاجتماعي التاريخي، بل في ماهيته، بمعنى أن الحرية هي العنصر المكون لمفهوم الإنسان والإنسان يكتشف ذلك ويتعرف إليه بالتدريج من خلال تقدم تجليات الفعل في التاريخ، حتى يلتقي الإنسان مع جوهره الكامن في الحرية".

لا يغيب عن بال بشارة الماركسية التي تبنت الحرية من منظور هيغل لكن بشكل مقلوب "من دون أن يكون مصدرها الله طبعاً، فمصدرها الإنسان ذاته

ويقول بشارة إن "أيديولوجيات معينة اختارت الاستناد إلى المنهج الهيغلي في جدلية الحرية التي لا تقف عند حد، ونفي كل قيد، وتمثل أساساً للحريات كما بيّن هو ذاته. واختارت أيديولوجيات أخرى التوقف عند نسقه الفلسفي الشامل حيث تتموضع الحرية في كل مرحلة كقوانين للدولة. وتجمع فلسفة هيغل العنصرين ولا يمكن فهمها إلا من خلال هذا الجمع". ولا يغيب عن بال بشارة الماركسية التي تبنت الحرية من منظور هيغل لكن بشكل مقلوب "من دون أن يكون مصدرها الله طبعاً، فمصدرها الإنسان ذاته، بيد أن شرط تحققها زوال الاستغلال الاجتماعي، والعلم الذي يحرر الإنسان من الخضوع للطبيعة". وهو ما يعارضه بشارة عندما يتحدث عن تفسير أنجلز لعلاقة الحرية بالضرورة فيقول: "إن معرفة قوانين الطبيعة والكون لا تحرر الإنسان من الخضوع لها إذا لم تحسم قضية جوهرية لا يحلها العلم وهي الفصل بين الوعي وحرية الإرادة من جهة، وقوانين الطبيعة من جهة أخرى، لأن الحرية والإرادة قائمتان في الكائنات العاقلة"، ومن ذات المنطلق والمفهوم يعارض مفهوم الحرية الكوزمولوجية لأن "الحرية في الوعي وفي الممارسة الإنسانية وليست في الكون القائم خارج الوعي الإنساني". وإذا كان أحد الخيارات الممكنة لمقاربة مفهوم الحرية هو أنها ملكة اختيار إنساني فهذا لا يعني أن كل قدرة على الخيار هي حرية بالمعنى الذي يصلح لتعريفها، فالخيارات في الاستدلال العقلي ليست نتيجة ممارسة حرية حيث "لا حرية في الاستدلال العقلي في حد ذاته، وهو ليس انتقالاً بين خيارات حرة، بمعنى الإرادة الحرة، فلا دور للإرادة في هذه الحالة".

لم يكن تطرق بشارة لمفهوم الحرية فلسفياً عبر محطات مهمة وفلاسفة مهمين شكلوا مدارس عبر تاريخهم استعراضاً للعضلات في قدراته الفلسفية بل كان حفراً عن المفهوم ودلالاته في كل مرحلة، ولم يعتبر بشارة أياً من تلك الرؤى الفلسفية مفهوماً منجزاً للحرية بل اعتبره إمكانية وخياراً ينفتح على خيارات أخرى لها علاقة بدلالة المفهوم المرتبطة باللحظة التاريخية وكل مكوناتها الاجتماعية والسياسية والعلمية.

وحتى يكون هذا الغوص في البعد الفلسفي لمفهوم الحرية ذا قيمة في رأيه "لا بد أن تكون تنظيرات فلسفية في مجال الأخلاق، وتتمحور حول مقولتين: شرط الأخلاق حرية الإرادة، والحرية قيمة.

ولأن الحرية ليست مفهوماً منجزاً ومكتملاً، ولأن عدم اكتمالها كمفهوم هو أساس الحرية في البحث عن مفهوم جديد لها في كل مرحلة لذلك "تقوم جدلية التحرر…، على أن كل مرحلة من تحقيق الحريات تنتج قيوداً جديدة على الحرية تحملها البنى والمؤسسات التي تمارس في إطارها هذه الحريات، ما يدفع للتحرر منها، ونشوء مركبات جديدة من الكينونة والحرية تحمل إمكانات تطور جديدة". ولمقاربة مفهوم الحرية والتعرف إليها أكثر تطرق بشارة إلى بعض المصطلحات في الأدبيات الفلسفية التي تعنى بمفهوم الحرية مثل الحرية السالبة والحرية الموجبة فيقول: "إذا كان تعريف الحرية الموجبة هي الشرط الإنساني المتمثل بالوعي والإرادة فإن الحرية السالبة تعني نفي القيود، إنها التحرر من إكراه الناس على اتباع نمط حياة مفروض"، ويؤكد على أن "الحرية كقيمة، التي تتجلى في الواقع كحريات فإنها سالبة وموجبة في الوقت ذاته".

يبين بشارة أن العلاقة بين الحريات الشخصية والحريات المدنية والسياسية متكاملة ولا يجوز الفصل بينها لأن "الفرد كائن واحد متكامل يصعب منحه حريات سياسية مدنية وحرمانه من الحريات الشخصية في الوقت ذاته"

وبعد الغوص في البعد النظري والفلسفي لمفهوم الحرية يقف بشارة عند بعض الأسئلة العملية الكبرى المنبثقة من التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والتي أساسها مسألة الحرية واحترام عقل الإنسان العربي وإرادته، وتكون الإجابة دائماً على هذه الأسئلة منسجمة مع رؤيته لمفهوم الحرية لكونها حريات وقيمة، وممارستها هي أساس الوعي اللازم لممارسة الحرية السياسية والحرية الشخصية والمدنية "وتؤدي ممارسة الحرية إلى أخطاء وربما إلى كوارث، لكن لتصحيح المشكلات الناجمة عن استخدام الحرية، سنحتاج إلى حرية، مثلما نحتاج عقلاً لتصحيح أخطاء العقل".

ويبين بشارة أن العلاقة بين الحريات الشخصية والحريات المدنية والسياسية متكاملة ولا يجوز الفصل بينها لأن "الفرد كائن واحد متكامل يصعب منحه حريات سياسية مدنية وحرمانه من الحريات الشخصية في الوقت ذاته"، وأن حرية رأيه لا معنى لها من دون التعبير عنها في الفضاء العمومي أي لا يمكن أن تكون حراً بالتعبير عن رأيك وأنت تتحدث مع نفسك، مهما كانت الأفكار التي تحملها عظيمة وذات دلالات إنسانية، ولا يمكن تحقيق حرية الفرد إذا كانت الجماعة التي ينتمي إليها غير حرة، وواقعة تحت الاحتلال أو أنها تتعرض لسياسة تمييز عنصري كجماعة.

ويجيب بشارة عن سؤال الأولوية للمساواة أم للحريات؟ بقوله: "العدل غير ممكن من دون الحريات، والحريات غير ممكنة من دون إنصاف في توزيع شروط تحققها وممارستها وهي التعديلات التي يدخلها باستمرار ذلك التفاعل الجدلي بين المبدأ الديمقراطي، والمبدأ الليبرالي".

وفي النهاية هل يمكن القول إن كافة الإجابات استُنفدت حول مفهوم الحرية؟ بالتأكيد لا، بل فتح بشارة باباً لمزيد من الأسئلة وأفقاً مفتوحاً من الخيارات، لأن الإجابات المكتملة والمنجزة بشكل نهائي هي القيد الأقوى على الحرية ومفهوم الحرية.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار
جاويش أوغلو يعبر عن رغبة بلاده في حل الخلافات مع واشنطن
خلال أسبوع.. تركيا توقف 17 ألف مهاجر في إسطنبول تمهيداً لترحيلهم
خطة إعادة السوريين من تركيا.. ما المزايا التي سيحصل عليها العائدون طوعياً؟
مرسوم العفو.. النظام يفرج عن 476 شخصاً من أصل 132 ألف معتقل
اعتقالات تطول المنتظرين تحت "جسر الرئيس" بدمشق
كم بلغ عدد المعتقلين المفرج عنهم من سجن صيدنايا بمرسوم "العفو"؟