التكافل الاجتماعي السوري.. كيف يقدر السوريون على العيش حتى الآن؟

التكافل الاجتماعي السوري.. كيف يقدر السوريون على العيش حتى الآن؟

التكافل الاجتماعي السوري
كيف يقدر السوريون على العيش حتى الآن؟

تاريخ النشر: 24.01.2023 | 11:07 دمشق

آخر تحديث: 24.01.2023 | 12:21 دمشق

إسطنبول - خالد حمزة

تستمر الأزمات الاقتصادية في سوريا وتشتد وطأتها حاملة مزيداً من الضغوطات على الأهالي المقيمين في مختلف مناطق السيطرة من أقصى الجنوب في درعا إلى جرابلس في الشمال، فكيف يقدر السوريون على الصمود والعيش حتى الآن في ظل الواقع الاقتصادي المتردي؟.

ومع بداية عام 2023 ارتفع متوسط تكاليف المعيشة  لعائلة مكونة من خمسة أفراد في سوريا إلى أكثر من 4 ملايين ليرة سورية بعد أن كان في نهاية شهر أيلول الماضي نحو 3.5 ملايين ليرة سورية، بحسب دراسة نشرتها جريدة قاسيون المحلية، في حين بلغ الحد الأدنى للمعيشة بشمال غربي سوريا نحو تبلغ 4015 ليرة تركية شهرياً، بحسب تقرير لفريق منسقو استجابة سوريا.

وانخفض سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بشكل كبير متجاوزة حد 6200 ليرة مقابل الدولار الواحد، إضافة إلى انخفاض قيمة الليرة التركية المعتمدة في مناطق شمال غربي سوريا، في الأشهر الأخيرة، متجاوزة حد 18 ليرة لكل دولار أميركي.

وبحسب التصنيفات الدولية لحد الفقر والتي تبلغ 1.9 دولار أميركي لكل شخص، فإن حد الفقر للعائلة الواحدة هو 228 دولاراً أميركياً وهو ما يعادل 1 مليون و425 ألف ليرة سورية ونحو 4263 ليرة تركية، وفق سعر الصرف الحالي.

وبالنظر إلى الحد الأدنى من الأجور التي يجنيها السوريون في سوريا والتي بلغت 92 ألفاً و970 ليرة سورية شهرياً في مناطق النظام بحسب المرسوم الصادر في كانون الأول 2021، و3150 ليرة تركية في شمال غربي سوريا، على افتراض وجود شخصين ضمن العائلة يقومان بالعمل، وفقا لتقرير أصدره فريق منسقو استجابة سوريا في تشرين الأول 2022.
وهنا يأتي السؤال الملح؛ كيف يقدر السوريون على مواصلة الحياة والعيش من دون الحصول على الحد الأدنى من الأجور مع أخذ التضخم العالمي بالاعتبار وارتفاع تكاليف المعيشة في سوريا وغيرها من ضغوطات الحياة؟

المساعدات المالية من المقيمين في دول اللجوء

المساعدات المالية الفردية المحولة من الخارج أصبحت طوق نجاة تعتاش آلاف الأسر السورية عليه في الداخل، حيث يرسل أقرباء العائلات المقيمين في سوريا مبالغ مالية للمساعدة في سد الاحتياجات الرئيسية المقيمين في سوريا فيما يعرف بالتكافل الاجتماعي.

ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد السوريين المقيمين في دول اللجوء والذين حصل كثير منهم على جنسيات الدول التي لجأوا إليها، وعدد العائلات التي ظلوا يعيلونها، لكنها طريقة عيش لعشرات آلاف من الأسر التي لم تخرج من سوريا لظروف متعددة، عبر حصولهم على مساعدات مالية ترسل بشكل شهري أو أسبوعي.

صحيفة الوطن المقربة من النظام قالت إن نحو نصف السوريين يعتمدون على الحوالات، "وبفرض أن متوسط حوالات السوريين بمختلف أنواعها تصل إلى 300 مليون دولار شهرياً، بمتوسط 100 دولار للحوالة الواحدة، فإن نحو 3 ملايين حوالة يتسلمها أرباب الأسر"، لتكون بذلك نسبة المستفيدين من السوريين في معيشتهم من الحوالات هي نحو نصف عدد السكان.

وبحسب مصادر إعلامية مقربة من النظام فإن إجمالي الحوالات الخارجية بالقطع الأجنبي (حوالات أشخاص ومنظمات وغيرها بعيداً عن عائدات التجارة الخارجية) بلغ نحو 2 مليار دولار في العام 2016، وفي العام 2017 وصل إلى أكثر من 3.8 مليارات دولار، وفي العام 2018 تجاوز 4 مليارات دولار، ثم عادت لتنخفض إلى نحو ثلاث مليارات دولار في العام 2019، وفق الوطن.

تقول السيدة "باسمة. أ" المقيمة في دمشق إنها تعيش اعتماداً على المبالغ الأسبوعية التي يرسلها ابنها المقيمة في إحدى الدول الأوروبية.
وتذكر السيدة في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أنها تحصل على مليون ليرة أسبوعياً ليصل المبلغ المرسل شهرياً إلى نحو 4 ملايين ليرة مشيرة إلى أن المصروف ارتفع في السنوات الأخيرة حتى ولو تمت المقارنة بالدولار الأميركي وذلك لأن كثيراً من المواد أصبح الحصول عليها صعباً ويدفع في سبيل ذلك مبالغ طائلة مثل تأمين الغاز للطبخ والمازوت للتدفئة الذي يتم شراؤه من السوق السوداء بأضعاف السعر الرسمي.

بينما تستلم "علياء. ع" مبلغاً مادياً من طليقها قدره 200 ألف ليرة سورية أسبوعياً كمصروف لطفليها (4 - 5 سنوات) لا يشمل إيجار المنزل أو الاحتياجات الرئيسية للعائلة.

وأضافت في حديث مع موقع تلفزيون سوريا أن المبالغ المالية ترسل لها بالدولار إلا أنها تضطر لتسلمها بالعملة السورية وبسعر أقل من السوق السوداء وأكثر بقليل من سعر الصرف الرسمي المعلن من مصرف سوريا المركزي.

وأظهر استطلاع أجراه موقع "الاقتصادي" مطلع عام 2021 أن نحو 70 في المئة من العائلات السورية تعتمد في معيشتها على الحوالات المالية الخارجية، وتصدرت أوروبا قائمة مصدر الحوالات المالية تلتها أميركا وأفريقيا وأستراليا.

المنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية والفرق الإغاثية

تعاني مناطق شمالي سوريا من الكثافة السكانية وقلة فرص العمل وخاصة بعد وصول مئات الآلاف من المهجرين من حمص وريف دمشق وغيرها من المناطق السورية التي هجرت قوات النظام سكانها بعد السيطرة عليها.
لذا فإن سكان تلك المناطق هم الأكثر حاجة لمختلف أنواع المساعدة والدعم بمختلف أشكاله، إن كان عبر المساعدات المالية التي تصلهم من ذويهم في الخارج أو عن طريق مساعدات المنظمات والجمعيات والفرق الإغاثية التي تقدم الخدمات لأهالي المخيمات بشكل خاص.
وتعددت المنظمات والجمعيات واختلفت الطرق التي تقدم فيها المساعدات للأهالي وفقاً لطبيعة الجهة المانحة أو تبعاً لظروف العائلات فمنها من يقدم المساعدات المادية المباشرة ومنها ما يقدم الصناديق الغذائية أو عبر دعم تعليم الأطفال.

ويعمل في الشمال السوري تحديداً عشرات المنظمات مثل المنظمات التابعة للأمم المتحدة -  مؤسسة مرام - منظمة الهلال الأحمر القطري - منظمة شفق - فريق ملهم - منظمة إحسان للإغاثة والتنمية - شبكة حراس الطفولة - فريق الاستجابة الطارئة - منظمة GOAL  - منظمة غصن الزيتون - مشروع الأيادي الخضراء - منظمة SAMS سامز - مؤسسة قطر الخيرية

ولا بد من الإشارة إلى أن المنظمات توزع سنوياً مساعدات وتقدم خدمات إغاثية بمئات ملايين الدولارات ولا توجد أرقام دقيقة وإحصاءات للمبالغ المنفقة على المساعدات المقدمة طوال السنوات الماضية، إذ إن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة لوحده بلغت ميزانيته الخاصة بسوريا في نوفمبر 2021 ما قيمته 2.87 مليار دولار أميركي لمساعدات غطت ما مجموعه 9.9 ملايين مستفيد.

وفي ذات السياق، أطلقت مؤسسة قطر الخيرية منذ العام 2019 مشروعها الاستراتيجي في الشمال السوري بعنوان "من البذرة إلى الرغيف" والذي يبدأ من مؤسسات إكثار البذار لدعم زارعي القمح بالبذار المحسن محلياً والأسمدة والمبيدات وغيرها ومن ثم شراء القمح من المزارعين بأسعار تضمن تحقيق ربح لهم، ثم تخزين القمح وطحنه وتوريده إلى الأفران لتزود سكان المنطقة نفسها بمادة الخبز، ما يسهم في تحقيق الآمن الغذائي.

ولا تقتصر الأموال على تلك المقدمة من الدول، فالتبرعات القائمة على الأشخاص تترك أثراً كبيراً، ويظهر ذلك على سبيل المثال في مشاريع فريق ملهم التطوعي الذي استطاع منذ تأسيسه قبل عشر سنوات أن يكفل أكثر من 3600 طفل سوري يتيم، وساعد أكثر من 17 ألف حالة طبية وإنسانية وافتتح 7 مراكز طبية تقدم خدماتها لـ 50 ألف مستفيد، وآوى نحو 2500 عائلة مهجرة، كما وصلت مساعدات الفريق خلال عقد من عمره إلى أكثر من مليون إنسان ضمن حملات مختلفة.

ونشط الفريق في عمليات الاستجابة الإنسانية في مخيمات الشمال السوري مثل مخيمات دير بلوط والمحمدية ومخيمات ريف حلب وريف اللاذقية وعرسال اللبنانية وغيرها، بمجموع تجاوز 169 حملة إغاثية.

ومن عوامل نجاح الفريق وقدرته على جمع التبرعات وتوزيعها بشكل مدروس هو امتلاك الفريق موقعاً إلكترونياً مخصص لنشر الحالات التي تنتظر التبرع وكفالات الأيتام والحالات المرضية والإنسانية والحملات الموسمية، واستطاع الفريق جمع أكثر من 50 مليون دولار منذ انطلاقه عام 2012.

كما نشطت "حملة جامعيون" في شمال غربي سوريا والتي تهدف إلى مساعدة الطلاب الجامعيين وتسديد أقساطهم الجامعية، بحسب ما قاله المنسق في الحملة، أحمد مكران الذي قال إن الحملة أطلقت رابطاً على الإنترنت يمكّن الطلاب المتعثرين من تسجيل أسمائهم للحصول على الإعانات.

وأيضاً برز اسم منظمة شفق المكونة من اندماج عدة منظمات مجتمع مدني سورية محلية وضعت حاجات السوريين الرئيسية في الحياة الكريمة والعدالة والمساواة في قمة أولوياتها، بحسب ما ورد في موقع شفق الرسمي.
تمتلك منظمة شفق عدة برامج لمساعدة غير المقتدرين على تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة وبينها برز برنامج التحويلات النقدية مقابل الغذاء في كل من نواحي (صوران-مارع اعزاز).
وفي القطاع الزراعي تعمل المنظمة على تقديم المساعدة الإنسانية لزيادة مرونة المجتمعات المتضررة من خلال تحسين الوصول إلى فرص كسب العيش والحفاظ على الأصول المدرة للدخل وتحسين الأمن الغذائي.

كما يهدف القطاع إلى إعادة تفعيل دور الزراعة ودعم الإنتاج الزراعي وتشجيع المزارعين للحفاظ على أصولهم واستثمارها بشكل يعود بالنفع على الفرد والمجتمع ككل.

التبرعات الأهلية

من ناحية أخرى، أطلق الأهالي في بعض المدن السورية حملات محلية لجمع التبرعات والاعتماد على التكافل الاجتماعي، لإعادة تشغيل كثير من الخدمات الأساسية التي أوقف النظام دعمها في مناطق سيطرته نتيجة الأزمة الاقتصادية وفقدان المشتقات النفطية، ومنها حملة من أهالي بلدة قنوات في ريف السويداء لتركيب منظومة طاقة شمسية، من أجل تشغيل مركز الهاتف ومحطة المياه.

ودعا بعض أهالي البلدة إلى تنظيم عمليات التبرع ونتائجها بحيث لا يستفيد منها النظام، مقترحين أن تكون محطات الطاقة الشمسية ملكا لجهة تعاونية في البلدة، تبرم عقداً مع النظام ليدفع ثمن الطاقة التي وفرها الأهالي للمؤسسات التي يفشل في إدارتها وتشغيلها.

وسبق لأهالي بلدة الثعلة في ريف السويداء الغربي، أن ربطوا آبار المياه بشبكة الكهرباء على نفقتهم الخاصة، وزودوا مقسم الاتصالات ومجلس البلدية بمنظومتي طاقة شمسية، بعد اقتصار حضور النظام في المحافظة على فرض وجباية الضرائب.

كما أصبح الأهالي في محافظة السويداء، يجمعون التبرعات للمدارس، التي تعاني نقصاً في المواد الأساسية، رغم ظروفهم المعيشية الصعبة، وذلك بعدما أصبحت المؤسسات التعليمية تواجه عجزاً مالياً حاداً.

وتلقت العديد من المدارس في مدينة السويداء تبرعات من مادة المازوت أرسلها الأهالي مع أبنائهم، كما وصلت تبرعات إلى مدرسة في صلخد من لجنة الوقف، عبارة عن ثلاثة مواعين ورق إجابة، وغيرها شواهد كثيرة، بحسب ما ذكرته شبكة "السويداء 24".

وفي محافظة درعا؛ أطلق الأهالي أيضاً عدة حملات لجمع التبرعات آخرها كانت  "فزعة الشيخ مسكين" في ريف درعا والتي استطاعت جمع أكثر من مليار ليرة سورية خلال 5 أيام فقط من بدء الحملة.

ورغم المساعدات الضخمة التي دخلت سوريا طوال العقد الماضي، لا تزال سوريا تعتبر أضخم أزمة إنسانية تواجه العالم، حيث أجبرت الحرب المشتعلة أكثر من 13 مليون شخص إما اللجوء إلى خارج البلاد أو النزوح داخلياً.

وتتزايد الاحتياجات الإنسانية داخل سوريا، حيث يحتاج 14.6 مليون شخص إلى مساعدة إنسانية وغيرها من أشكال المساعدة.

كما يحتاج نحو 5.9 ملايين شخص إلى المساعدة من أجل تأمين المسكن الآمن لهم، ولا يزال كثيرون يواجهون تحديات من حيث الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية، بحسب تصريحات المتحدث باسم الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بوريس تشيشيركوف، العام الماضي.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار