الاقتصاد بوابة أخرى لزيادة النفوذ الإيراني في حلب

تاريخ النشر: 12.02.2021 | 04:47 دمشق

حلب - خالد الخطيب

شهدت مدينة حلب مؤخراً زيارة لوفد اقتصادي إيراني يضم رجال أعمال ومسؤولين في "الحرس الثوري" الإيراني، والتقى الوفد خلال الزيارة بمسؤولين في غرفتي التجارة والصناعة وفرع "حزب البعث" في حلب، وعدداً من قادة الميليشيات الإيرانية في المدينة والضواحي القريبة، وهذه الزيارة الثالثة من نوعها التي يزور فيها وفد اقتصادي إيراني حلب في الفترة التي تلت سيطرة النظام على الأحياء الشرقية نهاية العام 2016، حيث شهدت المدينة زيارة مشابهة في شهر أيلول/سبتمبر من العام 2018، والزيارة الثانية كانت في شهر نيسان/أبريل من العام 2019.

استراتيجية التمدد الاقتصادي الإيراني نحو حلب:

يبدو أن الزيارة الأخيرة للوفد الإيراني إلى حلب أكثر أهمية مقارنة بالزيارات السابقة وذلك من ناحية المكاسب التي من الممكن تحقيقها، فخلال السنوات الأربع الماضية طرأت مجموعة من المتغيرات على المشهد الاقتصادي المتعثر وبمختلف قطاعاته في حلب، أهمها هيمنة مجموعة من التجار المقربين من إيران على غرفة التجارة ومجلسها، ولهؤلاء بطبيعة الحال الهيمنة الكاملة على علاقات الإنتاج والنقل والتحكم بتجارة المواد الأولية (الخام)، كما تعرضت البنية التقليدية للمجتمع الاقتصادي في المدينة لضغوط عديدة أقصت أبرز رجالاتها، وتسببت في إفلاس آخرين، واعتقال وطرد من تبقى منهم لتخلو الساحة لطبقة التجار ورجال الأعمال الجدد.

كل ما سبق يمكن إدراجه في إطار العوامل التي ستسهل على إيران التمدد الاقتصادي في حلب بعد أن تحولت أسواقها إلى واحدة من الخيارات المحدودة التي من الممكن للتجار الاستفادة منها في تأمين المواد الخام وقطع الغيار وأسواق التصريف باعتبارها دولة مارقة لا تلتزم بالعقوبات المفروضة على نظام الأسد ولديها تحكم كبير في طرق التهريب والتجارة الممنوعة بين دول المنطقة التي تتصل بها براً عبر طرق استراتيجية يجري العمل الآن على تأمينها وتثبيت السيطرة على جانبيها.

الباحث في الاقتصاد السياسي، بلال صطوف، قال لموقع "تلفزيون سوريا": "تحاول إيران التنويع في أساليب توسعة نفوذها في سوريا، فبعد أن أصبح لها حضور فاعل وثقل كبير في البنية العسكرية والأمنية والثقافية والدينية داخل النظام، ها هي اليوم تعمل وبشكل أكثر جدية من السابق على التمدد الاقتصادي وبناء تحالف عضوي واستراتيجي".

الوفد الاقتصادي الايراني أمام غرفة صناعة حلب.jpg
الوفد الاقتصادي الإيراني أمام غرفة صناعة حلب (انترنت)

وأشار صطوف إلى أن "التغلغل الاقتصادي الإيراني المفترض سيمنع نظام الأسد من اتخاذ أي خطوات بعيداً عن إيران بفعل الانعكاس السلبي المتوقع على مصالحه، ففي الوقت الذي تقدم فيه إيران الدعم لنظام الأسد فإنها تضعه تحت نفوذها بعيداً عن الدول الأخرى التي تمتلك نفوذاً عليه وبخاصة روسيا، واختيار إيران لمدينة حلب كمركز لانطلاقة سياستها الاقتصادية الجديدة مع النظام أسست له عبر العديد من السياسات العسكرية والثقافية والدينية خلال السنوات التسع الماضية، ويبدو أن التكتيك الجديد لدى الإيرانيين،  هو أن ما نعجز عنه بالسلاح والإيديولوجيا سنحققه بالإقتصاد".

الباحث والمحاضر في العلوم السياسية، محمد بقاعي يرى بأن " إيران تسعى الى تعزيز وجودها في سوريا من خلال استراتيجية اختراق متعددة الأبعاد العسكرية والسياسة والأمنية والاجتماعية وهي أبعاد ساعدت إيران في تعزيز تغلغلها في مناطق سيطرة النظام خلال فترة الصراع المسلح ولكن بقي البعد الاقتصادي هو الأضعف حيث يعتبر حجم التبادل التجاري بين النظام وإيران محدود الحجم بسبب عدة عوائق مالية وأمنية".

اقرأ أيضاً.. روسيا تضرب بسلاح الجمارك" تجار إيران" في حلب

وأضاف بقاعي في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا أنه "ومع زيادة الاتجاه نحو تخفيض حجم الصراع في سوريا باتت إيران تدرك بأنها بحاجة إلى تفعيل العامل الاقتصادي لزيادة حجم دورها المستقبلي في سوريا وعليه تسعي إيران الى رفع حجم تبادلها التجاري مع النظام وهو ما يجعل مدينة حلب المقصد الرئيسي لها في الفترة القادمة باعتبارها المدينة الصناعية الرئيسية في سوريا ولكن يبقى هناك عقبات تواجه إيران في سبيل تحقيق غايتها ومنها تأمين خط نقل بري بين حلب وطهران بالإضافة إلى تأمين تبادل مصرفي يفعل عملية التبادل بين الطرفين"

تطلعات الوفد الإيراني في حلب:

ترأس كيوان كاشفي رئيس الغرفة الإيرانية السورية المشتركة الوفد الاقتصادي الإيراني الذي زار حلب قبل أيام، وأول لقاءاته جرت في غرفة تجارة حلب، التقى فيها أعضاء مجلس الإدارة، أبرزهم رئيس الغرفة، عامر الحموي، وأمين السر، فاضل قاطرجي، وتم بحث مجموعة من المقترحات والمشاريع التي سيتم العمل عليها خلال العام 2021.

تنظيم عدد من المعارض للمنتجات الإيرانية والمواد الخام في حلب، في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وتقديم قطع الغيار للشركات والمصانع المتضررة في المدن الصناعية الرئيسية في حلب، والمساعدة في تأمين مستلزمات الصناعة والآلات الصناعية، وتنظيم قائمة بالمواد الأولية التي يحتاجها الصناعيين والتجار الحلبيين لتأمينها من السوق الإيرانية، وإنشاء طريق بري لعمليات النقل والشحن بالتعاون مع العراق، والعمل على تأمين طريق بري يصل إيران بحلب، والاتفاق على نظام خاص بالتحويلات المصرفية بين إيران وحلب.

اقرأ أيضاً.. إيران حاضرة في حلب ومقتل قائد في "الحرس الثوري"

وقال أمين سر غرفة تجارة حلب، فاضل قاطرجي، إن "المراحل التي وصلت اليها جهود الطرفين والاجتماعات التي عقدت والنقاشات التي تم التوصل اليها كانت نتيجة الزيارات المتبادلة، وأكد على أهمية تطبيق مبدأ المقايضة بما يؤمن انسياب البضائع بالاتجاهين"، ولمح أعضاء في غرفة التجارة إلى أهمية تفعيل حركة الطيران بين مطار حلب الدولي الذي يقع تحت هيمنة الميليشيات الإيرانية مع مطارات إيران، والاستفادة منه في النقل التجاري.

الوفد الاقتصادي الايراني في سبتمبر 2018.jpg
الوفد الاقتصادي الإيراني يزور حلب في سبتمبر 2018 (انترنت)

الباحث الاقتصادي يونس كريم قال لـ موقع تلفزيون سوريا: "إن زيارة الوفد الاقتصادي الإيراني إلى حلب تأتي بعد أن ضمنت إيران ولاء رئاسة غرفة التجارة الجديدة بشكل شبه كامل وذلك بعد أن أصبح في زعامتها مجموعة من التجار المحسوبين على حسام قاطرجي، عضو برلمان الأسد، وزعيم مجموعة قاطرجي الدولية صاحبة الاستثمارات الكبرى بحلب في الوقت الراهن"

وأضاف كريم " يدعم التوجه الإيراني نحو حلب التيار الاقتصادي الذي أسست له أسماء الأسد خلال العام الماضي 2020، بعد أن تم إضعاف عدد كبير من التجار ورجال الأعمال الحلبيين بعمليات دهم مركزة نفذتها إدارة الجمارك السرية، فالتيارات الاقتصادية بمختلف تبعياتها تعيش حالة من التنافس على مرحلة اقتصادية جديدة، وهي قادمة لا محالة، فالروس دعموا بداية حملات الجمارك وملاحقة التجار المتعاملين بالمهربات التركية وهو تمهيد لجعلها تتدفق عبر طرق رسمية مع افتتاح الطرق الدولية بالتفاهم مع تركيا، ومن المفترض أن يؤمن هذا سيطرة لروسيا على طرق التجارة وعائداتها المالية الضخمة، لذلك تسعى إيران وهي في سباق مع الزمن وتريد أن تحجز لها دوراً اقتصادياً في حلب باعتبارها مركزاً مهماً للتجارة والصناعة السورية وسوقا مهما لتصريف منتجاتها والمواد الأولية التي تحتاجها الصناعة الحلبية والأسواق عامة".

اقرأ أيضاً.. النفوذ الإيراني في سوريا.. أهداف تتجاوز المسائل العسكرية

وأشار كريم إلى أن "حلب بحاجة ماسة لمواد أولية وقطع غيار للمصانع ومواد أولية تعيد الألق لصناعاتها، ويبدو أن تحقيق الانتعاشة المفترضة لا يمكن أن يتم إلا في حالة الانفتاح نحو تركيا، وهو ما تعارضه إيران في الوقت الراهن وتسعى لأن تكون بديلاً عنه، أما الروس فلا يمكن أن يسمحوا بذلك إلا في حال ضمان الهيمنة الكلية على القطاعات الاقتصادية السورية، وربما طرق التجارة الرئيسية، وبالتالي نحن مقبلون على مرحلة تنافس روسية إيرانية على طرق التجارة السورية والتي تشكل حلب أهم عقدها"

من جهته قال وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، الدكتور عبد الحكيم المصري، إن "نظام الأسد استنفد مع بداية العام 2013 كامل احتياطاته من العملة الأجنبية والذي بلغ 22 مليار دولار، وكان النظام مضطراً للاستدانة لإكمال معركته ضد الثورة والشعب السوري، وكانت إيران خياراً استراتيجياً الى جانب الصين وروسيا الذين دعموا نظام الأسد، ووصل حجم الديون الإيرانية مع مطلع العام 2017 إلى نحو 35 مليارا، وربما زاد المبلغ إلى الضعف في السنوات التالية، وبالتالي تتصرف إيران في سوريا كدولة دائنة ولها الحق في الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها".

وأضاف الوزير المصري لـ موقع تلفزيون سوريا أن "إيران حصلت على عقود استثمارية عديدة من نظام الأسد، وأهم القطاعات التي دخلتها إيران قطاع الطاقة والكهرباء، والفوسفات والملح، والإنشاءات، وهذه القطاعات غير كافية بالنسبة للإيرانيين ولم يكن بالإمكان التوسع أكثر من ذلك في ظل الهيمنة الروسية على مفاصل الاقتصاد، لذا هي تسعى اليوم إلى التغلغل داخل البنى الاقتصادية المحلية وبناء تحالفات أعمق، وحلب تعتبر خياراً أمثل في هذا الاتجاه، وأعتقد أن غالبية أعضاء الوفد الاقتصادي الذي زار حلب مؤخراً ليسوا رجال أعمال في القطاع الخاص بل يمثلون النظام الإيراني وحرسه الثوري، والمشاريع التي سيتم تنفيذها سيعود ريعها للنظام الإيراني، والحديث عن رجال أعمال إيرانيين مجرد واجهة دعائية".

اقرأ أيضاً.. الميليشيات الإيرانية تحيي طقوس عاشوراء في حلب رغم تفشي كورونا