الاحتلال الروسي المديد

الاحتلال الروسي المديد

الصورة
24 تشرين الثاني 2018

يوسف بزي

كاتب وشاعر وصحافي لبناني.

في العام 1976، وتحت عنوان إنهاء الحرب في لبنان، دخل "الجيش السوري" إلى الأراضي اللبنانية، بمباركة عربية ظاهرياً، وباتفاق سري مع أميركا وإسرائيل، وبتهليل من "الجبهة اللبنانية"، وبإعلان رسمي يرحب بما يسمى "قوات الردع العربية". وواجهت التنظيمات الفلسطينية واليسارية والعروبية والإسلامية هذا التدخل العسكري السوري، بمعارك امتدت ما بين صيدا على الساحل، وصوفر في أعالي الجبال، انتهت بسيطرة "الجيش السوري" على لبنان.

في السنة الأولى، بدا أن حافظ الأسد وفى بوعده. توقفت الحرب الأهلية (المعروفة بـ"حرب السنتين")، وتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلياس سركيس، وبدأت جلسات حوار وطني، عرفت بمؤتمر بيت الدين، من أجل إدخال إصلاحات سياسية ودستورية، وتم رفع شعار "لبنان الجديد".

نال الأسد وجيشه ما يشبه الشرعية الدولية للتدخل في لبنان، كقوة سلام تنهي الفوضى وتنقذ الدولة وتحمي المدنيين. كانت تلك أفضل لحظة "علاقات عامة" أنجزها النظام السوري.

بوتين وجيشه الروسي، صنعا توليفة سياسية ودبلوماسية وعسكرية شبيهة بتوليفة عام 1976، لتسويغ التدخل في سوريا، وفق الشروط والشعارات إياها.

على هذا المنوال، يمكن القول إن بوتين وجيشه الروسي، صنعا توليفة سياسية ودبلوماسية وعسكرية شبيهة بتوليفة عام 1976، لتسويغ التدخل في سوريا، وفق الشروط والشعارات إياها: قبول عربي ضمني أو علني، اتفاق سري مع إسرائيل وأميركا والغرب، تأييد رسمي وجبهة حلفاء محليين. بل وتحقيق إنجاز شبيه: كسر المعارضة المسلحة وبسط السيطرة على كامل البلد وطرح مبادرة "حوار وطني" ووعود بإصلاحات سياسية ودستورية.

وإذا صحت المقارنة بين التدخلين، على ما يبدو حتى الآن، فقد تصح على ما حدث لاحقاً. ففي أواخر العام 1977 (في مثل هذا الشهر)، حدث انقلاب هائل بالشرق الأوسط: السادات في زيارة تاريخية إلى إسرائيل. أدرك فوراً حافظ الأسد الأهمية الاستراتيجية المستجدة لوجوده في لبنان، بل وأهمية إعادة "التحالف" مع منظمة التحرير الفلسطينية و"الحركة الوطنية اللبنانية" و.. لا بأس بتحسين العلاقات مع العراق "الشقيق اللدود". بات الدور السوري في لبنان عنصراً جوهرياً في "الصمود والتصدي" (صمود النظام نفسه). انقلبت الخريطة السياسية في لبنان، فبدأت الحرب مع "الجبهة اللبنانية" مطلع العام 1978، تلاها الغزو الإسرائيلي الأول في آذار 1978، وتحول لبنان منذ ذاك الحين إلى ساحة صراعات إقليمية - دولية، وعربية - عربية استجلبت مسلسلاً مهلكاً من الحروب. وامتد التدخل السوري ووجوده المباشر حتى العام 2005، مع ما تناسل منه وترسخ في تكوين لبنان حاضراً وإلى مستقبل بعيد.

أما في سوريا نفسها اليوم، فإن الوجود الروسي، الذي ترافق مع الحضور الميداني لإيران وميليشياتها المتعددة الجنسيات، إضافة إلى داعش، ثم الميليشيات الكردية، وبجانبها المجموعات المسلحة من أمثال جبهة النصرة، عدا الميليشيات الكثيرة المتنافسة تحت جنح النظام وفي حواشيه، عدا ما تبقى من فصائل معارضة مسلحة.. ولا ننسى الانتشار العسكري الأميركي المحدود، والوجود العسكري الفرنسي بجوار الأميركي، علاوة عن "الحضور" الجوي الإسرائيلي.. فهذا، يعني أن روسيا لا يمكنها سوى إدامة احتلالها "الشرعي" إلى أمد طويل، مع تعمدها لتحويل سوريا حلبة للصراعات والمقايضات الإقليمية والدولية. فشرعية محاربة "الإرهاب" لا تستمر إلا باستمرار "إرهابيين". والتفاوض المتقطع، البارد أو الملتهب، مع أميركا لا يتم إلا بوجود مادة للمقايضة، مثل "انسحاب" إيران من عدمه، أو وجود وظيفة بالغة الأهمية مثل "أمن إسرائيل".

ليس لبوتين سوى سوريا وفوضاها، كما كان لبنان وحروبه بالنسبة للأسد.

لذا، يمكن القول إن سوريا تحت الاحتلال الروسي، ستبقى هكذا، مزيج مضبوط من الفوضى، قوة قليلة الشأن للمعارضة، دولة بالغة الضعف وفاسدة. بلد بحاجة ماسة لقوى نظامية كالجيش الروسي "تدوزن" الصراعات، على نحو لا تنفلش خارج الحدود ولا تهدد الأمن العالمي، بما يخدم مصالح الجميع وحاجتهم الماسة لحلبة المنازعة والتفاوض والابتزاز والمقايضة.

في جعبة روسيا اليوم، مشروع صفقة بالغة الربح لها: تدبير رفع العقوبات الأميركية عن إيران مقابل انسحابها وميليشياتها من سوريا. هكذا صفقة لا بد أن تجد مثلاً ترحيباً من دول خليجية مهجوسة بالتمدد الإيراني. إسرائيل قد تجد بذلك إنجازا استراتيجياً لأمنها. حتى تركيا لن تمانع، الأميركيون سيفكرون بهذا الإغراء، بل إن الإيرانيين قد يجدون فيها خلاصاً من حبل مشنقة العقوبات.

الدور الروسي في سوريا سيتبدل وتتغير وظائفه وفق التحولات الداخلية والخارجية، فهنا أرض اشتباك مع الولايات المتحدة، ربط نزاع أو مدخل اتفاق مع تركيا، بوابة للنفوذ في الدول العربية: من لبنان إلى عمق الخليج ومصر. والأهم الشراكة في أمن المتوسط، وضبط الهجرات غير الشرعية إلى أوروبا.

سوريا كنز ثمين لروسيا، بشرط أن تبقى هكذا دولة فاشلة منزوعة السيادة وبداخلها مزرعة الأسد ومناطق خارج السيطرة وجيوب مقاومة مطوقة.

سوريا كنز ثمين لروسيا، بشرط أن تبقى هكذا دولة فاشلة منزوعة السيادة وبداخلها مزرعة الأسد ومناطق خارج السيطرة وجيوب مقاومة مطوقة. وفي هكذا حال، سيكون الانتشار الإيراني، كما كان حال الانتشار الفلسطيني المسلح في لبنان أثناء السيطرة السورية: عنصر عدم استقرار قابلا للاستخدام بقدر ما هو عنصر قابل للبيع أو الذبح. كان الأسد الأب يروّج لهيمنته على لبنان، أنه القادر على "احتواء" منظمة التحرير الفلسطينية. روسيا اليوم تفعل الأمر نفسه بخصوص الإيرانيين.

على الأرجح، بقاء الحال السوري على ما هو عليه، لن يضير أحداً سوى الشعب السوري. الدول العربية على شفير التطبيع مع الأمر الواقع، وقد سبقتها دول أوروبية وآسيوية في التعامل مع هذه الـ"سوريا الروسية". صحيح أن العالم المقتدر والغني رفض تمويل إعمار مع دمره الروس، وبالتالي بقاء الخراب والمأساة الاقتصادية، إلا أن لا أحد يشتكي من ذلك عدا المنظمات الإنسانية. ففي زمننا الراهن يبدو أن من طبيعة النظام العالمي القائم وجود دول فاشلة لأمد طويل، وبلا أي أمل، تعتاش على "العمل الخيري الإنساني". فهذا النظام العالمي نجح في إنشاء شبكة فعالة من هذه المنظمات، كجزء من واقع دائم وليس استجابة لطوارئ وكوارث.

إذا، ليس أمراً مقلقاً لا للنظام السوري ولا لروسيا أن تظل سوريا هكذا: الدمار والبؤس العميم، بجوار بؤر موالية تنعم بالحد المقبول من الحياة العصرية ومتطلباتها. مجتمع اللاحرب واللاسلم على خريطة ممزقة إلى مستقبل غير منظور.

شارك برأيك