الأفعى تبتلع ذيلها

تاريخ النشر: 10.04.2021 | 07:05 دمشق

يقول القوالون، بأن سوريا ابتلعت لبنان بحجة محاربة الإمبريالية الأميركية، وبأن إيران ابتلعت سوريا بحجة محاربة الإمبريالية الأميركية، ومؤخراً ابتلعت الصين إيران بحجة محاربة الإمبريالية الأميركية، ولكننا في النهاية نعلم بأن الصين نفسها تصارع من أجل عدم التصادم مع أميركا لا اقتصادياً ولا عسكرياً...

تعتمد سياسات الصين الجيوبوليتكية على فكرة مناكفة الغرب دون الصدام معه، عبر استنزاف قوته في معارك جانبية لا تخوضها بشكل شخصي، وإنما عبر وسطاء، وربما هي من لقنت نظام إيران هذه الطريقة والأسلوب.. فالصين مشغولة ببناء اقتصاد هائل وتنمية جبارة تتيح لها رفع مستوى شعبها اقتصادياً واجتماعياً عبر تحويل البلاد إلى مصنع ضخم يزج بالشعب فيه دون حقوق ولا امتيازات أو قوانين حماية، فالحقوق والامتيازات أمر لا يمكن تحقيقه مع أمة المليار ونصف إنسان، لذلك غذت الصين عبر نصف قرن العداء التاريخي بين كوريا الشمالية والغرب والحلفاء الآسيويين المتمثلين باليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرهم.. فباتت كوريا الشمالية "أزعر المنطقة" الذي لا مانع لديه بأن يخرب على الجميع نجاحاتهم ويزج بطموحاتهم التنموية إلى أتون الخراب والدمار عبر تجارب نووية وصاروخية مستمرة، قد تطيح بالتجربة الآسيوية الاقتصادية وتدمرها تماماً، واستطاعت الصين أن تفتح منفذاً حيوياً مع كوريا الشمالية منعها من الانهيار طوال عقود من العقوبات، رغم تحول البلاد إلى مايشبه النكتة، أو الوحش المستوحد المعزول المستشرس.. وقد نجحت تجربة الصين مع ربيبتها كوريا الشمالية، وهاهي تحاول أن تعيد الكرة، ولكن هذه المرة مع إيران، التي باتت معزولة عزلة شبه كاملة، عن الاقتصاد الغربي وعن الحضارة الغربية التي تكاد طهران أن تقبل أيادي الغرب كي يقبلها كشريك إقليمي يدور في فلك تلك الحضارة..

التقطت الصين الخلاف الإيراني الأميركي، وقررت تحويل إيران إلى مهماز تضرب به الغرب وواشنطن بقوة مجدداً

ولكن الدخول الصيني إلى الشرق الأوسط عبر بوابة إيران، زلزال يماثل في قوته و خطورته، خطورة داعش على العالم الحديث المعاصر، فاقتراب الصين من الخليج العربي ومن منابع البترول، ودخولها المشرف على قضايا الشرق الأوسط، التابع استراتيجياً إلى الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد انحسار نفوذ فرنسا وبريطانيا، واتخاذهما القرار بالمراقبة واستمرار نفوذهما عبر القوة الناعمة والاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات والدعم الأميركي في المنطقة، كون أوروبا وأميركا حلفاء من الدرجة الأولى، فانكفأت أوروبا خلفاً وتركت الولايات المتحدة تخوض عسكرياً غمار السيطرة على الشرق الأوسط وما يعنيه من ممرات مائية اقتصادية غاية في الأهمية، وبترول يغذي اقتصاد العالم، وثروات لا تقدر ولا تحصى.. واليوم تدخل الصين هذا الحقل بعد فشل السوفييت والروس لعقود من دخول هذا الحقل والوصول إلى المياه الدافئة.. دون أن ننسى أن أميركا سمحت لنظام الملالي بالانتصار في ثورته الإسلامية، خوفاً من التقدم الروسي في أفغانستان ربيع 1979، ودخول الجيش السوفييتي كابول.. مع تنامي الحراك الشيوعي داخل طهران وعموم إيران، والذين ما لبثوا أن علقوا على مشانق الخميني بعد عودته المظفرة من فرنسا عبر طيران إير فرانس..

من هذه النقطة التقطت الصين الخلاف الإيراني الأميركي، وقررت تحويل إيران إلى مهماز تضرب به الغرب وواشنطن بقوة مجدداً، فباتت تملك مهمازين لنكز الحصان الأميركي واستفزازه كي يفقد توازنه وجموحه... رغم أن الجميع وبمن فيهم واشنطن تعلم حجم التحويلات المالية الكاش التي تدخل إيران من الصين وتساعدها على عدم الانهيار أمام العقوبات التي كان من المفترض أن تجعل انهيار دولة مثل إيران محتوماً. فحجم المدفوعات الإيرانية كبير جداً وهي تصرف فعلياً على أربعة أو خمسة حكومات إقليمية، وعشرات التنظيمات الإرهابية التي تعمل بإمرتها، إضافة إلى حكومتها وشعبها البالغ تقريباً 80 مليون نسمة..

إيران تحولت لتابع يتم الإنفاق عليه تماماً مثلما تفعل هي مع ميليشياتها في لبنان وسوريا والعراق واليمن

لكن الرهان الصيني على وضع قدمي التنين في مياه الخليج الدافئة ليس إلا وهماً، فالصين تعلم أن الولايات المتحدة سترد بقوة وببطش من جراء هذه الاتفاقية، وبالتالي فالصين لم تقم إلا برفع ثمن بازارها على إيران، وهي تقول لأميركا: ما الذي سنحصل عليه من جراء انسحابنا من بلاد فارس...

في حقيقة الأمر الصين لا تحتاج إيران مطلقاً فهي كانت قد وقعت اتفاقيات اقتصادية هائلة مع الباكستان تتيح لها الوصول إلى بحر عُمان، ومد سكة حديدية تصل الحدود الصينية بالخليج العربي، والجميع يعرف متانة العلاقات الباكستانية الأميركية وكيف أن الضوء الأخضر لتلك الاتفاقيات قد أتى من واشنطن.. ولكن الصين أرادت زيادة درجة التوتر لتجعل واشنطن تعرف مدى جديتها في المفاوضات معها.. والدليل هو مبادرة الصين لحل قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي تعلم جدياً أن لا مكان لها فيه ولايمكن أن يسمح لها أي من الطرفين بالتدخل فيه..

الصين تجول وتصول في أفريقيا، وتبتلع دولاً في وسط آسيا، وتعقد اتفاقيات مع دول أوروبية شبه منهكة اقتصادياً، وعينها فعلياً على الرضا الأميركي عن سياساتها، فلا منازع لها في هذا العالم سوى الولايات المتحدة، التي تعلم بأن مناوشاتها مع إيران هدفها الأعلى هو تطويق الصين وضرب تمددها غرباً...

ولكن ما يهمنا كشعوب شرق أوسط، هو أن إيران تحولت لتابع يتم الإنفاق عليه تماماً مثلما تفعل هي مع ميليشياتها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وبأن وزارة الخارجية الصينية ستتدخل في تشكيل الحكومة اللبنانية وفي اتفاق السلام في اليمن، عبر بوابة الحرس الثوري الإيراني، وحتى يتم إسقاط الاتفاق الصيني الإيراني، ستدخل المنطقة في بوتقة جديدة من التجاذبات، تتقاسمها الصين وروسيا وأميركا...بينما ستقف أوروبا والدول العربية والدول الإقليمية، تحصي وتحسب خساراتها من جراء صراع القوى الكبرى الفاعلة عسكرياً في هذا الإقليم.. ولن تكتمل دائرة الصراع إلا بإتفاق صيني أميركي يجعل الأفعى تبتلع ذنبها لتكتمل دائرة المصالح من بيروت إلى واشنطن.