اتحاد الديكتاتوريات العالمي

2023.03.16 | 06:08 دمشق

اتحاد الديكتاتوريات العالمي
+A
حجم الخط
-A

لم يستفق الأسد وأتباعه من نشوتهم بالانتصارات العسكرية المتوهمة، حتى دخلوا في نشوة جديدة طالما انتظروها لسنوات طويلة، وهي نشوة البراءة من دم مئات آلاف الضحايا وملايين المهجرين والمشردين، ولمَ لا وكثير من الدول تتوافد إلى دمشق تباعاً حاملة معها آليات حفر دبلوماسية ومعدات سياسية للمساهمة والمساعدة في دفن جرائم الأسد تحت أنقاض الزلزال.

صكوك براءة بالجملة، وعقود تعويم على بياض، لا يعكر صفوها سوى الدماء التي لا يمكن أن يجف لونها مهما اختلفت ألوان الطيف السياسي واختلطت وضاعت هويتها، فالدماء التي لا تزال تلطخ أيادي القتلة، وتظهر كشاهد إثبات على جبينهم، بقيت الحقيقة الوحيدة غير القابلة للطمس، وظلت العنوان الرئيسي لبلد اغتاله رئيسه وظل اثني عشر عاماً وهو يحاول إخفاء جثته وإخفاء الأدلة الفاقعة التي تشير مباشرة إليه، إلى أن قررت بعض الدول المساعدة في إخفاء الجثة والتخلص منها والمساهمة في تقييد الجريمة ضد مجهول، أو تحميلها لجهة أخرى لا تمت إلى الفاعل الحقيقي بصلة..

اصطفاف الطغاة مع بعضهم هو نوع من تأكيد الجريمة وليس نفيها، وتأكيد على أن القتلة هم من تركيبة إجرامية واحدة

ولكن، هل يستطيع حفنة من فاقدي الشرعية أو من أصحاب الشرعية المزيفة إعادة الشرعية لمجرم لا تزال شواهد جرائمه وأدلتها غير القابلة للإنكار تفقأ عيونهم، وكيف يتجرأ هؤلاء على المشاركة في الجريمة بشكل تطوعي من خلال مد طوق النجاة للمجرم، متخذين من جثث الضحايا جسراً للعبور إلى جلادهم؟

ظاهرياً، يبدو اندفاع بعض الدول العربية على إنقاذ الأسد مكسباً للأخير، ولكن في العمق فإن مواقف هؤلاء غير الأخلاقية هي دليل جديد على إجرام الأسد، فاصطفاف الطغاة مع بعضهم هو نوع من تأكيد الجريمة وليس نفيها، وتأكيد على أن القتلة هم من تركيبة إجرامية واحدة، وهؤلاء بالطبع لا تحرك الجريمة شيئاً في مشاعرهم.. إنه باختصار نوع من تحالف القتلة، وليس لشهادة المجرم لصالح مجرم آخر أي وزن أو قيمة أو مصداقية.

إن حلفاء الأسد القدامى هم الدليل الأكبر على تورطه وإجرامه، إذ يكفي دعم بوتين لنظام أي بلد لإدراك أن هذا النظام فاسد وقاتل وقمعي وفاشي، فروسيا بوتين لا تدعم إلا المجرمين، وما علاقتها مع "فاغنر" إلا مثال ساطع ولا يحتاج للأدلة على نوعية حلفائها وأصدقائها، فما بالنا حينما تنضم الصين وإيران وكوريا الشمالية وبلاروسيا وأشباهها من الدول لدعم الأسد؟

لا يمكن لذلك الدعم إلا أن يُقرأ على أنه نوع من تكثيف الأدلة على إجرام الحليف، والفرق الوحيد يتجسد في الوقت وموازين القوى التي هي الآن في صالح القتلة وليست في صالح الإنسانية بحكم انحياز قوى كبرى للجريمة ودعمها وحمايتها، وهذا هو السبب الوحيد لبقاء الأسد مختبئاً في جيوب تلك القوى التي تلعب بهواجس بقائه في السلطة.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جوهرياً في إرهاب الدولة، فبينما كان ذلك الإرهاب يمارس سابقاً بنوع من الحياء المصطنع ويحتاج إلى الدبلوماسية والذريعة والغطاء والتحايل، بات اليوم يمارس علناً وبشكل مباشر، حيث تحولت الجريمة إلى مجال للمباهاة ولم تعد أمراً شائناً أو مخجلاً، من خلال الطغاة الذين لم يعودوا بحاجة للمبررات والذرائع وهم يمارسون إرهابهم وإجرامهم..

لقد وحدت الانتهاكات التي قام بها الطغاة أهدافهم وخطوطهم وقوّت العلاقة فيما بينهم، وإذا ما دققنا، سنجد أن الخلافات الروسية الصينية التي تمس مصالح الدول تراجعت واختفت، وكذلك الخلافات الروسية الإيرانية، وحتى خلافات لوكاشينكو رئيس بلاروسيا والذي تربطه علاقة كراهية عميقة مع بوتين تحولت إلى علاقة ودية وإلى نوع من الشراكة الاستراتيجية. 

لقد طوت تلك الدول ملف خلافاتها السياسية تماماً وركزت على مصالح زعمائها، الأمر يشبه تماماً علاقة رئيس الوزراء العراقي الأسبق "نوري المالكي" ببشار الأسد، فقبل الثورة كان المالكي يتهم الأسد علانية بتصدير الإرهابيين إلى العراق، وقبلها كان جواز السفر السوري ممهوراً بمنع السوريين من السفر إلى العراق، ولكن ذلك كله تغير عندما تهدد وجود المالكي وبشار الأسد، فتجاوزا كل الخلافات السابقة وتوحدا برباط المصالح الشخصية ورغبة البقاء في السلطة.

أن تفشل ثورة بعد ما يقرب من مليون شهيد، وملايين المهجرين، وأن يخرج القاتل منتصراً وبريئاً هو أمر يوحي بالعدمية

لقد تعهد بوتين بحماية إرهاب الدول، وقد وفى بوعده، وكان نموذج حمايته لبشار الأسد الشكل الأوضح، ثم كانت تجربة ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء الذي قام بوتين بحمايته ومساعدته في إنهاء ثورة سلمية كانت على وشك الإطاحة به، وهو الأمر الذي أثار شهية صغار الطغاة الآخرين وأسال لعابهم للتقرب من بوتين ليس لأي هدف سياسي يتعلق بمصالح بلادهم، وإنما لضمان حمايتهم من أي تمرد شعبي مرتقب ضد عروشهم، ومن هنا فإن تقاربهم مع الأسد لا يحمل أي مصالح استراتيجية لبلدانهم، وإنما يتحدد في مجموعة أهداف لعل أهمها هو قتل حلم الشعوب بالتغيير وإنهاء أي خطر يمكن أن يواجهه الطغاة في حال قتل شعوبهم، وقتل أي مبادرة ثورية في مهدها من خلال إبراز الفشل الذي تعرضت له الثورة السورية رغم ما بذل فيها من تضحيات، فأن تفشل ثورة بعد ما يقرب من مليون شهيد، وملايين المهجرين، وأن يخرج القاتل منتصراً وبريئاً هو أمر يوحي بالعدمية، ويجعل الشعوب تقبل بالرضوخ بسبب انعدام أي أفق لتغيير أنظمتها إذا ما فكرت في ذلك، كما أن التقرب المبكر من بوتين يبعدهم عن الوقوع في الحرج إن احتاجوا مساعدته وقت الضرورة، فلا بد أن يمهّدوا لصداقة مبكّرة لحجز مقعدهم لديه وضمان دعمه لهم وقت الضرورة.

ومن هنا بات بشار الأسد -على ما يبدو- مفتاح الكنز بالنسبة للأنظمة القمعية في الدول العربية، فمن يضمن بوتين يضمن معه الصين وكوريا الشمالية وإيران وبلاروسيا، فضلاً عن الرضا الإسرائيلي عن هذا الحلف، والتذبذب الأميركي المطاط والذي أثبت من خلال موقفه من القضية السورية أنه لا ينتصر لحقوق الإنسان ولا للقيم الإنسانية كما كان يدعي على مدار عقود.

ما يحدث اليوم من تهافت بعض الدول على نظام الأسد لا يهدف إلى تعويمه بل إلى تعويم الجريمة والتطبيع معها وما اتفاق الداعمين للأسد إلا اتفاق على توحيد الديكتاتوريات حول العالم ضد مصالح الشعوب وضد القيم الانسانية الجوهرية التي تقف ضد طموحاتهم الخاصة ومشاريعهم في البقاء والهيمنة.