"إن سكت مت وإن نطقت مت"

تاريخ النشر: 06.09.2021 | 06:08 دمشق

على الرغم من أننا نعيش عصر التكنولوجيا والانفتاح على الشعوب الأخرى والثقافات المختلفة، إلا أن فكرة التعبير عن الرأي مازالت على ما يبدو بعيدة كل البعد عن مفاهيمنا ومعتقداتنا ذلك أننا لا نتمتع بمناخ صحي من الحرية بما يكفي لنعبر عن أفكارنا ومعتقداتنا بطلاقة ومن دون حالة رقابة ذاتية أو خارجية، علاوة على أن الفكرة بحد ذاتها ما زالت مجال صد ورد، إذ تخضع لاعتبارات عديدة أهمها أننا كأفراد ـ وفق ما أثبتته تجارب مختلفة ـ نرحب بحرية التعبير عن الرأي إلى الحد الذي لا يختلف فيه الآخر معنا وإلا فلا بد أن يظهر منا الوجه الحقيقي المختبئ خلف قناع الحريات واحترام الرأي الآخر.

لقد انتشرت على سبيل المثال في الآونة الأخيرة كثير من الفيديوهات المصورة التي عبر فيها السوريون في مناطق سيطرة النظام عن غضبهم وقهرهم من ضيق الأحوال المعيشية والاقتصادية، ولاقت تلك الفيديوهات انتشاراً واسعاً ترافق ذلك الانتشار مع حملة مناصرة وتضامن معهم في كثير من الأحيان، حتى من سوريي الخارج أو من يحسب على قطب المعارضة للنظام.

مساحة حرية التعبير في سوريا قد تمتد لتشمل مسؤولي الحكومة كلهم إلا أنها تقف عند خط أحمر لا يمكن أن تتجاوزه لتصل إلى انتقاد قمة النظام السياسي

ربما فات أوان الحديث عن هذه الحكاية لكنها كانت لافتة ومؤثرة لأن القطبين الخصمين ـ إذا جاز التعبير ـ قد اتفقا في المطالب في هذه المرة لكنهما اختلفا وبحدة حول أهمية الحفاظ على الهالة المقدسة التي يحيط بها منتقدو الأحوال المعيشية رأس نظام الحكم، وكأن كل ما يحصل لا يمكن أن يوجه إصبع الاتهام نحوه أو أن يجعل منه مذنباً، إذ إن مساحة حرية التعبير في سوريا قد تمتد لتشمل مسؤولي الحكومة كلهم إلا أنها تقف عند خط أحمر لا يمكن أن تتجاوزه لتصل إلى انتقاد قمة النظام السياسي.

في أحيان كثيرة قد يكون مرد نفي التهمة المفترضة لأصحاب الرأي بتحميل رأس النظام المسؤولية، هو ذلك الخوف من بطش الأجهزة الأمنية وليس حالة التقديس في حد ذاتها، إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً لإقصاء الآراء السورية الأخرى التي تضامنت مع القضية فقط لأنها خرجت عمن يتهمونهم بالمعارضة.

تعد حرية التعبير حقاً أساسياً من حقوق الإنسان على النحو المنصوص عليه في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ تنص على أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء من دون أي تدخل، واستقصاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت من دون تقيد بالحدود الجغرافية، ويبدو في الواقع أن هذا التعريف لا يمكن مقاربته لأي حالة من الحالات التي نعيشها لأسباب لسنا بصدد حصرها.

يبدو أن الشخص المؤيد للنظام السياسي في سوريا أو من يعيشون في داخل حدودها بشكل خاص، قد منح نفسه ومن يوافقه الرأي حق التعبير وانتقاد الأوضاع المعيشية والاقتصادية مستفيدين بذلك من مناخ الحرية والديمقراطية المزعوم، غير أنه اعتبر أن هذا الحق حكرُ له فقط، فمنعه عمن يختلفون معه في الرأي بخصوص القضية السياسية السورية.

وفي هذا رأي مخفي وغير مصرح به ينضوي على فكرتين رئيسيتين، أولاهما: أن الآخر المختلف لا يتمتع بحق المواطنة ولا يحق له إبداء رأيه لأنه متهم سلفاً بالخيانة العظمى، وثانيهما وهو ما لا يقل أهمية عن الفكرة الأولى أن ذلك الآخر لا يحق له التعبير عن رأيه لأنه مختلف معهم في المبدأ وبالتالي يصبح عرضة لسيل من الشتائم والذم والقدح على الرغم من أنه تضامن معهم ودعم شكواهم.

النقطة اللافتة أن رد الفعل بعد سيل الانتقادات كان يبدو مدروساً لنفي تهمة العمالة عن المنتقدين، ما يجعلنا نشعر أن مراجعة الانتقاد وربما الانتقاد بحد ذاته كان مراقباً بشكل أمني، لأنه من الطبيعي أني إذا وجدت من يدافع عن حقي أن أكون ممتنة للتضامن، إلا أن ما حصل مع المنتقدين من الداخل يبدو كأنه بمنزلة تراجع خطوة إلى الوراء، الأمر الذي يوحي بأن مرد ذلك هو تهديدات أمنية وتحذيرات تجعلهم يعيدون النظر بحرية تعبيرهم.

ما تكشف عنه حالة الرأي والرأي الآخر في سوريا على وجه التحديد وفي العالم العربي بشكل عام، أننا نحتاج إلى سنوات من أجل بناء لغة حوار مختلفة ومبنية بشكل رئيسي على الاحترام

قد لا يتعلق الأمر هنا بحرية التعبير بقدر ما يتعلق بأحقية المطالبة بالحقوق الأساسية لأي إنسان على وجه الكوكب، ذلك أن من حق الإنسان أن يبدي رأيه بأي قضية في العالم حتى وإن لم يكن مواطناً أو لم يكن متضرراً بشكل مباشر، غير أن ما تكشف عنه حالة الرأي والرأي الآخر في سوريا على وجه التحديد وفي العالم العربي بشكل عام، أننا نحتاج إلى سنوات من أجل بناء لغة حوار مختلفة ومبنية بشكل رئيسي على الاحترام ولا تعتمد على الاتهامات بالعمالة والتخوين أو التجييش والاصطفافات.

لا ينطبق ذلك على الرأي السياسي فحسب وإنما على صعيد الآراء الدينية والاجتماعية على حد سواء، فالتجارب التي مررنا فيها خلال السنوات الفائتة لا تخفي حالة الشقاق الواضحة بين أطياف الشعب السوري من مؤيد أو معارض أو شتى التقسيمات المختلفة في المجتمع، الأمر الذي يكرس حالة الاصطفافات ويجعل من الصعوبة بمكان توحيد كلمة الشعب بهدف نصرة القضية.

توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
تسجيل أول إصابة بالمتحور "أوميكرون" في الولايات المتحدة الأميركية
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي