إدلب ودرعا: لا سلم ولا حرب

تاريخ النشر: 31.05.2018 | 00:05 دمشق

من المبكر القول إن درعا وإدلب اليوم باتت خارج المعارك، مع أن لكل منطقة منهم خصوصية في جانب ما، وحالة مختلفة بالمجمل، مع عامل إقليمي حاسم مرتبط بكل جهة على حدى.

وفي ضوء ما يجري تداوله حول رغبة أميركية في تعديل الاتفاق الثلاثي، الأميركي الروسي الأردني، حول جنوب سورية، وكذلك في إطار موافقة إسرائيلية على تواجد قوات النظام على الحدود، مقابل إبعاد إيران وميليشياتها، من الصعب الحديث عن تراجع التصعيد العسكري هناك، على الرغم من الهدوء النسبي الذي تعيشه المحافظة، مقارنة بمناطق سورية أخرى.

لا يخفى أن درعا تحكمها اتفاقات معلنة وأخرى غير معلنة،

أي عمل عسكري اليوم في جنوب سورية سيكون أمام امتحانين، الأول صمود الاتفاق الروسي الاميركي الأردني، والثاني امتحان لما تريده إسرائيل في مستقبل جوارها السوري المضطرب

كما أن موقف إسرائيل يحكم أي تصعيد عسكري هناك، وهي سبق وأعلنت أنها لا تريد أي وجود لإيران وميليشياتها على عمق 40 كم داخل الأراضي السورية، (إلا في حال حدوث اتفاق إيراني إسرائيلي على الساحة السورية، في إطار شامل يتضمن ملفات اخرى).

أي عمل عسكري اليوم في جنوب سورية سيكون أمام امتحانين، الأول صمود الاتفاق الروسي الأميركي الأردني، والثاني امتحان لما تريده إسرائيل في مستقبل جوارها السوري المضطرب، مع تلازم بين الأمرين لا تخطئه عين.

وفي حال كانت واشنطن جادة في تهديداتها التي أطلقتها قبل أيام حيال أي تصعيد عسكري من جانب إيران وميليشياتها في الجنوب، فهذا يعني أنها كانت راضية أو هناك (اتفاق غير معلن) على ما جرى لفصائل المعارضة في مناطق سورية أخرى وكانت تلك الفصائل بشكل أو بآخر محسوبة على الولايات المتحدة.

بجميع الأحوال علينا الاستمرار بمراقبة الجنوب السوري والمصير الذي ينتظره، فطالما لم يتدخل طرف ما، هناك عسكرياً (سواء بشكل مباشر، أو عبر إقامة نقاط مراقبة على غرار ما يشهده الشمال)، فإمكانية التوصل لتفاهمات سورية _ سورية تبقى واردة.

ينتظر درعا اليوم، أما سيناريو الغوطة (مع بعض التعديلات التي ستفرضها الأمور التي تم ذكرها أعلاه)... أو سيناريو الشمال ،حيث نشرت تركيا نقاط مراقبة هناك، وفي حال تم تنفيذ السيناريو الثاني، فهذا يثير الكثير من  التساؤلات حول ماهية و حقيقة الاتفاقات التي وقعتها فصائل الغوطة.

وهنا لابد من الإشارة أن فصائل غوطة دمشق وقعت منفردة وبعيدا عن أستانا ما عرف اتفاقات خفض التصعيد، حيث وقع جيش الإسلام مع الروس في القاهرة، وفيلق الرحمن في جنيف.

أما إدلب فمصيرها ما يزال يكتنفه الكثير من الغموض،

كل طرف دولي سيجعل من المنظمات المصنفة بالإرهابية في إدلب، هدفا له، حتى لو كانت هذه المنظمات عبارة عن مجموعات مسلحة صغيرة.

لاسيما بعد جمع الكثير من المجموعات والفصائل مختلفة المشارب والتوجهات فيها، بالإضافة لوجود "هيئة تحرير الشام"، الغموض سببه عدة نواحي، لعل أبرزها أن تلك الفصائل التي فشلت في التعامل وإدارة مناطقها وفهم توجه القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على الأرض السورية، وتمسكت بتفرقها، فحالها بالتأكيد لن يكون أفضل في إدلب، وما الهدوء الظاهري الذي تعيشه المدينة اليوم إلا مرحلي.

لم يعد سراً أن إعلان إدلب منطقة وقف إطلاق نار شامل، مرتبط بإعلانها مدينة خالية من أي تواجد لقوى مصنفة بأنها إرهابية، سواء على القوائم الروسية أو الأميركية أو الدولية، فكل طرف دولي سيجعل من المنظمات المصنفة بالإرهابية في إدلب، هدفا له، حتى لو كانت هذه المنظمات عبارة عن مجموعات مسلحة صغيرة.

ويؤكد المشهد على أرض إدلب اليوم، أن الوقت ما زال مبكراً على إعلانها منطقة آمنة، لا سيما وأن تركيا لم تظهر "حتى الآن" أي توجهات سياسية أو عسكرية جديدة للتعامل مع الوضع داخل إدلب الذي يرزح تحت فوضى السلاح.

وتشير التصريحات الروسية المعلنة خلال الجولة الأخيرة من محادثات أستانا، عن تعويل موسكو على دور أنقرة في جعل إدلب منطقة مستقرة، تشير بوضوح إلى أن تفاهمات غير معلنة تم التوافق عليها بخصوص المدينة.

من الطبيعي أن يكتنف إمكانية التوصل لحل للوضع في سورية صعوبات كبيرة، بسبب تباين مواقف مختلف الأطراف، في شأن طبيعة هذا الحل ومخرجاته، بعد أن تم حرف الأمور من خلال ظهور منظمات إرهابية متطرّفة، وأخرى انفصالية، وهو ما غير الأولويات لدى جميع الأطراف المتشابكة سورياً، بالإضافة للعامل الإقليمي والدولي المرتبط بتغير مواقف الأطراف الداعمة للمعارضة وخلافاتها البينية.

يبقى القول، أن الفرملة التي يعيشها مسار جنيف وفشله في تحقيق أي تقدم خلال سنوات من انطلاقه، هو ما فتح المجال لمبادرات أخرى منافسة وداعمة تحريكية، وهو ما يكشف عن رضى دولي غير معلن على ما يجري في سورية بانتظار رسم واقع جديد على الأرض يناسب جهات ما لتتدخل بعدها لتفعيل مقررات جنيف التي وقتها لن تكون في صالح سورية وما تبقى من السوريين، فالكل يعلم أن انطلاقة جنيف كانت مع واقع بعيد كل البعد عن واقع اليوم.