icon
التغطية الحية

إدلب: كيف احتفلت تحرير الشام بذكرى الثورة ولماذا استفزت الجهاديين؟

2022.03.19 | 07:13 دمشق

jsr_alshghwr_fy_ywm_17_adhar.jpg
تعتبر "هيئة تحرير الشام" راية الثورة "عمية" وتهاجم من يرفعها لكنها اليوم تنشرها في الساحات والشوارع - تلفزيون سوريا
إدلب - خاص
+A
حجم الخط
-A

أثارت الاحتفالات غير المسبوقة بالذكرى الحادية عشرة للثورة السورية والتي نظمتها "هيئة تحرير الشام" في إدلب ومحيطها شمال غربي سوريا جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية المعارضة وبين الجهاديين المناهضين لها، وذلك بسبب محاولتها الاستثمار بالمناسبة لتلميع صورتها على الصعيدين المحلي والخارجي، والترويج لإدارتها المدنية ممثلة بحكومة الإنقاذ التي لم توفر الفرصة لتستعرض وبشكل مبالغ فيه منجزاتها المفترضة في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية والإدارية.

وكانت "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) تعتبر راية الثورة راية "عمية"، وتهاجم من يرفعها إلا أنها باتت اليوم تنشرها في الساحات والشوارع الرئيسة وعلى جدران المؤسسات والحدائق، وترفعها كراية وحيدة في تظاهرات الذكرى وتحظر أي رايات أخرى وتطرد حملتها من الاحتفاليات.

التحضيرات للاحتفالية

منذ العاشر من شهر آذار/مارس استنفرت حكومة الإنقاذ موظفيها في إدارة مركز إدلب وباقي مديريات المناطق في ريفها وإدارات غربي حلب للبدء في عمليات التحضير لاحتفالات ذكرى الثورة، والتي تضمنت تعليق الرايات واللافتات والصور الخاصة بالمناسبة ورسم لوحات جدارية كبيرة في الساحات العامة وعلى جدران المدارس والمباني الخدمية والتي تضمنت رسومات ترمز إلى أحداث وشخصيات في الثورة، وتضمنت التحضيرات أيضاً حملات نظافة شعبية نظمتها عدد من المجالس المحلية التابعة لإدارة المناطق.

وفي الوقت الذي كانت فيه الاستعدادات والتحضيرات قائمة كان الإعلام الرديف والرسمي في تحرير الشام والإنقاذ يعمل على تكثيف الضخ الإعلامي احتفاء بالذكرى والتحضيرات، ويتناول الإنجازات المفترضة في الإدارتين العسكرية والمدنية وراحت بعض المنصات الرسمية تنشر الإصدارات المرئية احتفاء بالمناسبة وبالإنجازات، ومن بينها مؤسسة أمجاد الإعلامية التابعة لتحرير الشام، التي نشرت إصداراً بعنوان "ثورة تبني الإنسان وتصون كرامته". أما شركة المبدعون السوريون الإعلامية فيبدو أنها تكفلت بطباعة ونشر اللافتات والصور الكبيرة في الساحات العامة التي يظهر فيها رئيس الإنقاذ ووزراؤه ومجلس الشورى العام وصور أخرى كتب فيها ثورة حتى النصر تروج لجهاز الأمن العام والمهام الخاصة والجناح العسكري وغيرها من الإدارات والمؤسسات.

 

 

خطة الاحتفالية

في 15 آذار/مارس حددت ساحة السبع بحرات وسط مدينة إدلب مكاناً للاحتفالية المركزية، وأوعزت الإنقاذ لموظفيها في باقي المناطق وتحرير الشام لعناصرها لكي يشاركوا في الاحتفالية المركزية، وبالفعل بدأت جموع المشاركين بالتدفق نحو الساحة في الساعة العاشرة صباحاً، ونشر الجهاز الأمني وكتيبة المهام الخاصة وإدارة الحواجز الآلاف من العناصر في مدينة إدلب وبمحيط ساحة الاحتفالية. وسبق الاحتفالية نشر كلمة مسجلة لرئيس الإنقاذ علي كدة والتي هنأ فيها السوريين والعالم بذكرى الثورة، ووعد بمواصلة مسيرة التنمية والإنجازات.

وبعد الاحتفالية نظمت مديرية الثقافة في الإنقاذ ندوة شعرية بعنوان "ترانيم ثورية" حضرها رئيس الإنقاذ ووزراؤه وقادة في تحرير الشام، بينهم رئيس المجلس الشرعي عبد الرحيم عطون وعضوا مجلس الشورى مظهر الويس والجهادي العراقي أبو ماريا القحطاني، وألقى عدد من الشعراء المحليين قصائدهم في ذكرى الثورة.

وبحسب الخطة المفترضة تمددت الاحتفالات في الأيام التالية نحو المدن والبلدات الكبيرة، أريحا وجسر الشغور وحارم والأتارب وسرمدا والدانا ومعرة مصرين وغيرها، ومن الأنشطة التي قام بها عناصر تحرير الشام بمختلف تبعياتهم التنظيمية توزيع الحلويات في الشوارع وعلى المارة، وتوزيع مناشير ورقية تعرف بأهمية مناسبة الذكرى، وغيرها من الأنشطة التي أغاظت الجهاديين.

الاستثمار بالمناسبة

يبدو أن تحرير الشام تحاول الاستثمار بذكرى الثورة السورية في إطار التأكيد على خطابها المعتدل البعيد عن التطرف، وهو الخطاب الذي لطالما سعت إلى تكريسه في إطار تحولاتها البراغماتية خلال الأعوام القليلة الماضية، وبدا أن الاهتمام المبالغ فيه بالذكرى والتي رصدت لاحتفالاتها آلاف الدولارات لا يخدمها محلياً فقط، إنما خارجياً أيضاً والذي تريد أن توصل إليه رسائل عديدة، من أهمها أنها باتت اليوم تنظيماً إسلامياً محلياً وطموحاته لا تتعدى الجغرافيا السورية، وهذا ما أكده بالفعل الشيخ عبد الرحيم عطون الشرعي العام والرجل الثاني في تحرير الشام عندما قال إن البوصلة موجهة نحو دمشق.

قال الباحث في الشأن السوري محمد السكري لموقع "تلفزيون سوريا" إن "محاولة الاستثمار بالمناسبة واضحة جداً على الرغم من أن تحرير الشام كانت أول من حاربت الثورة ورموزها ولا سيما علم الثورة السورية، قبل أن يتغير خطابها بشكل مباشر، وهذا في العموم انعكس على السياسات العامة في الوسط الاجتماعي، وربما تأكدت تحرير الشام من عبثية المواجهة المباشرة مع حاضنة الثورة في إدلب، بعد معارك طويلة خاضتها سواء مع فصائل معتدلة أو شرائح مدنية وصحفية وغيرها".

يضيف السكري "إن قدرة تحرير الشام على توجيه خطاب جديد يساعدها بلا شك في الحفاظ على نفوذها في المنطقة، هذا ما عدا كسبها حواضن اجتماعية بعد أن خسرتها بسبب الانتهاكات التي قامت بها خلال السنوات الماضية، ولكن مع ذلك، من المنطقي القول إن الوعي لدى الشارع السوري أصبح في مراحل جيدة وخاصة حول تحرير الشام، لذا من الصعب أن تلقى قبولاً في الوسط على المدى القريب".

‏ قال المنشق السابق عن تحرير الشام أبو يحيى الشامي في تلغرام "من المفارقات التي تراها أن قيادة جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام لم تكن تأبه للثورة ومناسباتها، اليوم تتخذ ذكرى انطلاق الثورة عيداً، تحاول أن تتقرب به إلى الناس بمظاهر منها توزيع الحلوى من قبل ملثمين كان عليهم أن يميطوا اللثام لو كانوا صادقين، إن المسافة أبعد بكثير من مد الأيادي".

راية "عمية"

في احتفالات الذكرى التي نظمتها تحرير الشام والإنقاذ في عموم مناطق إدلب تكررت حوادث مهاجمة عناصر الجهاز الأمني لمجموعات من المتظاهرين هتفوا بغير الهتافات السائدة في الاحتفالية، وبعضهم طالب بفتح جبهات القتال مع قوات النظام وآخرون هتفوا ضد سلطات الأمر الواقع ورفعوا رايات إسلامية كأنصار حزب التحرير-ولاية سوريا، وهو ما دفع عناصر الجهاز الأمني والمجموعات التي خصصتها تحرير الشام لحماية الاحتفالية إلى طرد بعض المشاركين وتهديد آخرين بالاعتقال في حال شذوا عن الشكل العام للاحتفالية.

قالت مصادر سلفية متطابقة لموقع "تلفزيون سوريا": "هتف بعض الشباب، الشعب يريد فتح الجبهات، فتوجه إليهم الأمنيون المندسون في المظاهرة وقالوا لهم: التزموا بهدف المظاهرة وهتافاتها أو اخرجوا منها، كما قام جهاز الأمن العام بطرد عدد من المشاركين لأنهم يحملون راية مكتوباً عليها عبارة التوحيد والحجة أن هذه الراية سبب لوصف المظاهرة والثورة بالإرهاب". تضيف المصادر "علم أوكرانيا يرفع بموافقة وتبريك الجولاني، أما راية التوحيد فلا وممنوع أن ترفع، شيء عجيب".

 

 

يقول الجهاديون المناهضون لتحرير الشام، إن هذه هي صورة المعتدل التي تريد تحرير الشام أن تتخفى خلفها وتلتف بها أمام النظام الدولي ليرضى، مع العلم أن هذه القيادة ذاتها مارست التشدد حتى التكفير والسواد حتى الظلم والظلام وما زالت تمارسه لكن بألوان أخرى متعددة، وما كنا لنذكر الظالم بخطيئته لو أنه تاب وأصلح، ووفق الجهاديين، فإن هذه التجمعات التي تلفها التشكيلات الأمنية ويكسوها البهرج ويظهر فيها العزف والرقص تذكرنا بمسيرات التأييد، حيث تغيب فيها المطالب الإصلاحية وتكتفي بالشعارات.

يقول المنشق السابق عن تحرير الشام عبد الرحمن الكردي، إذا كان الجولاني يعلنها إسلامية ويقول إن إدلب تُحكم بشرع الله فكيف يطرد من يحمل راية التوحيد، وكيف لمظاهرة طويلة عريضة فيها الآلاف من الناس ولا توجد رايات التوحيد، هل هو محض مصادفة أم أمر دُبر بليل، يضيف الكردي في تلغرام "الحقيقة أن الجولاني استخدم الراية ليصل إلى الغاية وهي الحكم وفعل كل صغيرة وكبيرة ودنيئة من قول أو فعل ليثبت ملكه وسلطانه".

يقول الناشط الصحفي محمد شبيب لموقع "تلفزيون سوريا": "في مثل هذه الأيام من العام 2015 كان عناصر جبهة النصرة يشبحون علينا لأننا كنا نرفع الراية العمية بحسب زعمهم، أي علم الثورة، ووصل فيهم الأمر إلى أن يقتحموا بستان القصر ويضربوا الشباب الذين كانوا في المظاهرة التي رفعوا العلم فيها وهددوا كثيراً من الشباب بالتشويل والتصفية وأنا كنت أحد المهددين وقتئذ، وعناصر جبهة النصرة ما كانوا معترفين لا بثورة ولا بشيء، والمفاجأة أنهم اليوم كانوا في إدلب يحتفلون بالذكرى وهم من تكفل بتنظيم الاحتفالات".