أوكرانيا فرصة سورية؟

تاريخ النشر: 16.03.2022 | 05:52 دمشق

لطالما لم يستفد السوريون من قدراتهم التوصيلية المحدودة للتعريف بنضالاتهم وبمشروعية احتجاجاتهم، وبالتالي، لم ينجحوا في الضغط على الرأي العام العالمي لنصرة قضيتهم، وفشلوا في تحفيز بعض اليساريين والقوميين العرب ليوقظوا ضمائرهم ويتبنوا حقّ السوريين في التخلّص من الاستبداد، وكما عجزوا أن يُخرجوا أكثر من العشرات في المظاهرات للتضامن مع ثورتهم، فمن الضرورة بمكان أن يسعوا إلى تجنب الإساءة أكثر إلى قضيتهم والانتقاص من مشروعيتها بالوقوف إما على الحياد تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا أو، وهذا ما هو أسوأ، أن يجدوا تبريرات جيوسياسية وما ورائية لعمل حربي عدواني مُقترَف من قبل نظام تسلطي متخم بالفساد وبالإفساد ضد جمهورية مستقلة بحدودها المعترف بها دولياً.

من موقف معادٍ للسامية يشير إلى الدين اليهودي للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي. وهذا الموقف، وإن كان نادراً، ولكن يكفي وجوده في زاوية مظلمة وعفنة من السردية ليسيء بشكل كبير للقضية، أية قضية. إلى من يحدثك عن أن سهول أوكرانيا الرحبة تشكل خطراً وجودياً على الأمن القومي الروسي لأنها تسمح بمرور الجيوش المعادية براً إلى العمق الروسي وكأننا في أيام فتح الأندلس أو غزوات فرسان المغول. وتصل إلى تحليل "استراتيجي" يرجع بنا إلى التاريخ القديم مشدّداً على البعد "الروسي" للثقافة الأوكرانية، وكأننا بفئة تُعيد تشكيل الدول بناءً على سردية تاريخية منتقاة أو متخيلة. كما لا يخلو الأمر من تملّصٍ لا إنساني يتبنّى موقفاً دينياً بالإشارة إلى عدم وجوب التضامن مع أيٍ من الطرفين كونهما غير مسلمين. وغير ذلك من الحجج التي تدخل في حقل الخيال واللامعقول أو أنها تستند إلى نظرية المؤامرة المحببة لنفوس الكثير ممن يهربون بعناية من ضرورة إعمال العقل والتعرف على المنطق.

الإمبريالية الروسية هي من أردأ الأنواع وبأن الليبرالية الاقتصادية المعتمدة في روسيا هي من أفشل الليبراليات

ما سبق إذاً، ليس حكراً على داعمي الكرملين من مريديه السياسيين أو الانتفاعيين، وليس محصوراً بالسواد الأعظم من العرب "اليساريين" وخصوصاً أولئك الذين لم يتم إعلامهم بعد بأن موسكو لم تعد عاصمة الاتحاد السوفييتي الذي عرفوه و"خضعوا" له عقائدياً، ولا هي في مقدمة صفوف الصراع ضد الإمبريالية التي يحصرونها بالغربية والأميركية تحديداً. يتناسون أو أنهم مجرد جاهلين بالواقع الروسي الذي يُشير إلى أن الإمبريالية الروسية هي من أردأ الأنواع وبأن الليبرالية الاقتصادية المعتمدة في روسيا هي من أفشل الليبراليات وبأن روسيا حليفٌ لا غبار على التزامه بالتحالف الذي يصل إلى درجة الخضوع للعدو الإسرائيلي، وإلى آخره من السلبيات الهيكلية والتي لا تسمح البتة باستمرار الاعتقاد بأن تعديل الأحادية القطبية الحقيقية أو المتخيلة سيتم عبر أروقة الكرملين.

ومن التبسيط قراءة هذه الكلمات بعجالة على اعتبار أنها تحيد عن عوامل تاريخية وسياسية وجغرافية معقدة لم تبدأ فقط مع إعادة التشكيل الديمغرافي والدموي التي اعتمدها جوزيف ستالين في ثلاثينات القرن الماضي، ولا تنتهي حتماً مع الحرب الوحشية الدموية التي يشنها فلاديمير بوتين على مرأى ومسمع من العالم أجمع في مطلع القرن الواحد والعشرين. ومن المؤكد الذي لا لبس فيه بأن إدارة كييف لكثير من الملفات لم تكن على مستوى كافٍ من الوعي ومن التحسّب الضروري لردود الفعل المجاورة وخصوصاً من جارٍ مثل روسيا الاتحادية. ولكن هذا كله لا يبرر لأحد يملك الحد الأدنى من الإنسانية الامتناع عن الوقوف إلى جانب الضحية في الفعل التدميري القائم.

المقارنات تعددت في إظهار حجم الدمار ونوعية الأسلحة الفتاكة المستعملة مع الإشارة إلى ما ذكره المسؤولون الروس بفخر عن تجريبهم لعدد كبير من أسلحتهم الجديدة في سوريا قبل العمل بها في أوكرانيا

من جهة أخرى، وفي ظل شكوى السوريين المستمرة من تجاهل قضيتهم، فيبدو بأن انفجار الملف الأوكراني، يعيد الى الأذهان عالمياً، وبطريقة شديدة التأثير، مآسيهم التي تجاوزتها الألسن وتجاهلتها النصوص. ونحن اليوم، في الغرب على الأقل، لا يمكن أن نقرأ نصاً أو أن نشاهد مقطعاً مصوراً أو أن نستمع إلى مداخلة إذاعية للحديث عما يقوم به الروس من جرائم بحق الإنسانية في أوكرانيا إلا ونقع على مقارنات دقيقة وشبه موثقة بما حصل في سوريا عموماً إثر التدخل العسكري الروسي المباشر سنة 2015. وصارت الصحف تطالعنا بمقارنات مصوّرة بين تهجير المدنيين من حلب سنة 2016 وتهجير المدنيين من المدن الأوكرانية المختلفة. كما أن المقارنات تعددت في إظهار حجم الدمار ونوعية الأسلحة الفتاكة المستعملة مع الإشارة إلى ما ذكره المسؤولون الروس بفخر عن تجريبهم لعدد كبير من أسلحتهم الجديدة في سوريا قبل العمل بها في أوكرانيا. ويقول باولو سيرجيو بينيرو، وهو القاضي المتخصص أمميا بجرائم الحرب، إنه يخشى أن يعيد التاريخ نفسه وأن ما يتابع حدوثه في أوكرانيا يبدو له بأنه شريط مكرر لما تابعه وبحث في حيثياته سورياً كونه القاضي المسؤول عن لجنة التحقيق الأممية المعنية بجرائم الحرب في سوريا. أما تيرانا حسن، مسؤولة منظمة العفو الدولية، فقد أشارت إلى أن استهداف الجيش الروسي للمستشفيات والأبنية السكنية هو إجراء متبع منذ التدخل في سوريا.

وبعد أن سادت غرباً سردية سلبية سعى لنشرها النظام وفشل المعارضون في تفكيكها وهي تصف كل من ثار في سوريا بالمتشدد دينياً، عادت الأبحاث السياسية كما المقالات للتوقف عند السابقة السورية لمحاولة فهم العقلية التدميرية للإمبريالية الروسية. لا تخسروا الفرصة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار