icon
التغطية الحية

 إبراهيم كالن.. من أكاديمي وكاتب وعازف إلى رئيس مخابرات تركيا

2023.06.06 | 16:41 دمشق

 إبراهيم كالن.. من أكاديمي وكاتب وعازف إلى رئيس مخابرات تركيا
رئيس المخابرات التركية الجديد إبراهيم كالن
إسطنبول - عبد الناصر القادري
+A
حجم الخط
-A

عيّن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مستشاره الخاص والمتحدث الرسمي باسمه إبراهيم كالن، رئيساً لوكالة الاستخبارات الوطنية (MİT)، بعد تعيين حقان فيدان رئيسها السابق وزيراً للخارجية، في تغييرات جذرية على معظم المناصب في الحكومة التركية الجديدة.

وبعد إعلان الرئيس، كتب إبراهيم كالن في تغريدة على حسابه الرسمي بموقع "تويتر": لأجل بلدي الجميل، لا يوجد توقف، بل استمرار في الطريق".

تعد المهمة الجديدة لإبراهيم كالن استكمالاً لدوره كأحد أبرز المقربين من الرئيس التركي، والمرافقين له على خلال أكثر من عقد، وأحد أكثر المطلعين على كل الملفات الحساسة في جهاز الدولة، بعد مشوار سياسي استمر منذ عام 2009، ومعرفة شخصية تسبق ذلك بأربع أو خمس سنوات.

إبراهيم كالن

لماذا إبراهيم كالن؟

وبالطبع سيكون السؤال الطبيعي، لماذا يختار الرئيس شخصية أكاديمية بيروقراطية أقرب للمجال الفكري والثقافي، رئيساً لوكالة أمنية ومنخرطة في عمليات استخبارية واسعة، حققت نجاحات كبيرة خلال العقدين الماضيين، خصوصاً برئاسة حقان فيدان الذي كان سبباً أساسياً مع فريقه بإفشال محاولة الانقلاب العسكري عام 2016، لماذا لم يكن الرئيس الجديد من خلفية أمنية أو عسكرية مثلاً أو أحد أعضاء فريق فيدان السابق؟

قد لا يملك الجواب الدقيق على هذا السؤال سوى الرئيس نفسه، باعتبار أن كالن كان أحد بيوت أسراره المقربين، ولا يختلف كثيراً عن حقان فيدان، سوى أن الأخير في منصب تنفيذي مباشر أكثر مما هو استشاري.

صحيح أن كالن من خلفية أكاديمية، وأكثر قرباً من التاريخ والفلسلفة منه إلى السياسة، إلا أن إلمامه الكامل بالوضع السياسي والأمني والقانون الدولي عبر خبرة تراكمية قد تؤهله ليكون على رأس الوكالة المخابراتية وسط كثير من التحديات.

الأهم من ذلك أن سيرته الذاتية لافتة للنظر وليست أكاديمية جامدة، فهو على درجة عالية من الثقافة، رافق الرئيس في كل جولاته تقريباً، وهو المتحدث الرسمي باسم قصر الرئاسة والناطق باسم الرئيس شخصياً، ما يعني أن كل كلمة يقولها محسوبة على أردوغان.

ولدى كالن اطلاع مباشر على جميع الملفات الأمنية الحساسة، حيث عُين متحدثاً باسم الرئيس رجب طيب أردوغان في 11 كانون الأول عام 2014 بمرتبة سفير، ثم كبيراً لمستشاري الرئيس أردوغان، ونائباً لرئيس مجلس الأمن والسياسات الخارجية في رئاسة الجمهورية اعتباراً من عام 2018.

إبراهيم كالن

كيف ستكون سياسة كالن؟

قد يكون التحدي أمام كالن كبيراً في قيادة وكالة استخبارات، خصوصاً أن الجهاز حصل على صلاحيات أوسع بعد إقرار النظام الرئاسي ولديه صلة مباشرة مع الرئيس تتجاوز وزراء الداخلية والدفاع والأجهزة الاستخبارية المتصلة بهما.

ولعله كان سيكون مناسباً أكثر لوزارة الخارجية، إلا أن التغيرات الكبيرة التي حصلت في حكومة الرئيس أردوغان، ربما دفعته لتبديلات تتناسق مع المرحلة الحالية والمرحلة المقبلة فيما يتعلق بالشأن الداخلي والسياسات الخارجية.

يعد كالن أقرب للمعسكر الغربي منه للمعسكر الأوراسي الذي صعد بالدولة التركية (خصوصاً بالسياسة الخارجية) بعد التقارب مع روسيا والصين بعد عام 2014، وما تلا حادثة إسقاط الطائرة الروسية والمصالحة بين أنقرة وموسكو، حين بدت تركيا أكثر قرباً من المعسكر الشرقي وابتعاداً عن "حلف شمال الأطلسي (الناتو)".

يحمل كالن فكراً متوازناً في السياسة الخارجية التركية، وتعبر كتبه عن إعجابه بالشرق والحضارة الإسلامية والثقافة النابعة من هذا العالم الواسع، في الوقت الذي يحاول أن يبني جسراً للتوافق مع الغرب عبر تركيا التي تتموضع في مكان جيوسياسي فاعل يتوسط العالمين الشرقي والغربي.

كالن شاباً

بدايات بسيطة لباحث عن المعرفة

لم يكن إبراهيم كالن الذي ولد في حي كاديكوي بإسطنبول عام 1971، يتخيل أن يكون أحد أبرز الشخصيات السياسية في تركيا، وعلى صلة وثيقة بالرئيس رجب طيب أردوغان، علاوة على رئاسته لوكالة الاستخبارات الوطنية.

تعود أصول كالن لولاية أرضروم شمال شرقي تركيا، لعائلة متوسطة وغير متعلمة على مستوى عالٍ، كان والده يعمل في تجارة الخضراوات والفواكه، وأمه ربة منزل، وفي عمر الـ 14 فقد والدته ما أثّر على تكوين شخصيته الهادئة.

تعرّف إلى عالم القراءة في وقت مبكر، ما نقله لمستوى جديد، إذ بدأ بشراء كتب سميكة كان أبرزها كتب "أورغانون لأرسطو" (وهي مجموعة أرسطو عن المنطق) في المرحلة الثانوية، وجاهد نفسه كثيراً لفهمها بتلك المرحلة المبكرة من عمره، إلا أنه كان يعيش متعة كبيرة جداً حمل معه كثيرا منها إلى يومنا الحالي.

كان محباً للتاريخ بشكل كبير، وهو ما دفعه لاختياره كتخصص جامعي في كلية الآداب بجامعة إسطنبول العريقة.

أكمل درجة الماجستير في الفكر الإسلامي والفلسفة في ماليزيا، حيث كانت فكرة التعرف إلى دول جنوب شرقي آسيا، خاصة أنها دولة مسلمة وتضم إلى جانب المسلمين، الصينيين والهنود، ما أعطاه تنوعاً معرفياً واكتشافاً لعالم آخر جديد.

بعد ذلك اتجه إلى الغرب، وخصصياً إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليحصل على الدكتوراه في العلوم الإنسانية والفلسلفة المقارنة في جامعة جورج واشنطن عام 2002، وكانت أطروحته بعنوان "نظرية المعرفة للملا صدرا (وملا صدرا هو صدر الدين الشيرازي والمعروف بصدر المتألهين، حكيم وفيلسوف مسلم شيعي إثنا عشري، ولد أواخر القرن العاشر الهجري في شيراز بإيران، وهو مؤسس مدرسة الحكمة بنظريته الأساسية أصالة الوجود).

في مطلع القرن الجاري بدأت حياة إبراهيم كالن الأكاديمية رسمياً، وكان يطمح لأن يكون أستاذاً جامعياً ناشراً للمعرفة على شكل بسيط وهادئ، تزامن ذلك مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002.

في تلك الفترة بدأ بإجراء بحوث أكاديمية في مركز الدراسات الإسلامية التابع لرئاسة الشؤون الدينية، وعمل أستاذاً زائراً في كلية الصليب المقدس بجامعة جورج تاون بالولايات المتحدة.

كما ألقى محاضرات في الفكر الإسلامي والعلاقات بين الإسلام والغرب في جامعة بلكنت بأنقرة، إلى جانب اهتمامه بالترجمة، ترجم كالن "فكرة الوجود في الإسلام" للكاتب توشيهيكو إيزوتسو، وكتاب الطريقة النقشبندية من الطريق الدرقاوية لمولاي محمد العربي الدرقاوي، وكتاب شيخ المؤرخين الأتراك خليل إنالجيك "إسطنبول: مدينة إسلامية" إلى اللغة التركية.

إبراهيم كالن

لقاء أول واستمرار في العمل الأكاديمي

كان أول لقاء مباشر مع رئيس الوزراء التركي أردوغان عام 2004، حيث طلب منه برفقة عدد من الأكاديميين تأسيس مركز أبحاث أكاديمي يدعم مجلس الوزراء في خطط وسياسيات وقراءات سياسية واقتصادية واجتماعية كمؤسسة وقفية مستقلة، وفي العام نفسه تم تأسيس مركز "سيتا"، وأحيل لكالن مهمة المنسق العام للمركز.

بقي يرأس المركز لمدة 5 سنوات تقريباً، عمل المركز خلالها على إنتاج معلومات في مجالات مثل: السياسة الداخلية، والسياسة الخارجية، والاقتصاد، والمجتمع والإعلام، والقانون وحقوق الإنسان، والدراسات الأمنية، والاستراتيجية، والسياسات التعليمية والاجتماعية، والدراسات الأوروبية، وأبحاث الطاقة وتقديم صيغ وحلول قادرة على التعامل مع المشكلات للحكومة، وبعد سنوات تمكن المركز من التوسع بفروعه في أنقرة وإسطنبول وواشنطن وبرلين وبروكسل ووصولاً إلى القاهرة.

صدر كتابه "الإسلام والغرب" عام 2007، نال عمله إعجاب النقاد، وحصل على جائزة  اتحاد الكتاب الأتراك لأفضل كتاب.

ساهم كالن مع مؤسسة ماكميلان للنشر (إحدى أكبر خمس دور نشر بالإنكليزية في العالم) في تأليف موسوعات مثل موسوعة الفلسفة وموسوعة الدين وقاموس أكسفورد للإسلام.

وألف كالن بالاشتراك مع جون إسبوزيتو، كتاب "الإسلاموفوبيا وتحدي التعددية في القرن الـ21 (مطبعة جامعة أكسفورد، 2011).

وفي عام 2014 أعاد نشاطه الفكري في كتابه الذي حمل عنوان "العقل والفضيلة- الخيال الاجتماعي لتركيا"، و"مقدمة إلى أنا والآخر - في تاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب" في 2016 (ترجم إلى العربية عام 2021)، وأصدر كتابه "بربري .. عصري .. متحضر" عام 2019 (وترجم للعربية عام 2021 أيضاً)، إلى جانب كتب أخرى.

كتب إبراهيم كالن المترجمة للعربية

ورغم الوقت القليل الذي يملكه العامل في المجال العام، وخصوصاً في رئاسة الجمهورية، إلا أن إبراهيم كالن حافظ لدرجة كبيرة على أطروحاته الأكاديمية واستمر بالتأليف، حيث عُين في عام 2011 عضو مجلس أمناء جامعة أحمد يوسفي، وبدأ بإلقاء محاضرات لطلاب الدراسات العليا في مجال الفلسفة الإسلامية في جامعة ابن خلدون بإسطنبول عام 2019، ما أهله للحصول على لقب "برفسور" في 29 أيار 2020.

ويرى أن العمل في التدريس سبيل أساسي للتعلم، لإبقاء الذهن متقداً، خصوصاً مع فئة الشباب، وهي زكاة علم، لا يمكن أن تتوقف ولا يوجد أي عذر لتاركها. ما دام لدى الإنسان علم فعليه أن يعلم.

​   ​   ​كتب إبراهيم كالن

سياسي بثوب فنان

قلما تجد سياسياً يجيد العزف والغناء في العالم الحديث، وهي موهبة تحتاج المثابرة للحفاظ عليها، لإبراهيم كالن تفسير لذلك، حيث يرى أن كثيرا من الملوك والسلاطين القدماء كان لديهم، مهن أو مواهب يفضلونها، يملؤون بها أرواحهم، مثل النجارة والنحت أو الرسم أو الغناء، حتى الأنبياء كان لكل واحد منهم مهنة يعيش منها، تعطيهم بعداً إنسانياً.

يخالف كالن من يجعل القراءة بأوقات الفراغ، قائلاً: "بل يجب أن يكون لها أوقات كاملة ومخصصة، لأهميتها".

أما الموسيقا فهي غناء للروح إذ بدأ بالتعلم على آلة الغيتار في المرحلة الإعدادية، وعزف عليها لفترة طويلة، ثم أحب تجربة العزف على البزق أو (الباغلاما بالتركية)، إلى أن زاد اهتمامه بالموسيقا الشعبية مع محافظته على علاقة وثيقة بالأنواع الموسيقية الأخرى مثل الموسيقا الكلاسيكية الغربية وخاصة موسيقا (باخ وفيفالدي)، وكذلك الحال مع موسيقا الجاز.

ومن خلال حديثه عن الموسيقا تظهر خبرة كالن، كواحد من متذوقي الموسيقا وليس فقط أحد العازفين، إذ لديه فلسفة وقراءة للحالات الموسيقية الغربية والشرقية مع تقسيماتها التركية والفارسية والهندية وحتى العربية.

ولعل المفاجئ في قصة كالن أنه ليس عازفا ومهتما بالتصوير الفوتوغرافي فقط، بل لديه ألبومات غنائية مصورة، معظمها من كلماته وألحانه، وقدم العديد من الحفلات الغنائية أيضاً.

ومن أبرز أغانيه التي حازت مشاهدات بالملايين: "لم أكن أبداً (Hiç Oldum)، أنت لي وأنا لك Sen Benimsin Ben) Seninim)، مهجور (Metruk)، وغيرها.

في صحبة أردوغان والمتحدث باسمه

يفسر كالن كلمة "sohbet" التركية (دردشة أو محادثة) بمعناها الأصلي القادم من العربية، ويعتبرها عنوانا عريضا لقيمة المتعة التي يشعر بها، مؤكداً أنها قادمة من الصحبة التي تشكلت مع صحابة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما يعرف برفاقه الذين آمنوا به، وكلمة (muhabbet) التركية أيضاً تحمل المعنى نفسه وهي محبة بالعربية، إلا أنها تستخدم للتسامر والحديث اللطيف بين الأشخاص بالتركية.

ويعتقد كالن أن الإنسان يجد ذاته في رفاقه الذين يتحدث إليهم ويسامرهم، فيجلسون ويتناقلون أطراف الحديث من السياسة إلى الدين والثقافة إلى نشأة الأهرامات والحضارات القديمة والفلاسفة وهكذا من موضوع إلى آخر فلا يشعرون بالملل، لأنها صحبة جميلة، وهي ما تدخل المعنى له.

في عام 2009، اختاره رئيس الوزراء أردوغان مستشاراً رئيسياً للسياسة الخارجية، ثم عينه أول منسق للدبلوماسية برئاسة الوزراء عام 2010، وفي 2012 تولى منصب نائب أمين رئاسة الوزراء.

كالن وأردوغان

مع انتخاب أردوغان أول رئيس بشكل مباشر عام 2014، عينه نائب الأمين العام لرئاسة الجمهورية والمتحدث باسمه برتبه سفير.

في عام 2018 دخل النظام الرئاسي حيز التنفيذ فأوكل إليه الرئيس منصب نائب رئيس مجلس الأمن والسياسات الخارجية بالرئاسة، مع احتفاظه بمهمة كبير المستشارين.

وفي 5 حزيران 2023، صدر مرسوم رئاسي بتعيين إبراهيم كالن رئيساً لوكالة الاستخبارات الوطنية، في وظيفة تحمل من التحديات الكثير.

كان كالن في صحبة الرئيس على مدار 14 عاماً، ويعرف تماماً نطاق الأفكار السياسة التي يؤمن بها أردوغان، وعلى إلمام بمشروعه فهل ينجح في المنصب؟ الوضع السياسي ومستقبل تركيا والمنطقة كفيل وحده بالإجابة.