دستور بلا جمهورية

2021.10.31 | 06:35 دمشق

0004.jpg
+A
حجم الخط
-A

في ١٢ يوليو من العام ١٧٨٩ وقف شاب فرنسي جميل على منضدة إحدى طاولات مقهى «دو فوي» الواقعة في حديقة القصر الملكي، وألقى خطبة مدوية على مسامع مرتادي المقهى الذين كان أغلبهم من المعارضين السياسيين، وبعد أن أنهى خطبته صفق له الحضور، واتفقوا على ارتداء أحزمة من اللون الأخضر، كرمز للأمل، كانوا قد صنعوها من أوراق الشجر المصفوف على جانبي القصر الملكي ثم انطلقوا لاقتحام الباستيل في تطلعات لإعادة الحقوق على الرغم من التدافع الثوري الذي سوف يقوض ذلك الأمل لفترة من الزمن.

لقد جذبت اضطرابات تلك الحقبة أقلام المؤرخين، وكانوا منهمكين في تأطيرها ضمن مراحل وأحقاب زمنية عدة. ورغم تزاحم الوقائع لا يمكن لهم في أي حال من الأحوال نسيان أنها ذات سيرورة تاريخية، يصعب أحياناً حتى على ممثليها إعلان زمن النهاية. كذلك ولا يمكن للمرء أن ينسى بعد كل هذا الزمن، أن الدساتير لها مصدر ثوري، إذ تعزى فكرة الدستور للقرن الثامن عشر وللثورتين الأميركية والفرنسية على وجه الخصوص. وإذا كان إعدام كامي ديمولان الصحفي والحقوقي الذي وقف على تلك الطاولة في ذلك اليوم، كان بمثابة عمل مسرحي من صنيعة الثورة نفسها بعد أن لاقى مصيره بشفرة المقصلة على أيدي رفاقه الثوريين، فإن خسارة ديمولان لحياته جاءت أثناء مرحلة بناء الجمهورية الأولى التي امتدت مرحلتها بين عامي ١٧٩٢-١٧٩٤ وانتهت هذه الحقبة بإلغاء الملكية وبإعدام الملك.

فارق ديمولان الحياة في الرابعة والثلاثين من عمره في أشد لحظات الثورة الفرنسية حزناً. إلا أن ذلك الحزن سرى في روح الدستور الفرنسي. إن كتابات ديمولان وآخرين والتي مجّدت الحرية كان لها أثر مدو لتصاغ بشكل قانوني حيث اعتمد الدستور على مبدأي الحرية وكرامة المواطن، وأصبحت مسلمات لكل القرارات السياسية بعد نقاشات طويلة امتدت قرابة قرن، وتخرج في نهاية المطاف من كونها مجرد مواضيع وفقرات إلى قيم سامية. يعلق ديتر جريم الأستاذ الجامعي، والقاضي السابق لدى المحكمة الدستورية الألمانية، على نشأة الدستور التاريخية «إن ذلك إنجاز مستدام وقع بعد ١٠٠ سنة من قيام الثورتين العظيمتين في القرن الثامن عشر» ويرد تلك النشأة إلى عاملين حاسمين هما: استياء الثوريين من شخص الحاكم، وامتداد هذا الاستياء للنيل من السلطة نفسها. إن وقع ذلك الاستياء بدا واضحاً في كتابات ديمولان بأن «الحكومة الشعبية والديمقراطية هي الدستور الوحيد الذي يناسب فرنسا...».

السلطة الحاكمة، وقبل القرن الثامن عشر، والتي يمثل قوامها رجال الكنيسة والملك، كانت تطوق رقاب الرعية بموجب السيادة مقابل الأمن، الأمر الذي حظي بنقد لاذع تحت إطار: الشمولية الدستورية

يذهب القانون أبعد من كونه ناظماً للحياة الاجتماعية والسياسية. وارتبط تطوره بتصفيد العنف. لكن ثمة مشكلة وقف عليها القانونيون مطولاً منذ أن تطور مفهوما السيادة والدولة القومية عقب فشل الدساتير في إيقاف مأساتي الحرب العالمية الأولى، والثانية على وجهة الخصوص إثر صعود هتلر إلى السلطة السياسية مستفيداً من الثغرات الدستورية التي كانت مواد مكتوبة اعتمد عليها هتلر في تعطيل البرلمان الألماني من خلال «الإجراءات الاستثنائية» ليصبح الاستثناء هو السند القانوني في تعطيل العمل السياسي، والمعضلة القانونية التي قد جرفت الوضع الإنساني إلى دمار الحرب العالمية الثانية، وكان من المفترض على دولة القانون أن تتفادى تلك المأساة. على العكس من ذلك، إن الدستور الألماني سمح لرئيس الرايخ وفق المادة ٤٨ باتخاذ إجراءات استثنائية مكنت له استخدام قوة السلاح لإعادة الأمن العام، لذا استطاع هتلر كسب السلطة لصالحه، وشلّ البرلمان والتخلص من خصومه، ما اعتبره النقاد بمثابة العودة إلى عصر ما قبل الدولة الدستورية، إذ إن السلطة الحاكمة، وقبل القرن الثامن عشر، والتي يمثل قوامها رجال الكنيسة والملك، كانت تطوق رقاب الرعية بموجب السيادة مقابل الأمن، الأمر الذي حظي بنقد لاذع تحت إطار: الشمولية الدستورية.

ينضح تاريخ الدولة العربية بهذه المبادلة على نسق الرايخ ودستور فايمر. وبعد أن انتقلت فكرة الدساتير من أوروبا لتسود العديد من البلدان إلا أنها لم تحقق غرضها في تأمين الحرية الفردية، وحقوق الإنسان (كان إعلان حقوق الإنسان والمواطن مرتبطاً بالجمعية التأسيسية الوطنية عقب قيام الثورة الفرنسية، وكان مستنداً على مبادئ فلسفية وسياسية صاغها فلاسفة التنوير أمثال جان جاك روسو، جون لوك وفولتير). ورغم استحداث هذه الفلسفات -دون نقاشات طبعاً- في دساتير الدول العربية إلا أنها ظلت تعاني من فشل دستوري، حيث فكرة الاستثناء تعيد منطق السيادة المطلقة. وإنّ دولة مثل سوريا لا يوجد فيها «عهدة وطنية» يمتلك أمرها السوريون، جعل العملية الدستورية رغم أهميتها، نقاشات في فراغ سياسي وجغرافي موبوء انتقلت سمومه من دستور حافظ الأسد إلى دستور بشار الأسد. والمأزق كان سابقاً على زمن البعث، والدستور الذي فصل على مقاس الشيشكلي، بسنوات عديدة ويرجع إلى تاريخ تأسيس الجمهورية السورية، واعتراض المندوب الفرنسي على خلاصة المشروع الدستوري الذي أقرته الجمعية التأسيسية السورية عام ١٩٢٨، ومنذ ذلك التاريخ صار الشطب والتعديل يناسب من يمتلك القوة، موروثاً استعمارياً يعيد اليوم نفسه في التدخلات الخارجية لصياغة الدستور السوري وتشكيل الخارطة السورية، ليبدو أن الخلل سابق على مشكلة الدستور، والمتمثل أولاً في: السيادة.

إن الدساتير الحديثة تكسب أهليتها ومشروعيتها القانونية من تمكين الشعب من السلطة الذي من المفترض أن يضم في يده سيادة حقيقية على أرضه. وهي لم تؤد غرضها الطموح في الحالة العربية. لقد استخدم معظم الحكام العرب الدساتير مرجعاً استعراضياً. صحيح أنها شموليات ودول بوليسية لا تعتمد في ثقل شرعيتها على صلاحيات التفويض وأدواتها الانتخابية، مع ذلك إن استنادها على الشرعية الدستورية يداعب مخيلتها بأنها ذات مصداقية قانونية، فمن منهم مثلاً لم يتقدم إلى منصة مجلس الشعب حيث التقليد الدستوري بمثابة قلادة بابوية، والسلطة المكتسبة تصبح مطلقة تحت قداسة القسم المزور نفسه؟

نحن نعرف ذلك حق المعرفة، وهو أمر ليس جديداً على تاريخنا رغم أن إحساساً بالأمل يراودنا، وبعيني سعد الله ونوس في منمنماته التاريخية «بأننا نقاتل لنبتكر نظاماً جديداً، ليس لكي نحافظ على نظام نعرف جميعاً بأنه تداعى وانهار» ببساطة إنّه الاستياء من الكارثة الوطنية، وفقدان السيادة ما دفع الجماهير على خطى ديمولان، ليس كمشهد تاريخي اعتباطي، يود أعداءه محيّاه في مناكفات لجان دستورية، عبثية على مسرح يضم خشبة من المهرجين يحاولون إبقاء النظام الحاكم على ما هو عليه، وحجراً ضد عجلة التاريخ، وكأن الحنق الجماهيري غير موجود، ولم يطالب بسحق النظام بأكمله. إن ديتر جريم يكشف في دراساته المطولة حول الدستور، بأن الغضب من نظام السلطة بأكمله، كان الشرط الأساسي لتصبح البرلمانات أكثر أهمية وفاعلية. لقد أضافت البرلمانات المنتخبة بشفافية لقوة القانون معنى بعيداً عن فكرة العقاب الذي ساد كمفهوم لازم القانون في القرون الوسطى، وصار للقانون روح عصرية. يعلق جورجو أغامين الفيلسوف الإيطالي «بأن القيمة العليا والسامية التي تتسم بها قوانين الدولة والتي تصدرها المجالس البرلمانية، هي حرمة القانون، وهو ما أخذ من الثورة الفرنسية، فصار الحاكم نفسه لا يستطيع إلغاءها أو تعديلها».

وفي السياق السوري لسنا بعيدين عن مفهوم العنف القورسطي الذي يمارسه الأسد تحت قبة القانون، بعد أن استأثر بالدولة وجعلها خاضعة لتصرفه. وصيّر البرلمان لخدمته تحت رعاية كلاب البوليس، وبأنيابها نهشت القانون وحولته لمجمع عظام متفسخة بفعل القرارات والمراسيم الجمهورية، وبالتالي صار الدستور عاجزاً عن حماية نفسه من أي شطب أو تعديل في كنف دولة مشلولة لا يمكن لها أن تتحمل مسؤوليتها في حماية الحقوق الفردية أو ضمان سيادة حدودها. وفي واقع الوضع الراهن، إن كل فرد سوري قد أبيح دمه على مرأى التاريخ، فالعنف ينفذ أولاً كإجراء قانوني ينطق من أفواه قضاة الأسد، ويساندهم في هذا البطش من يرعى اليوم العملية الدستورية.

وليس الخلاف على الصياغة الدستورية (هذا نقاش لاحق وعلى السوريين خوضه بكثافة بعد أن يلتقطوا أجسادهم من فم الغول). ولم يرتبط الصراع في جوهره حول إبرام عقد اجتماعي جديد، وإن كان ذلك من أسبابه وفي معرض بداياته، بضرورة إنجاز عقد قانوني جديد يؤطر العلاقة بين الدولة والفرد، بين الدولة وموظفيها الذين عليهم أن يديروا شؤونها، دون أن يكون لهم حق المساس بدستورها، لأن الدستور يمثل سيادة الشعب، والقوة القانونية تكتسب روحها من كون الشعب هو «القانون الأعلى». إنها مسألة تجاوزت ذلك، وتتعلق بإعدام الملك نفسه، وبشنق النظام الذي موته فقط من سوف يسمح بعبور السلطة، واسترداد الجمهورية.

الفكر الذي تدار به سوريا ومن قاد ملايين السوريين إلى المقصلة السورية، يجب أن ينتهي، لأن هؤلاء الوحوش سوف يظلون يطالبون بإزهاق دمنا، ولن يسمحوا لنا بالعيش طويلاً

لقد كان حل التفويض الانتخابي والذي يكفله الدستور، هو من نقل الدولة إلى الحداثة، ومن قنّن العنف ضد الفرد، وأخذه من مستنقع العصور القديمة رغم أنها كانت مليئة بالعصيانات والتمردات السياسية. غير أن الفارق بينها وبين ما جرى بعد القرن الثامن عشر، ميزته الفيلسوفة الألمانية حنة آرندت، فما جرى في القرون الوسطى من أزمات سياسية، وإن كان لها دلالات ثورية إذ اكتنفت مضامينها صفة التمرد، إلا أن جوهر التمرد فيها لم يحدث تغيرات واسعة لأنه لم يسع إلى استبدال نظام الحكم. يــقودنا ذلك إلى المستقبل، فالمالك الشرعي للسلطة يجب ألا يظل مسحوقاً، وبأن الفكر الذي تدار به سوريا ومن قاد ملايين السوريين إلى المقصلة السورية، يجب أن ينتهي، لأن هؤلاء الوحوش سوف يظلون يطالبون بإزهاق دمنا، ولن يسمحوا لنا بالعيش طويلاً. هذه كانت هواجس ديمولان في رسالته الأخيرة التي كتبها إلى زوجته قبل إعدامه بوقت قصير، وختمها بالقول: نعم إنني أراك يا لوسيل، وذراعي الممدودة تحتضنك، ويداي المقيدتان تعانقانك، ورأسي المنفصل يتكئ عليك، والآن أنا ذاهب إلى الموت.