توم الأميركي وجيري الإيراني.. الحوثي إذ يهدد أميركا وإسرائيل

2024.01.30 | 06:46 دمشق

آخر تحديث: 30.01.2024 | 06:46 دمشق

توم الأميركي وجيري الإيراني.. الحوثي إذ يهدد أمريكا وإسرائيل
+A
حجم الخط
-A

لم يشهد تاريخ الولايات المتحدة الأميركية مأزقاً سياسياً وعسكرياً كالذي يشهده اليوم، فأميركا التي لا تجرؤ دول عظمى على تحديها حتى على مستوى التصريحات ناهيك عن التحرش بها عسكرياً، تعاني اليوم من تهديد جماعات حديثة النشأة مثل ما يسمى المقاومة الإسلامية في العراق والتي لا ترقى إلى مستوى دولة صغيرة، ولكنها تستطيع أن تعرض أساطيل الولايات المتحدة وجيوشها لضربات تنال من هيبتها وتوقع إصابات مباشرة في جنودها وخسائر في صفوفها..

وآخر تلك التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية هي تلك القادمة من اليمن عبر جماعة الحوثي، والتي نجحت في تهديد التجارة الدولية بما فيها السفن التجارية الأميركية.

ورغم الضربات الأميركية البريطانية المشتركة التي وجهتها الدولتان للحوثي، إلا أن الأخير لم يتأثر كثيراً ولا يزال قادراً على تهديد مصالح الدولتين العظميين ومعهما مصالح أوروبا أيضاً، ويصدر نفسه كقوة متكافئة مع قوة خصمه الأميركي، فهو لا يهتم للتهديدات الأميركية ولا يبدو قلقاً منها ويعلن عن جاهزية تامة لمواجهة الولايات المتحدة والمضي حتى النهاية بمشروعه الذي يزعم من خلاله الانتصار لقضية غزة..

يتجرأ الحوثي على تحدي أكبر قوة إقليمية وهي إسرائيل، وأكبر قوة دولية وهي الولايات المتحدة الأميركية مع جميع حلفائها الغربيين ويعرض مصالحها المباشرة للخطر دون خوف من العقاب.

يلعب الحوثي في اليمن اليوم ذات الدور الذي يلعبه حزب الله في لبنان والدور الذي تلعبه ما تسمى المقاومة الإسلامية في العراق وكل تلك الميليشيات تحتمي خلف العباءة الإيرانية وتتلقى دعمها وأوامرها منها، فإيران هي من يتحرش بالولايات المتحدة عبر تلك الأذرع التي زرعتها في المنطقة، وهنا سينتقل الصراع إلى مستوى أكبر ويجد الغرب نفسه في مواجهة دولة إقليمية قوية لديها من الأوراق السياسية والعسكرية ما يكفي للعب مع الخصم الأميركي، كما تريد إيران أن تقول من خلال تصريحاتها ومواقفها المعلنة..

على مرأى أعين إسرائيل، كبر حزب الله وترعرع في لبنان وهو يحمل شعارات المقاومة، ولم يكن تزايد قوة حزب الله يزعج إسرائيل رغم بعض الحروب التجميلية التي خاضتها ضده أو خاضها هو ضدها

هنا، يمكن الوقوف مع حقيقة العداء الأميركي الإيراني، والعداء الإسرائيلي الإيراني، حيث لا بد من إعادة النظر في تلك العلاقة الملتبسة التي تصدر حالة في العلن، وتلعب نقيضها في السر..

على مرأى أعين إسرائيل، كبر حزب الله وترعرع في لبنان وهو يحمل شعارات المقاومة، ولم يكن تزايد قوة حزب الله يزعج إسرائيل رغم بعض الحروب التجميلية التي خاضتها ضده أو خاضها هو ضدها، ولكن أهم حرب خاضها الحزب كانت في سوريا وليست في تل أبيب، وضد السوريين وليس ضد إسرائيل، ويبدو أن الثورة السورية كشفت المهمة الأساسية التي عولت فيها إسرائيل على حزب الله، فكان بالفعل الأداة الرئيسية التي استطاعت أن تفرغ سوريا من سكانها سواء عبر المجازر أو عبر التهجير الممنهج، وقدم الحزب لإسرائيل أثمن هدية وهي تخليصها من أي خطر يشكله السوريون عليها لمئة عام قادمة، دون أن تخسر جندياً واحداً أو طلقة واحدة..

وعلى ذات المقياس يمكن دراسة العلاقات الأميركية/الإيرانية، فأميركا التي تدعي خصومة إيران وتتحدث عبر سنوات طويلة عن التهديدات والمخاطر التي تشكلها إيران في المنطقة وفي العالم، قامت باستقدام أساطيلها لغزو العراق ثم سلمته لإيران على طبق من ذهب، وهو أمر يشابه ما فعلته في اليمن حيث كبر الحوثي وترعرع على مرأى أميركا وها هو اليوم يكرر ذات اللعبة التي لعبها حزب الله وبالاتكاء على ذات الذريعة في مقاومة إسرائيل والبحث عن طريق القدس.

أما في سوريا، فقد كان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لا يكف عن ترديد عباراته الشهيرة: أيام الأسد معدودة، الأسد فقد شرعيته وعليه أن يرحل، وفي الوقت ذاته كان يدعم إيران التي تحمي الأسد والتي كانت قد تبنت مهمة الإبقاء عليه في السلطة، وقد أفرج أوباما في العام ٢٠١٣ عن عشرات المليارات من أموال إيران المجمدة والتي استخدمتها في دعم الأسد الذي كان أوباما يطالبه بالرحيل. 

ربما تبدو حرب غزة اليوم الامتحان الحقيقي لحالة العداء بين إيران وحزب الله من ناحية وإسرائيل من ناحية أخرى، فلو كان الهاجس الأساسي لمحور المقاومة -كما يدعي دائماً- هو القضاء على إسرائيل وتحرير القدس، لكانت تلك فرصته الكبيرة في ظل التهلهل والارتباك الذي تشهده إسرائيل، وهي فرصة قد لا تتكرر، ولا سيما أن حركة حماس لن تستطيع أن تواجه إسرائيل وحدها حتى النهاية، ومهما كانت الضربات التي توجهها حماس لإسرائيل موجعة وثقيلة فإنها في النهاية ستبقى رهينة نظرية جرح الوحش وعدم التمكن من قتله، مما سيجلب المزيد من المآسي على شعب غزة، فيما يقوم حزب الله بمناوشات عسكرية لا تؤذي إسرائيل ولا تقوي موقف الحليف الفلسطيني، مناوشات لا ترقى إلا إلى نظرية ذر الرماد في العيون، فيما تكثر تصريحات الحلف وجعجعاته التي لا يمكن لأحد أن يرى طحنها، مجرد حرب كلامية ومناوشات عسكرية لا تحدث أي فارق في المعادلة، بل يمكن اعتبارها تآمراً على الفلسطينيين وتركهم في مواجهة مصيرهم لوحدهم، وهذا كله ينفي حالة العداء بين إيران وحلفائها وإسرائيل بل ويؤكد على الدور الوظيفي لهما.

بالطبع فإن نفي العداء لا يعني بالضرورة حالة صداقة، فثمة بالتأكيد صراع بين إيران وإسرائيل ولكنه صراع مصالح وليس صراع وجود أو أيديولوجيات، وضمن هذا الصراع ثمة توافق على الكثير من القضايا التي تضمن مصلحة الطرفين، غير أن من المؤكد أن عداء كل من إيران وإسرائيل للعرب هو عداء أصيل يستثمره محور المقاومة لتقوية العلاقات الإيرانية -بأذرعها المختلفة- مع إسرائيل..

لن تعجز إسرائيل عن حزب الله لو كان بينهما حالة عداء حقيقية ولن تعجز أميركا عن إيران مهما كانت مواجهة إيران مكلفة، غير أن سياسة إسرائيل وأميركا تعتمد على "استخدام" الخصم المفترض بدلاً من شن الحرب عليه ولا سيما حينما يكون ذلك الخصم عدو عدوك الحقيقي.

إن العلاقة بين أميركا وإيران وبالتالي بين أتباع إيران وإسرائيل لا تتعدى شكل العلاقة بين توم وجيري في أفلام الكرتون الشهيرة

هنا يمكن التفريق بين الخصومة والعداء، فالخصم يمكن التعامل معه واللعب معه والتحالف معه أحياناً بل والتصالح معه إن اقتضى الأمر، الخصم قد يكون شريكاً في بعض القضايا أيضاً، وهذا هو جوهر العلاقة بين أميركا وإيران وبين حزب الله وإسرائيل، فليس ثمة حالة عداء إلا بما تقتضيه مصلحة الطرفين من تصريحات وتصدير لمواقف محددة ليس بالضرورة أن تنضوي على الموقف الحقيقي من الطرف الآخر.. 

إن العلاقة بين أميركا وإيران وبالتالي بين أتباع إيران وإسرائيل لا تتعدى شكل العلاقة بين توم وجيري في أفلام الكرتون الشهيرة، هي علاقة للتصدير فقط، علاقة مقالب وضربات محدودة الأذى ولا تهدف إلى إزالة الآخر أو إنهاء وجوده، فثمة مسلسل سياسي كرتوني لا يهدف إلى الترفيه بل هدفه التضليل وتلغيز العلاقات والمواقف واللعب بالعواطف للوصول إلى أهداف مختلفة تماماً عن تلك التي يتم الإعلان عنها باستمرار.

في المسلسل الكرتوني توم وجيري -وهو للمفارقة مسلسل من إنتاج أميركي- يبدو الفأر أذكى من القط وهو يستخدم ذكاءه للإيقاع بالقط في كل مرة، ولكن القط الأميركي يلعب بالفأر الإيراني ويوهمه بالذكاء لاستخدامه في المهمات الوظيفية مع احتفاظه بقدرة إنهائه لو تطلب الأمر..

أما الفأر اليمني المستنسخ حديثاً من حزب الله فهو يبحث عن بطولات يقنع بها المغفلين، يبحث عن موقع يرسخ من خلاله مكانة إيران في المنطقة، وهو أمر لا يزعج الإدارة الأميركية والتي أعلنتها صراحة منذ أيام وصرحت عن عدم رغبتها في خوض حرب مع الحوثي وإنما تقليص قدراته في عرقلة التجارة العالمية..

لا أحد يعلم على وجه الدقة كم ستطول حلقات هذا المسلسل الأميركي ولا إلى أي حد سيبقى قادراً على الخديعة رغم انكشاف كواليسه للجمهور، ولكن طالما بقي المنتج والمخرج قادرين على تسويق منتجهما وطالما بقي جمهور جاهز لمتابعة المسلسل والاستمتاع به وتصديق أحداثه، فلا شيء يمنع استمرار كاتب السيناريو في كتابة حلقات جديدة ونصوص باهتة ومملة ودموية في كثير من الأحيان.