أميرة الفرات أم الجديلة الشقراء

2024.03.20 | 04:58 دمشق

أميرة الفرات أم الجديلة الشقراء
+A
حجم الخط
-A

(لا البيتُ أصبحَ بيتي ولا الديار ديـــاري).

يُعاب علينا نحن السوريين أننا غالباً ما ننتظر الموت لكي نحتفي بسوريين يستحقون أن نحتفي بهم في حياتهم، وهو عيب حقيقي، واتهام محق، لكأننا في علاقتنا بالآخر نخاف أن ندافع عن أحد ما يستحق الدفاع، ويستحق الإنصاف، لكننا نخاف الآخرين الذين قد لا يوافقوننا الرأي، وبهذا فنحن لا نسهم فقط بحرمان أحد من حقه، بل نسهم أيضاً بتعميم ثقافة التجاهل وعدم تحمل المسؤولية، لهذا ننتظر رحيل من نحبهم ويستحقون احترامنا واحتفاءنا بهم لنقول رأينا، كأننا نحتمي بموتهم كي نتجرأ على قول حقيقة كان يجب أن تقال منذ زمن طويل.

في صيف عام 2009م، زرت مدينة الرقة، وفي مساء اليوم الذي وصلت فيه دُعيت مع صديق لزيارة منزل الأديبة "فوزية المرعي"، في تلك السهرة التي ضمت عدداً من أبناء الرقة تعرفت على نحو أعمق بـ "فوزية المرعي"، السورية الواثقة الكريمة المضيافة، تعرفت إلى وجه نسائي سوري أصيل أثبت حضوره الاجتماعي والثقافي في مجتمع لا يدعم عادة هذا الحضور.

يتميز مجتمع مدينة الرقة بميزة قد لا يعرفها كل السوريين، وربما يتوقع قسم كبير منهم أنه من الصعوبة توفرها في مجتمع يصنفونه على أنه ريفي، ولا تزال قيم البداوة حاضرة فيه، لكنك ما إن تتعمق قليلاً في علاقتك به، حتى تجد أنه مجتمع منفتح، شديد التنوع، حيّ، وتحضر فيه الثقافة والسياسة والأدب، وستجد أن سوريا بتنوعها حاضرة في هذا المدينة الفراتية الجميلة.

فوزية المرعي استطاعت بجدارة أن تكون وجهاً أصيلاً من أوجه المجتمع في الرقة، وافتتحت منتدى أدبي في بيتها في عام 2005م، محققة بذلك حلماً راودها منذ زمن طويل

قليلات هن النساء اللاتي فرضن حضورهن في المجتمع السوري من بوابة الأدب، والثقافة والسياسة، وحتى في المدن العريقة الأكثر نشاطاً في السياسة، والأدب والثقافة كان حضور النساء قليلاً، ومعدوماً في مناطق كثيرة من سوريا، لكن فوزية المرعي استطاعت بجدارة أن تكون وجهاً أصيلاً من أوجه المجتمع في الرقة، وافتتحت منتدى أدبيا في بيتها في عام 2005م، محققة بذلك حلماً راودها منذ زمن طويل، وكان لمنتداها ولحضورها دور مؤثر في مجتمع الرقة.

لم تكن فوزية المرعي تضع حجاباً، وعرفتها شوارع الرقة وأهلها بشعرها الأشقر، ووجها المبتسم، وسموها "أم الجديلة الشقراء"، كانت صديقة الجميع، وعندما اجتاحت "داعش" الرقة وأخضعتها لسلطتها، اضطرت لإخفاء شعرها، وانكفأت بعد أن أحرقت داعش منزلها ومكتبتها، وبعد تحرر الرقة من سيطرة داعش، استعادت نشاطها، فشاركت في معظم الفعاليات الثقافية، وألقت العديد من القصائد الشعرية، وتمت دعوتها للعديد من المؤتمرات والاجتماعات التي عقدت في محافظة الرقة.

لن أفي فوزية المرعي في هذا المقال حقها، وربما لا أستطيع، لكن رحيلها المفاجئ أيقظني مرة أخرى على أهمية أن نعيد التفكير في طريقة تعاملنا مع عدة أمور، أولها أن نحتفي بمن يستحقون الاحتفاء، وأن لا تنسينا قسوة الظروف التي نعيشها أن هناك من عاشوا طوال حياتهم وهم يتحملون مصاعب ومشاق كثيرة من أجلنا، وبغض النظر عن مدى اختلافنا أو اتفاقنا مع أفكارهم، إلا أن إخلاصهم لقضايانا العامة، وتكريس حياتهم من أجل مجتمع أفضل لنا ولهم، يفرض علينا أن نكرّمهم في حياتهم قبل موتهم، وثانيها أن الدفاع عن الشخصيات العامة المخلصة لقضاياها ضد أطراف كثيرة تهاجمها وتحاول تشويهها ليس قليل الأهمية، وليس ترفاً أو خياراً يمكننا تجاهله، فالدفاع عن هؤلاء هو دفاع عنّا، وعن قيمنا، وعن مجتمعنا ودولتنا التي نحاول الوصول إليها.

في روايتها التوثيقية ( قارب عشتار، من "توتول" إلى "ماري" ) الصادرة عن دار الطليعة ـ دمشق ـ 2007 م ـ تحدثنا فوزية المرعي عن تجربة ثقافية عاشتها مدينة الرقة كان لها دور مهم فيها، وفيها أطلق المشاركون لقباً آخر عليها هو (أميرة الفرات)، واستمرت تلك التجربة لسنوات طويلة، ففي الشهر الثامن من كل عام كانت رحلة ثقافية نهرية تنطلق من الرقة وصولاً إلى البوكمال، وعن هذه الرحلة وتفاصيلها كتبت فوزية روايتها.

باختصار توثق الرواية رحلة نهرية لمجموعة من مثقفي الرقة وآخرون من مناطق أخرى سورية، وغير سورية، تتم كل عام، كان اسم الرحلة "من توتول إلى ماري" و"توتول" هي المدينة السالفة "للرقة"، وتعود بداية السكن الكثيف فيها لعام 3000 ق.م، وقد لعبت دوراً ريادياً في التاريخ القديم، وآثار هذه المدينة تم الكشف عنها في تل (البيعة)، الذي يبعد عن "الرقة" كيلومتراً واحداً، وماري مملكة معروفة قامت على ضفة الفرات، وفي هذه الرحلة كانت تلقى المحاضرات عن المواقع الأثرية الكثيرة التي قامت على ضفتي الفرات، وتبين الدراسات وجود 76 موقعاً تحتوي على آثار لحضارات تعاقبت في هذه المنطقة، ولا يزال هناك كثير من المواقع غير المعروفة، والتلال التي لم ينقّب فيها بعد.

لم تكن أديبة وشاعرة فقط، بل كانت امرأة تعي جيداً دور المرأة، وتعي جيداً مسؤوليتها في كسر هذه النمطية

لن أعدد هنا المؤلفات التي كتبتها "فوزية المرعي"، لكن لعلّ أهمَّ ما فعلته برأيي لم يكن فقط كتاباتها، ولا استضافتها في بيتها لمنتدى أدبي لعب دوراً مهما في حياة الرقة الثقافية، بل هو إصرارها على تحدي الصورة النمطية التي يفرضها مجتمعنا على المرأة، فهي لم تكن أديبة وشاعرة فقط، بل كانت امرأة تعي جيداً دور المرأة، وتعي جيداً مسؤوليتها في كسر هذه النمطية.

مساء الأحد 17/آذار/2024 غادرتنا الإنسانة الأديبة المتمردة "فوزية المرعي"، عن عمر ناهز الـ 76 عاماً أمضتها في منزلها بمدينة الرقة، والتي لم تفارقها خلال سنيّ حياتها إلا لأيام معدودات، وظلت وفية لمدينتها، وفية للزيّ الشعبي الذي ترتديه نساء الرقة، ووفية للفرات الذي اعتبرته في كتاباتها ولقاءاتها رحم التكوين لمنطقة عرفت تعاقب حضارات كثيرة وعنه كتبت:

أيهــا الفـــــــرات الحبيــــــــــــب ...
كــــن الــساقي ....
فنحن العطشى الذين أدمنـّـا السُكر من أنخابك
الثملى بالــرواء منذ الأزل ....
فــــــــــــرات .. يافــــــــــــرات ...
أيها المؤنث .. المذكـــــــر ..