منظمات المجتمع المدني السورية والتركية

دُعيت مؤخرا لحضور المؤتمر الثالث عشر لمنبر الأناضول في ولاية آفيون جنوب غرب أنقرة، حيث امتد لخمسة أيام. والذي شمل محاضرات وندوات ولقاءات لمفكرين وسياسيين وأكاديمين أتراك وعرب.

هذا المنبر يجمع واحدا وسبعين منظمة مجمتع مدني تتوزع في معظم الولايات التركية، حيث تعتمد هذه المنظمات في تمويل نشاطاتها على تبرعات أعضائها وعلى متبرعين مستقلين.

تهتم هذه المنظمات بشكل أساسي بالجانب الفكري والتربوي ونشر الوعي في المجتمع التركي، وتمتلك قدرة كبيرة على حشد الجماهير.

حضر المؤتمر أكثر من ألف شخصية تركية وعربية، معظمهم من قادة العمل المدني في مناطقهم، حضروا على نفقتهم الخاصة من كل أنحاء تركيا.

كان الالتزام ببرنامج المؤتمر لافتا، حيث كانت القاعة ممتلئة بشكل دائم، مع أن معظم المحاضرات أو الندوات كانت تمتد لأكثر من ساعتين.

شمل الحضور الرجال والنساء، هؤلاء أنفسهم جلبوا أطفالهم معهم ليُعلموهم ويدربوهم على ثقافة العمل الجماعي التطوعي منذ صغرهم.

تناول المؤتمر قضايا الأمة الإسلامية ومشاكلها، وتم مراجعة المائة سنة الماضية والحديث عن المستقبل وإمكانياته والعقبات التي تواجه الخطط الموضوعة.

خلال أحد جلسات المؤتمر سألني أحد الأصدقاء الأتراك، كيف وجدت الفعاليات ومارأيك بها؟ أجبته بأنها شي جيد جدا وأنني أتمنى أن نقوم بمثل هذه النشاطات على المستوى السوري.

المستوى أو المجال السوري هو ماكنت أفكر فيه بشكل مستمر، حيث يمكن الحديث كثيرا عن منظمات المجتمع المدني السوري، لكن أتوقع أن السلبيات ستكون طافية على الإيجابيات بشكل واضح.

فبداية من لحظة التشكيل التي اعتمدت على التمويل الخارجي،

معظم من تجلس معهم من مدراء أو كوادر المنظمات السورية يتكلمون عن الأوضاع السيئة التي تعيشها منظماتهم، ويتكلمون عن الأهداف والخطط وعن الشعب السوري، وكثير منهم يتكلم عن دور منظمات المجتع المدني، لكن لا أحد منهم يمتلك القدرة على الانتقال من الكلام إلى الأفعال.

والتي تعني استحالة الاستمرار بالقدرات الذاتية فيما لو توقف الدعم أو تغيرت الظروف، ثانيا غياب القدرة التنسيقية بين المنظمات مع أن جميعها يدعي العمل لصالح الثورة أو الشعب السوري، ثالثا غياب الهدف والفعالية وروح المبادرة. رابعا وليس أخيرا غياب الكفاءات الحقيقة والعريقة عن المنظمات السورية، والتي يغلب على أعضائها الكادر الشبابي والناشطون والمنتفعون.

هذه المقارنة ضرورية حتى نستطيع تشخيص الحالة التي نحن عليها، والحالة التي يجب أن نصل إليها. فمعظم من تجلس معهم من مدراء أو كوادر المنظمات السورية يتكلمون عن الأوضاع السيئة التي تعيشها منظماتهم، ويتكلمون عن الأهداف والخطط وعن الشعب السوري، وكثير منهم يتكلم عن دور منظمات المجتمع المدني، لكن لا أحد منهم يمتلك القدرة على الانتقال من الكلام إلى الأفعال. والكل يشعر بحالة عجز كبيرة وأن الواقع أكبر من قدرته وقدرة الآخرين.

منذ قدومي إلى تركيا سنة 2017م وأنا أسأل نفسي هذا السؤال، لماذا هذا العجز الكبير الذي نعيشه، ولماذا نحن سلبيين إلى هذا المستوى؟ أحاول دائما أن أمسك بطرف المشكلة وأبحث عن العلة الحقيقية.

وحتى نكون منصفين قدر الإمكان، أستطيع أن أقول أن المنظمات السورية في تركيا تعرضت لصعوبات كثيرة منها:

  1. الوضع القانوني بعد 15 تموز 2015 (ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة)، حيث توجهت السياسة التركية إلى التضييق على عدد كبير من المنظمات السورية بسبب الشكوك حول التعامل مع جهات لا تريدها أنقرة، وأسباب أخرى ربما تتعلق بعدد المنظمات الكبير جدا مقارنة بالفعالية والأثر. وربما يكون المستوى المعيشي الذي عاشه أعضاء المنظمات لعدة سنوات والذي فاق المستوى المعيشي المتوسط للمواطن التركي أحد الأسباب الإضافية.
  2. الوضع الميداني السياسي والعسكري في سوريا، والذي كان يتجه يوما بعد يوم لصالح نظام الأسد، وخسارة المناطق المحررة، وبالتالي فقدان المنظمات مساحة العمل الخاصة بها.
  3. التوترات السياسية بين تركيا ودول أوروبا وأمريكا والتي أدت إلى فقدان عدد من المنظمات مصادر تمويلها.

ربما تكون هذه أهم الصعوبات التي واجهت المنظمات السورية، ولكن رغم ذلك مايزال هناك المئات منها يعمل في تركيا خصوصا، وربما هذه المنظمات ستكون قادرة على الاستمرار في المستقبل إن صمدت وتجاوزت عنق الزجاجة الخاص بالمرحلة الحالية.

أمام هذا الواقع، هل يمكن فعل شيء مفيد؟ هل يمكن أن نستفيد من تجاربنا وتجارب الآخرين؟

رأيي أننا دائما يمكننا فعل ماهو مفيد، المهم أولا أن نمتلك الإرداة والعزيمة، والإيمان أن العمل الجماعي المنظم هو ما نحتاجه بالفعل.

سأطرح مثالا عمليا من وحي التجربة التي عشتها أخيرا مع منبر الأناضول:

لماذا لا تتفق عشرة منظمات على عقد مؤتمر، وليكن عنوانه مثلا (نحو تنسيق فعال بين المنظمات السورية)، ويكون هدفه مراجعة عمل المنظمات خلال السنوات الماضية والتخطيط لوضع أفضل في السنوات القادمة.

ماذا يمكن أن نفعل إن فشلنا في عمل مثل هذه المشاريع؟ هل يمكن أن نكون أهلا للدور التاريخي الذي ينتظرنا ونحن نراوح في أماكننا والآخرون يتقدمون كل يوم؟

وتكون الأعباء المالية لهذا المؤتمر الذي قد يستغرق ثلاثة أيام، مقسومة على تلك المنظمات، ويُدعى إليه أشخاص ومفكرون وخبراء، كما يتم دعوة أكبر عدد ممكن من السوريين وأعضاء المنظمات بشكل شخصي على نفقتهم الخاصة. على أن يكون هناك خط أحمر لدى المنظمين، وهو ألا يتحول هذا النشاط إلى مصدر للترزق أو جلب التمويلات، وإلا فإنه سيكون منصة اختلاف وعلامة فشل جديدة.

هل هذا الطرح مثالي؟ هل هو فوق قدرة منظمات المجتمع المدني السورية على التحقيق؟ ماذا يمكن أن نفعل إن فشلنا في عمل مثل هذه المشاريع؟ هل يمكن أن نكون أهلا للدور التاريخي الذي ينتظرنا ونحن نراوح في أماكننا والآخرون يتقدمون كل يوم؟

قد يقول قائل: وما الفائدة من عمل مثل هذه المؤتمرات؟ ماهي النتائج التي سنحققها غير الجعجعة الإعلامية؟

أستطيع أن أذكر عددا من الفوائد، وهي على سبيل الذكر وليس الحصر:

  1. نجاح عدد من المنظمات في عقد مثل هذا المؤتمر يعتبر بحد ذاته إنجازا. أولا لأنه فعل ذاتي وطني خالص. سيجمع عددا كبيرا من السوريين المهتمين بقضايا أمتهم ومستقبل شعبهم. هؤلاء جاؤوا ليسمعوا طروحات حول واقعهم المعاش وكيفية تطويره والاستفادة من تجارب الآخرين.
  2. اجتماع عدة مئات من النشطاء السوريين والمهتمين سيوفر بيئة للتعارف والنقاش عبر دوائر وحلقات غير متوفرة في الوقت الراهن. وهي أساس بناء المجتمع المدني.
  3. سيكون المؤتمر رسالة للسوريين ولغير السوريين أنهم قادرون على الاجتماع والتنسيق وعمل مشاريع مشتركة تصب في الصالح العام، وتعيد ضبط بوصلة العمل السوري وتساعدة في تحديد الأهداف القريبة والبعيدة.
  4. ربما يشكل المؤتمر قاعدة لمشاريع أخرى لاتخطر على البال حاليا.

أخيرا، سمعت أكثر من صديق تركي يقول: استفيدوا من مساحات الحرية والتحرك المتاحة لكم في هذا البلد، جهزوا أنفسكم لقادم الأيام وفكروا بالمستقبل. نظموا أنفسكم فهذه أكبر المشاكل التي تعيشونها..

شارك برأيك

أشهر الوسوم