عصر التطرف والمسوخ.. سيذكره التاريخ بعدد المجازر واللاأخلاق

قيل إنه لكل عصر رجاله ومسوخه، ولكل عصر حكماؤه وسفهاؤه، ولكل عصر عظماؤه. فماذا عن عصرنا؟

في عصرنا، يتم التخلي بالجملة وبشكل شبه يومي عن أهم ما أنجزته البشرية منذ الحرب العالمية الثانية، وهي مجموعة قواعد ومبادئ اعتقدت أنها تحميها من تكرار تلك الفترة الدموية من تاريخها. ومن الطبيعي أن يحتل طغاة مثل بشار الأسد وفلاديمير بوتين صدارة المشهد ليصبحوا رموزاً لهكذا عصر.

"كتلة بوتين" هو لقب أطلقته الصحف الروسية على الكتلة اليمينية الشعبوية الأوروبية التي صعدت إلى البرلمان الأوروبي في الانتخابات الأخيرة، على اعتبار أن الرئيس الروسي يعتبر الداعم الرئيسي للأحزاب الشعبوية الأوروبية ومحبوبها الأكبر بل إن رؤساء هذه الأحزاب والحركات حولوا بوتين لما يشبه الأيقونة، وأصبحت صوره تحتل تجمعاتهم وتطبع على قمصانهم وتمتلئ حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بصوره وصور وكلائه لاسيما بشار الأسد.

وبينما كان نظام الأسد يقوم بتنفيذ المجازر ويقصف المدن والقرى السورية بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية كانت الدعاية الروسية تقوم بتصديره وتقديمه للأحزاب اليمينية المتطرفة والحركات العنصرية في أوروبا وأمريكا عبر جيشها الإلكتروني، وتحول نظام الطاغية إلى أحد الرموز المحببة لهذه الحركات المتطرفة وعليه كان طبيعياً أن تكون هذه المجموعات هي الوحيدة التي تجد ما تمدحه في أفعال بشار الأسد، حيث تعتبره أحد الواقفين في وجه الإمبريالية والصهيونية والمد الإسلامي.

وبينما كان نظام الأسد يقوم بتنفيذ المجازر ويقصف المدن والقرى السورية بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية كانت الدعاية الروسية تقوم بتصديره وتقديمه للأحزاب اليمينية المتطرفة والحركات العنصرية في أوروبا وأمريكا

في 12 من آب 2017 اندفع شاب أمريكي، 20 عاماً، بسيارته صوب حشد من الأمريكيين المعارضين لليمين المتطرف، في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا الأمريكية، مما أدى إلى مقتل امرأة وإصابة 19 شخصاً، وبين الصور والرموز التي اعتاد القوميون المتطرفون نشرها كان هناك صورة لبشار الأسد مذيلة بعبارة "لا يُهزم" في حساب المعتدي على موقع فيس بوك.

كانت البلدة الأمريكية وقتها تشهد تجمعاً للأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة في مقابل مظاهرة لرافضي العنصرية، وكتب أحد المشاركين من القوميين البيض على قميصه "شركة بشار لتوصيل البراميل".

علاقات بوتين مع اليمين الأوروبي المتطرف ليست بجديدة فالرجل سعى إلى مد خطوط التواصل مع هذه الحركات، وقدم لها ما تريد من دعم، بالإضافة إلى أنه تبنى خطابا قوميا مسايرا لتوجهات وأفكار هذه الحركات في خلق مجتمعات متجانسة عرقياً وروحياً والوقوف بوجه ما يسمونه بخطر المد الإسلامي، وفي حين أجمع العالم على إدانة جرائم بوتين في الشيشان، كان اليمين المتطرف أشد داعمي بوتين في حربه التدميرية، وأعاد هذا اليمين الوقوف في صف بوتين في دعمه لنظام الأسد والتهليل للمجازر والجرائم بدعوى أنها تأتي لمواجهة الحركات الإسلامية.

من جهته قدم بشار الأسد خطاباً متماهياً مع الصورة التي رسمتها الدعاية الروسية له، فهو لم يمانع في تصوير حزب البعث على أنه حزب قومي ينتمي لما يعرف بالنازية الجديدة، كما أنه عبر صراحة في خطاباته عن فكرة المجتمع المتجانس والموحد تحت سيطرته محدداً، كما القوميين البيض، صفات "السوري الجيد" الذي يستحق الحياة، ولم تنس الحركات اليمينية حقيقة أن نظام الأسد احتضن أحد ضباط النازية "ألويس برونر " بل تم تدريب عناصره على أساليب التعذيب النازية تحت يدي برونر .

سيطرة بوتين على الحركات الشعبوية اليمينية التي يزداد نفوذها وتأثيرها في أوروبا وأمريكا سهّل له منع تحويل حربه على سوريا إلى قضية رأي عام دولية، فبالرغم من المجازر الوحشية التي ارتكبها نظام الأسد وروسيا واستخدام ميليشيات مرتزقة جندتها إيران للمشاركة في الحرب، تحت شعارات دينية طائفية تقوم على فكرة التكفير والتطهير، تمكنت الدعاية الروسية من لجم مشاعر التأييد وخروج التظاهرات الرافضة لهذه الجرائم عبر إشغال المجتمع الأوروبي والأمريكي بقضية اللاجئين السوريين، حيث كان المسؤولون الروس ومسؤلو النظام السوري هم أول من بدأ بالترويج لوجود عناصر متطرفة من تنظيم داعش ضمن اللاجئين السوريين ليقدموا بذلك مادة خصبة لدعاة العنصرية والتطرف في مهاجمة اللاجئين.

ولم تنس الحركات اليمينية حقيقة أن نظام الأسد احتضن أحد ضباط النازية "ألويس برونر " بل تم تدريب عناصره على أساليب التعذيب النازية تحت يدي برونر 

اليمين المتطرف وجد ضالته في بوتين والأسد، وعبر تبادل المنافع قام بالترويج لهما وتحويلهما لرموز ضمن مؤيديه وفي دعايته، وعمل على نشر آرائه ومواقفه على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث إنه يدعم وبقوة النظرة العنصرية للآخر المختلف، وبالتالي لا يهتم بالضحايا طالما أنهم مختلفون، أو ممن يعتبرهم العدو، ولذلك فحرب بوتين على سوريا تبدو نموذجية لمخيلة اليمين المتطرف الدموية، فبوتين يوزع قنابله وصواريخه بسخاء دون أي رادع أخلاقي وهذا ما يعتبره المتطرفون اليمينيون تطهيراً وحماية لهم من الإسلاميين.

إن الرموز التي انتقتها الحركات والأحزاب تعبر بشكل أو بآخر عن العصر والمفاهيم السائدة، وفي يومنا هذا ومع استعادة الأفكار العنصرية والدينية لقواها، تبدو صور بوتين والأسد الأشد تعبيراً عن عالم يتخلى عن قيمه الأخلاقية، ومبشراً بمستقبل دموي لا يمكن وصفه بالغموض بل إن وضوحه يكاد يكون فاضحاً بحيث لا يمكن لأحد نكران رؤيته.

شارك برأيك

أشهر الوسوم