"سنّة علي مملوك".. ورغبة الأسد بالانتقام من اللبنانيين

قدر لبنان ملازمة المسار السوري. على شناعة غاية بعث سوريا في تكريس منطق المسار والمصير بين لبنان وسوريا. لكن للجغرافيا السياسية حتمّية تاريخية وواقعية في ارتباط المسارين. وذلك قابل للتجلّي في أبسط تفصيل، كما في أكبر الأحداث أو التطورات. فالعقدة المستمرة بعرقلة تشكيل الحكومة اللبنانية، مرتبطة بشكل مباشر بنواب سنّة محسوبين على النظام السوري. يطلق عليهم معارضو النظام في لبنان لقب سنّة علي مملوك. المسألة في شكلها الواضح تبدو بسيطة لجهة سعي طرف لإبراز غلبته وتوفير مكاسب لأتباعه، لكنها في العمق تتجاوز مجرّد هذا التفصيل، وتعبّر عن مسعى استراتيجي يعمل محور الممانعة على تكريسه في لبنان كما في سوريا. في لبنان برعاية إيرانية مباشرة، أما في سوريا، فثمة استناد إلى استغلال المظّلة الروسية.

ما تريد موسكو تكريسه في سوريا من خلال استقطاب بعض الشخصيات السنية من المعارضة السورية، تهدف من خلاله إلى استنساخ تجربة الشيشان، عبر الإتيان

أصبح لدى المعارضة السورية مصطلحاً حول بعض السنّة يوصّفهم بأنهم سنّة موسكو، أو سنّة قاديروف. كما في لبنان يُصطلح على تسمية سنة 8 آذار بسنّة علي مملوك

بجماعات سنّية تابعة لها، كي توفّر غطاء لسياساتها، لأنه لن يكون بإمكانها الاستمرار والوصول إلى إنجاح أي تسوية سياسية بدون ضم ممثلين عن المكون الأكثري في بلاد الشام. وهذا المسعى عملت روسيا على تكريسه في عدد من التوافقات السياسية بعد توافقات ميدانية أنجزتها بقوة التهديد أو بلغة "الدغدغة" عبر نشر عناصر سنية من الشرطة العسكرية الشيشانية في مناطق المعارضة التي تم الاستيلاء عليها. فأصبح لدى المعارضة السورية مصطلحاً حول بعض السنّة يوصّفهم بأنهم سنّة موسكو، أو سنّة قاديروف. كما في لبنان يُصطلح على تسمية سنة 8 آذار بسنّة علي مملوك.

يتقابل المسعى الروسي مع الهدف الممانعاتي في خرق الساحة السنّية اللبنانية، وهذه قد بدأت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عبر إيصالهم إلى مجلس النواب، ويراد تقريش ذلك في المعادلة الحكومية، عبر فرض توزير ممثل عن هؤلاء، وتسجيل خرق ثغرة في الجدار السنّي تؤسس إلى المرحلة المقبلة، بحيث يصبح بإمكان هؤلاء تعزيز حضورهم أكثر. الشرط المفروض لتوزير هؤلاء في لبنان أصبح معروف المنبع، وهو ناجم عن ضغط يمارسه النظام السوري على كل حلفائه بهدف توزيرهم، مقابل تسعير الهجوم على سعد الحريري المعارض للنظام السوري، وباقي حلفائه.

قبل فترة، خرج الزعيم اللبناني وليد جنبلاط بتصريح واضح، معتبراً أن النظام السوري لن يترك لبنان، وهو يسعى إلى الانتقام من كل القوى التي وقفت بوجهه وعارضته. الضغط الممارس في هذه المرحلة، يندرج في الإطار نفسه. حتى عاد شبح النظام يخيّم على اليوميات اللبنانية، سواء عبر رموز خلّفها من مرحلة فاتت، أو في ادعاء هؤلاء بأن النظام يهم عائداً إلى لبنان سيطرة وانتقاماً. حنين هؤلاء إلى زمن ما قبل العام 2005، أي الفترة التي خرج فيها الجيش السوري من لبنان، دفعهم إلى إعادة تجديد خطابهم السابق، وتصوير المرحلة وكأنها مشابهة للمرحلة التي أدت إلى اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، لا يمكن قراءة الخطابات المسيئة للحريري الأب والابن خارج هذا السياق، بعد ما شهدته بيروت في الأيام الفائتة من رفع لافتات مهينة للحريري ربطاً بمواقف أزلام النظام تجاهه.

عملية الانتقام من معارضي النظام السوري بدأت في السياسة. عبر تحجيم دور وليد جنبلاط وزارياً، وتطويق حزب

يحاول النظام السوري العودة إلى التعاطي مع لبنان وكأنه محافظة سورية، مقابل استصعاب بعض القوى اللبنانية الانفكاك عن تبعية النظام للاستمرار

القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع حكومياً، فيما الآن الحملة تستهدف الحريري وبيئته السنية، عبر تجميع بعض النواب المشتتين في كتلة واحدة، بأسلوب يذكّر اللبنانيين بممارسات النظام ما قبل الانسحاب وما قبل الثورة السورية. القراءة تتأكد أكثر، في مسألة توزيع الأدوار بين القوى التابعة للنظام. من تحالف الأقليات الجوهري إلى التحالف السياسي التقني، يحاول النظام السوري العودة إلى التعاطي مع لبنان وكأنه محافظة سورية، مقابل استصعاب بعض القوى اللبنانية الانفكاك عن تبعية النظام للاستمرار.

ما يؤكد هذا الكلام، هو لقاء حصل قبل فترة بين شخصيات سياسية لبنانية ورئيس النظام السوري بشار الأسد. تخلل ذلك اللقاء نوع من تحريض لبناني للأسد على اللبنانيين المعارضين له، وجهوا له أسئلة عما سيفعله بعد التقاط أنفاسه، إذا ما سيثأر من اللبنانيين الذين وفق توصيف البعث قد خانوه، فكان ردّه يومها أنه لن ينسى وسيردّ الكيد في النحور. على ما يبدو أن ما يجري في لبنان، ليس إلا فصلاً تمهيدياً لما هو آت.

شارك برأيك

أشهر الوسوم