جرابلس بعد عام من انتهاء "درع الفرات" نجاحات تشوبها منغصات

دوار المحطة وسط مدينة جرابلس بعد ترميمه وتزيينه بصور الشهداء عبدالقادر صالح ويوسف الجادر "أبو فرات" (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا- فراس محمد

في الثالث والعشرين من شهر شباط الماضي مرت الذكرى السنوية لانتهاء العمليات العسكرية في عملية "درع الفرات" بعد إعلان فصائل الجيش الحر والقوات التركية المشاركة في العملية سيطرتها الكاملة على مدينة الباب آخر معاقل تنظيم الدولة في ريف حلب، وذلك بعد ستة أشهر من انطلاق العمليات العسكرية التي سيطرت في أيامها الأولى على مدينة جرابلس.

وبعد مرور عام كامل على انتهاء العمليات العسكرية شهدت مجمل المناطق التي تم طرد التنظيم منها نشاطاً ملحوظاً على مستوى إعادة الإعمار وتأهيل المدارس والمشافي والطرقات التي تضررت بشكل كبير إبان سيطرة التنظيم على هذه المناطق، بالإضافة لإنشاء جهاز للشرطة والأمن العام، كما شهد قطاع الزراعة والتجارة تحسناً ملحوظاً خلال هذه الفترة، لكن رغم هذا النشاط مازال عدد كبير من المواطنين يعتقدون أن ما تم تقديمه خلال هذه الفترة لم يرتقِ حتى الآن لمستوى الطموح، وهناك مشاكل مازالت تؤرق المواطنين وخصوصاً أمور الأمن وفوضى الفصائل، وإعادة الإعمار في المدن التي تضررت بشكل كبير خلال العمليات العسكرية، بالإضافة لتوافد أعداد كبيرة من النازحين إلى المنطقة.

جرابلس أولى مدن عملية "درع الفرات" 

تستمد مدينة جرابلس أهميتها بالنسبة لعملية "درع الفرات" كونها المدينة الأولى التي تم السيطرة عليها، وطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" في 24 أب 2016، وشهدت المدينة منذ ذلك الوقت جملة من التغييرات الخدمية والاقتصادية والديموغرافية والأمنية.

فوفق بيانات المجلس المحلي الرسمية التي حصل عليها موقع تلفزيون سوريا فإن المدينة خطت خطوات كبيرة باتجاه تجاوز السنوات الثلاث العجاف التي قضتها في ظل سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وخاصة في قطاعي الصحة والتعليم والزراعة، لكن مازال هناك مشاكل في قطاع الخدمات كالكهرباء والماء والبنية التحتية، بينما مازال الملف الأمني وفوضى السلاح والفصائلية هو الشغل الشاغل لمعظم أهالي المنطقة.

 

 

فبالنسبة للقطاع الصحي تم افتتاح مشفيين الأول هو المشفى التركي في مدينة جرابلس والذي يشمل معظم الاختصاصات الطبية، لكنه يفتقر لمركز غسيل الكلى، والمشفى الثاني هو مشفى الأطفال والنسائية في ناحية الغندورة الذي يقدم الخدمات الصحية في الناحية والقرى المحيطة بها، كما تم تأهيل 7 مراكز طبية في المدينة والريف تقدم الخدمات الطبية الأولية واللقاحات الدورية، أما العيادات الطبية الخاصة والمرخصة من المكتب الصحي فوصل عددها لـ 50 عيادة بالإضافة لـ 25 صيدلية خاصة يتم تأمين الأدوية لها من تركيا.

بالمقابل يشهد قطاع التربية والتعليم تطوراً ملحوظاً هو الآخر في ظل الدعم المقدم من قبل وقف التعليم التركي، حيث تؤكد بيانات المجلس المحلي تجهيز معظم المدارس في المنطقة (ريف ومدينة)، حيث تم افتتاح نحو 100 مدرسة ابتدائية بعدد طلاب وصل إلى (25518)، وخمس مدارس إعدادية بعدد طلاب وصل إلى (1678) بينما تم افتتاح الثانوية الرئيسية في المدينة وعدد الطلاب فيها وصل إلى (180) طالبا.

 

 

ويعمل في هذه المدارس (1009) مدرسين، و108 إداريين، ويتم تقديم الرواتب للمدرسين واحتياجات الطلاب من كتب وقرطاسية وخزن ومقاعد من وقف التعليم التركي بالتعاون مع مديرية التربية في مدينة غازي عنتاب التركية.

لكن رغم النشاط الملحوظ الذي شهده قطاع التربية فإنه تعرض للنقد وخاصة فيما يخص المناهج التربوية، التي يظهر بها العلم التركي إلى جانب علم الثورة السورية، بينما ذهب البعض لاتهام المدارس في المنطقة بتعليم اللغة التركية.

وبرر المسؤولون في المنطقة وجود العلم التركي على بعض الوثائق الطلابية كالجلاء المدرسي بشكر الحكومة التركية لما تقدمه في قطاع التربية، بينما نفوا بشكل قاطع أن يكون التعليم في المنطقة يتم باللغة التركية، بل يتم تعليم اللغة التركية كلغة ثانية مثلها مثل اللغة الإنكليزية بينما اللغة الرئيسية في المناهج هي اللغة العربية.

أما فيما يخص الزراعة التي تشكل الركيزة الاقتصادية الأولى في المنطقة فتتنوع المحاصيل الزراعية حيث تقدر إحصاءات المكتب الزراعي عدد الأشجار المثمرة الأساسية بـ 1.5 مليون شجرة فستق حلبي، و1.5 شجرة زيتون بالإضافة لأنواع أخرى من الأشجار المثمرة كاللوز والمشمش والحور لكن بأعداد أقل، في حين يعتبر القمح والشعير أهم المحاصيل الفصلية، أما الثروة الحيوانية فتقدر الإحصاءات عدد الغنم بـ 41000 والأبقار بـ 4000.

ووفق المكتب الزراعي للمجلس المحلي فقد تم تأمين 26000 كغ بذور عالية الإنتاجية من تركيا، ودعم المزارعين بـ 50 طن سماد وزّعت مجانا على المزارعين، كما تم تأمين 2400 ليتر دواء لأشجار الفستق والزيتون، ومبيدات أعشاب عريضة ورفيعة لكل القرى.

لكن مازال الفلاحون يشتكون من ارتفاع أسعار المحروقات وخاصة في الأراضي المروية، مما يتسبب في ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل كبير، وتؤثر على الجدوى الاقتصادية لكثير من المحاصيل الرئيسية.

لكن أمام هذا التحسن الملحوظ في بعض القطاعات، مازالت هناك بعض المنغصات التي تؤثر سلباً على الاستقرار في هذه المناطق، ويأتي في مقدمة هذه المنغصات الجانب الأمني الذي يشهد حتى الآن خللاً واضحاً.

ويؤكد ناشطون في المنطقة أنه رغم إنشاء جهاز الشرطة والأمن العام قبل أكثر من عام، فإن المنطقة ما زالت تعاني من فوضى أمنية وتكرار حوادث الاختطاف والقتل، بالإضافة لعدم قدرة جهاز الشرطة على مواجهة مشكلة فوضى السلاح الناتج عن وجود أسلحة ثقيلة ومتوسطة بيد فصائل الجيش الحر، وخاصة في مقاره المنتشرة في المدينة وبعض القرى، ورغم الدعوات المتكررة لإخراج المقار العسكرية والظواهر المسلحة من المدينة غير أنها لم تحدّ حتى الآن من هذه الظاهرة.

 

 

ويضيف الناشطون أن الفصائل العسكرية أنشأت لجنة أمنية لمتابعة المطلوبين وخاصة عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" وميليشيات "قوات سوريا الديمقراطية" إلا أن الموضوع كان له أثر سلبي في انتشار الحواجز العسكرية والسلاح داخل المدينة، وفي الحواجز المنتشرة في القرى القريبة من خطوط التماس مع "قوات سوريا الديمقراطية".

وفي سبيل الحد من مظاهر انتشار السلاح لدى الفصائل العسكرية أكد المجلس المحلي تشكيل جهاز شرطة عسكرية مختصة بأمور العسكريين بالتعاون مع الشرطة المدنية وبتنسيق مع القوات التركية، وذلك بهدف الحد من هذه الظواهر.

وبالإضافة للمشكلة الأمنية تشهد المنطقة اكتظاظا سكانيا كبيرا بسبب موجات النزوح التي قدمت إلى المنطقة، حيث يفوق أعداد النازحين أعداد أهالي المنطقة بأضعاف، ويُقدر تعداد النازحين في المدينة بنحو 100 ألف نازح، يعيش 20 ألفا منهم في مخيمات نظامية كما يعيش قرابة 10 آلاف في مخيمات عشوائية بينما يعيش البقية في بيوت مستأجرة.

 

 

وتسبب الضغط الكبير في أعداد النازحين بارتفاع أسعار العقارات وقيمة التأجير بشكل كبير في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها الـ 25 ألف نسمة.

أما باقي الخدمات الأساسية فمازالت المنطقة تعاني من نقص في الكهرباء حيث تقوم تركيا بتزويد المدينة وبعض القرى بالكهرباء بـ 6 ميغاواط، بينما تقدر احتياجات المنطقة بـ 35 ميغاواط، وهو ما يتسبب بانقطاع الكهرباء لساعات طويلة خلال اليوم، أما مياه الشرب فمازالت قرى عديدة تعاني من عدم وجود مياه صالحة للشرب وخاصة القرى البعيدة عن مركز المدينة، مما يجبر الناس على استخدام مياه الآبار الارتوازية غير الصالحة للشرب.

وتعتبر المناطق التي تمت السيطرة عليها في عملية "درع الفرات" وبالتحديد مدينة جرابلس محط أنظار قطاع كبير من السوريين، حيث تعول المعارضة السورية ومن ورائها تركيا في تقديم نموذج صحيح للرد على ما يروّج له النظام منذ بداية الثورة بأن الثوار هم مجموعة من الإرهابيين والمتشددين، وفشل المعارضة سيكون حتما نكسة جديدة في مسيرة الثورة السورية لا يقل تأثيرها عن الانتكاسات العسكرية التي تتعرض لها خلال الفترة الماضية.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم