الثقافة السورية في لبنان: احتضان وتشارك وتنافر

هذه المقالة هي توسعة لورقة شاركت بها في ندوة "احتضان، تشارك، أم تنافر؟ الفاعلية الثقافية السورية في لبنان" (28 أيار المنصرم)، نظّمها "معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة" في الجامعة الأميركية في بيروت، بالشراكة مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية.

"لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء - لا شيء يربطني بهذه المروج - سوى النسيم الذي تنشّقته صدفة فيما مضى - ولكن من يلمس زهرة فيها- يلمس قلبي - من بلس إلى جاندارك - ومن جاندارك إلى بلس - رفعت يدي مئات المرات - محيياً مئات الأشخاص - باليد التي تأكل - والتي تكتب - والتي تجوع..".

هذا مطلع قصيدة "مقهى في بيروت" للشاعر السوري الراحل محمد الماغوط، من ديوانه "غرفة بملايين الجدران" الذي صدر عن منشورات مجلة "شعر" عام 1960.

يومها كان الماغوط طريد المخابرات السورية، لاجئاً إلى بيروت هرباً من الاضطهاد السياسي. ويومها كانت المدينة مقصداً لمعارضين سوريين على اختلاف معارضاتهم. بل وكانت تستقبل أيضاً جالية كبيرة من الارستقراطيين السوريين وكبار البرجوازيين وأصحاب الملكيات الواسعة ونخبة من التجار والصناعيين والرأسماليين. جميعهم أتوا بثرواتهم وأرصدتهم إلى العاصمة اللبنانية، التي وفد إليها أيضاً أقران هؤلاء من مصر والعراق وفلسطين وبعضهم حتى من لواء إسكندرون ومن اليمن والسودان. وترافق مجيئهم مع تدفق أموال النفط العربي في المصارف اللبنانية، وعشرات الآلاف من أهل دول الخليج سياحة واصطيافاً وتسوقاً وطبابة وتعليماً.

يومها كان الماغوط طريد المخابرات السورية، لاجئاً إلى بيروت هرباً من الاضطهاد السياسي. ويومها كانت المدينة مقصداً لمعارضين سوريين على اختلاف معارضاتهم. بل كانت تستقبل أيضاً جالية كبيرة من الارستقراطيين السوريين وكبار البرجوازيين وأصحاب الملكيات الواسعة ونخبة من التجار والصناعيين والرأسماليين

وقبل ذلك، منذ مطلع القرن العشرين وحتى السبعينات، أتى إلى بيروت الهاربون من المذبحة الأرمنية، وبعض الروس البيض واليونانيون، بل التقيت بعائلات بولندية استوطنت بيروت خلال الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الكرد والأقباط والكلدان والأشوريين والسريان والبهائيين، هذا إضافة إلى اليهود الذين هربوا من دول عربية ولم يتجهوا إلى دولة إسرائيل. ولا ننسى الجاليات الأميركية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية.. وعلى الأرجح، لا تعداد للجنسيات والأعراق وأتباع الأديان والملل، الذين اختاروا بيروت موطناً دائماً أو ملجأ مؤقتاً لهم. وحذا حذوهم أيضاً لبنانيو الأطراف والأرياف الذي هبطوا إليها سعياً وراء حياة أفضل.

ويمكننا والحال هذه القول إن "الغرباء" هم الذي شكلوا ورسموا وكتبوا سيرة المدينة وعمرانها ولغتها وذاكرتها وثقافتها. ونحن في كلامنا المعتاد غالباً ما نميز بين "البيارتة" أي السكان الأصليين، و"البيروتيين" أي هذا الخليط الهائل الذي وحده ما يجعل مكاناً ما يكتسب صفة المدينة على معناها الأول والأخير. أي التواطؤ على الاختلاف والتنوع والتسامح والتعايش والتخفف من الهويات والأصول والإقبال على الآخر. وما كان هذا ممكناً إلا بتوفر شرط الحريات العامة والفردية وطمأنينة سيادة القانون.. وأجازف في القول إن هذا مستحيل من دون نظام ديموقراطي وحرية اقتصادية – تجارية، وثقافة كوزموبوليتية ونمط حياة ليبرالية.

إن من ثمّن تلك التجربة البيروتية ومنحها السحر هم غرباؤها. لنا أن نتخيل الثقافة اللبنانية من دونهم. على الأرجح لما غادرنا الدبكة والميجانا والزجل، ولا الفقر الريفي القديم، ولما كانت هذه الجامعة الأميركية هنا. صحيح أن النظام السياسي اللبناني هو من ضمن الانفتاح والتعدد وحرية المعتقد والتعبير، لكن الذين وفدوا إلى لبنان هم الذين أعلوا من شأن هذه القيم ومارسوها بتعطش ولهفة عليها.

في العام 1991 قابلت الماغوط في دمشق، حين قال لي "بيروت مثل أم منهمكة في الغسيل وإذا بان فخذاها قالوا عنها عاهرة". في ذاك الوقت، كانت تتم مراجعة تاريخ المدينة بعد انتهاء الحرب، مراجعة الخطاب الثقافي العربي في النظرة إلى لبنان وبيروت وما اقترف بحقهما. فهذه "العاهرة" (كما درج في الشعر الجيد والرديء) هي بمعنى الذم العروبي واليساري، (والإسلامي لاحقاً) رصيف ومرفأ وجامعات أجنبية وفنادق وحانات وسفارات وسياح وصحف مأجورة ومطابع مشبوهة وتجار وبيزنس وفتيات في الشوارع ونساء سافرات.. إلخ، بينما في الخطاب الثقافي والأيديولوجي نفسه كانت دمشق هي  "قلب العروبة" وبغداد "النشامى" أو بغداد "الرشيد".. إلخ حيث لا دنس ولا انحلال ولا اختلاط ولا أجنبة ولا صحافة ولا مطبعة.

كل سوء الفهم اللبناني السوري يكمن هنا. في الفارق بتعريف النفس وتعريف المدينة وتعريف السياسة (والدولة) وفق خطابين متعارضين قيمياً وأيديولوجياً. ويفاقمه أصلاً سوء فهم لبناني – لبناني حول تعريف كيانهم وهويتهم، لكن ما يحوله إلى كارثة طغيان الشوفينية ونعراتها. 

كل سوء الفهم اللبناني السوري يكمن هنا. في الفارق بتعريف النفس وتعريف المدينة وتعريف السياسة (والدولة) وفق خطابين متعارضين قيمياً وأيديولوجياً. ويفاقمه أصلاً سوء فهم لبناني – لبناني حول تعريف كيانهم وهويتهم

الفارق في التنافر أو التشارك هو هنا ليس بين لبنانيين وسوريين، بل بين وجهتين، لكل وجهة لبنانيوها وسوريوها.

لقد كانت آخر محاولة لبنانية ذات معنى لتركيب هوية وطنية، لا تسبب العار (الطائفي أو العنصري) حصلت 2005 وهزمت. منذ بدايتها كان ثمة إشارات إلى أن الهزيمة تنتظرها عند أول منعطف. وتأكد مسار الهزيمة في العام 2006 وتثبتت في العام 2008. بالمقابل (برأيي) كان السوريون يحاولون لأول مرة "صنع" سوريا فعلياً، ليس أيام الانتداب بل في العام 2011. أي حين قرروا أن يكون لهم بلد طبيعيّ وليس "القطر العربي". ومثلما أصابت الهزيمة اللبنانيين، أصيبوا هم بهزيمة، أو بنكبة أقوى من النكبة الفلسطينية.

في مشواري الأخير إلى دمشق عام 2004، حين قال لي يا يوسف اكتبْ: "نداء إلى اللبنانيين.. تمسكوا بكعب حذاء الحرية المتبقي لكم". تلك الحرية المشتهاة لنا جميعاً

لذا، عندما نخوض نقاشاً حول العلاقة بين السوري واللبناني، يجب أولاً أن ندرك أن الطرفين مأزومان إلى حد المأساة التامة. وعلينا أن ننتبه إلى فكرة أساسية، مفادها أن اللبنانيين هم في إشكالية مع أنفسهم في تعريف هويتهم. والسوريون منذ 2011 وحتى اليوم، بالكاد بدؤوا بالتعرف على بعضهم البعض، "تعرّف" يأخذ طابع حرب إفناء وليس طابع التلاقي، حرب لا تخلو من عنصرية دموية بين السوريين أنفسهم، حتى يمكن القول إن العنصرية اللبنانية، بالإضافة إلى "جذوتها" المحلية، تغذت من العنصرية الأسدية نفسها. وفي مقاربة أخرى، السوريون كانوا بمنحى إيجابي، في السنوات الأخيرة، يكتشفون أسماء قراهم وحدود محافظاتهم ولهجاتهم وفلكلورات جماعاتهم وتنوعاتهم (ونحن كنا أيضاً نتعرف معهم على هذه الـ"سوريا").

بمعنى آخر، وفي خضم مسعى اللبنانيين لإنجاز تصور مقبول لهويتهم والتصالح معها، كذلك يفعل السوريون. وأظن أن المهمة الثانية هي الانطلاق نحو "مصالحة الهويتين". وفي الأثناء، يتوجب علينا التوقف عن إنكار "الاختلاف" الضروري والطبيعي بين كيانين عاش كل منهما تاريخاً سياسياً وتجربة ثقافية – اقتصادية متباينة.

أختم بالماغوط مجدداً، في مشواري الأخير إلى دمشق عام 2004، حين قال لي يا يوسف اكتبْ: "نداء إلى اللبنانيين.. تمسكوا بكعب حذاء الحرية المتبقي لكم". تلك الحرية المشتهاة لنا جميعاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم